عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jul-2016

الشريف الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى
 
الغد- أ. د. كامل صالح أبو جابر - واضح أن العصر الحديث ليس لطيفا ولا رحيما مع العرب؛ إذ ما تزال قطاعات واسعة من شعوبنا تشعر أنها غريبة عن هذا العصر الذي تعيش على حوافه وأطرافه.
منذ حملة نابليون على مصر نهاية القرن الثامن عشر، والذي أطلق -بعد انكساره في عكا وعودته إلى بلاده- ما أصبح يسمى "نداء مونبلييه"، ودعا فيه يهود العالم إلى "العودة" إلى فلسطين، ثم تبعه بعد ما يزيد على القرن وعد بلفور، لم ينعم العالم العربي ولو بلحظة واحدة من الطمأنينة والسلام أو راحة البال. منذ تلك اللحظة والأزمات والكوارث تتوالى، مما قاد إلى اختلال بنيوي في الذات العربية، قاد بدوره إلى ضياع الثقة بالنفس واليقينية، وإلى الفوضى والانزلاق المستمر من حال سيئة إلى أخرى أسوأ.
في مثل هذه الأجواء، جاءت صيحة شريف العرب الحسين بن علي، حين أطلق رصاصة إعلان الثورة العربية الكبرى العام 1916، ودعوته لقيام العرب لحكم أنفسهم في دولة عربية موحدة، فلسطين جزء أساسي منها. مثل هذا الهدف النبيل اصطدم مباشرة مع المخططات البريطانية الفرنسية، وتبنيهما لمضامين معاهدة "سايكس-بيكو" من جهة، ووعد بلفور من جهة أخرى.
يحتفل الأردن هذه الأيام وحده بالذكرى المئوية للثورة العربية الكبرى، من دون قيام أي دولة عربية أخرى بذلك، وكأن الثورة لم تكن عربية، رغم أن أحد أهم دوافعها كان قيام العرب بحكم أنفسهم في دولة موحدة مستقلة، لا ما آلت إليه الأمور من تمزيق لهذه الوحدة وتحقيق أهداف وعد بلفور بإنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين قلب العالم العربي. صحيح أن الاعتراف الدولي بإسرائيل تم العام 1948. لكن حقيقة الأمر أن إنشاءها تم بإعلان الانتداب البريطاني على فلسطين العام 1923، والذي نص على إنشاء الوكالة اليهودية التي كانت عمليا بمقام دولة لليهود داخل دولة الانتداب البريطاني على فلسطين.
قيل عن الشريف الحسين إنه كان عنيدا. وقد كان بالفعل عنيدا للحق والعدل ولإرثه التاريخي وهو حفيد الرسول العربي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ إذ رفض القبول بـ"سايكس-بيكو" وتطبيقاتها جملة وتفصيلا، كما ورفض المساومة على فلسطين وآثر حياة المنفى وشظف العيش في قبرص حيث توفي. وطلب أن يدفن بعد وفاته في رحاب المسجد الأقصى في القدس، ليؤكد لنفسه وللعالم على مكانتها في نفوس العرب والمسلمين.
من المحزن أن الاحتفاء بذكرى الثورة العربية الكبرى يقتصر على الأردن. فالشريف كان عربيا؛ مصريا وسودانيا وفلسطينيا وعراقيا وتونسيا.... إلخ. وحين قام بثورته، لم يقم بها لأجل الأردن فقط، وإنما لوحدة العرب وعروبة فلسطين. وكان أول عربي توفرت لديه الشجاعة الأدبية والحمية القومية ليقف في وجه محاولات تتريك العرب. وعلى الرغم من كونه مسلما ورعا وتقيا، إلا أنه آثر الثورة على أبناء دينه على أن يشاهد استمرار الاستكبار والاستعلاء والعثمنة التركية على العرب.
جاءت مطالبة الشريف التاريخية بعد أن نسي العرب فن الحكم وحكم أنفسهم. إذ ربما منذ عهد الخليفة المعتصم العباسي الذي أدخل العسكر الأتراك إلى بغداد، لم يقم العرب بحكم أنفسهم، بل تتالت عليهم عهود السلاجقة والفرنجة والمماليك والعثمانيين حتى انهيار الإمبراطورية العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى.
كان بإمكان الشريف أن يستمر في إدارة شؤون إمارته معززا مكرما. لكنه اختار أن يحاول تحقيق الحلم بقيام دولة عربية موحدة. زمنه كان زمن القوميات، وقد تألم لمحاولات القضاء على العروبة التي كانت جماعة الوحدة والتقدم التركية تقوم بها. كما أنه ولا شك انتبه إلى نفوذ القومية اليهودية الصهيونية والقومية الإيرانية، وبدايات ظهور القومية الكردية. كل هذه الأمور لا شك لعبت دوراً فاعلاً في التمهيد الفكري لقيامه بدور قيادة الثورة العربية الكبرى وإحياء الهوية العربية.
نتحسر اليوم على دول "سايكس-بيكو" التي ناصبها المثقف العربي العداء منذ قيامها، باتهامها أنها دول "مصطنعة"، تم تصنيعها لخدمة أهداف الاستعمار لا لخدمة الشعوب العربية، وننسى أن الشريف الحسين بن علي وقف ضد قيامها، كما ننسى كذلك أن نجاح ثورته من عدمه لا يعود إلى نواياه أو جهوده، بل يعود إلى الاختلال الهائل لموازين القوى السياسية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية ما بين العرب والغرب والصهيونية آنذاك. واليوم، أصبح الحفاظ على دول "سايكس-بيكو" مطلباً لا بل حلماً عربياً يتمناه كل عربي شريف.
الثورة العربية كانت للعرب، قادها الشريف وأبناؤه لكرامة وتكريم العرب. مما يجعلني أشعر بالحزن والعتب على المثقف العربي المطلع على التاريخ الذي لم يعط هذا القائد الجليل حقه ومكانته في التاريخ. وقد اختار المنفى على المساومة على فلسطين ووحدة العرب.
وننسى فيما ننسى أهداف الثورة ومبادءها التي تتلخص بالمطالبة بحق العرب أن يحكموا أنفسهم ويطوروا هويتهم في دولة موحدة مستقلة. ولعل هدف الثورة الثاني كان الحفاظ على عروبة فلسطين وقدسها الشريف. كما من أهداف ثورة الشريف الحفاظ على التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، كما تبين رسالته إلى أبنائه يوصيهم فيها كذلك بالحفاظ على طائفة الأرمن اليعاقبة. كل ذلك في دولة تصالح ما بين الأصالة والمعاصرة من خلال العمل على التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يقود إلى نهضة حقيقية للعرب كي يتمكنوا مرة أخرى من المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.
صحيح أن ثورة الشريف الحسين بن علي لم تعط النتائج التي كان يحلم بها ويعمل لأجلها، لأن ظروف وحقائق العصر جميعها وقفت ضده، لكن أهداف الشريف وثورته كانت نبيلة حتى لو أنها لم تنجح، ما يجعلها بالفعل ثورة عربية وكبرى، تستحق التكريم في المغرب ووادي النيل وجزيرة العرب وخليجه وبلدان الهلال الخصيب.
 
*وزير الخارجية الأردني الأسبق
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات