عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Apr-2018

أنا لغتي: بين فرناندو باسوا ومحمود درويش

 القدس العربي-منصف الوهايبي

كتب الشاعر البرتغالي فرناندو باسوا (1888ـ 1935) في «كتاب اللاطمأنينة»(ترجمة المهدي اخريف، الكرمل العدد 66 /2000) أنّ الإنسان الذي لا يعرف كيف يفكّر ما يحسّ، هو الذي ينصاع للنّحو، ويوضّح في سخرية «وطني هو اللغة البرتغاليّة، ولن يحزنني أن يُجتاح البرتغال أو يُحتلّ، طالما لم يصبني الأذى شخصيّا، لكنّني أشعر بكراهيّة حقيقيّة نحو الصّفحة المكتوبة بشكل سيّء…أكره النحو المستعمل مغلوطا كراهيّتي لأشخاص يتوجّب صفعهم…» وليس في هذا أيّ تناقض بينه وبين دعوته في السياق نفسه، إلى انتهاك القاعدة النّحويّة كلّما لزم، لأنّه يتحدّث عن»برتغاليّته» هو من جهة، ولأنّ ما يميّز الخطأ من جهة أخرى، بالمعنى الشعري؛ إنّما هو القصد. ولولا القصد لاستوت أقاويل الكتّاب والشّعراء، بأغاليط الأطفال وهلوسات المجانين. 
لنقل هي شعريّـة الخطـأ» أو «جماليّة الخطأ» من حيث هي طريقة خاصّة في تدبّر العلاقات بين اللّغة والذّات، وبين اللّغة والمجتمع، في صور أو تراكيب قاعدتها نقض القاعدة، بحيث يحلّ تركيب محلّ تركيب أو يتسمّى شيء باسم شيء آخر، أو هو يصبح شيئا لغويّا، لتتحوّل الكلمة في العالم وعنه، إلى خيال تتجاوب فيه وبه الأشياء والكائنات.
وقد طرح باسوا على نفسه ذات يوم السؤال الذي يطرحه الكاتب عادة: «كيف أكتب؟» وخلص إلى أنّ نظام الأسلوب يرتكز على أساسين: أوّلهما أن يعبّر الشاعر أو الكاتب عمّا يحسّ تماما وفق ما يحسّ، بوضوح إن كان ما يحسّه واضحا، وبغموض إن كان غامضا، وملتبسا إن كان ما يستشعره ملتبسا بالفعل. وثانيهما أنّ القاعدة النّحويّة هي أداة وليست قانونا.
وساق نصّا ممتعا يصف فيه صبيّة تلوح في هيئة غلام أو صبيّ، وكتب «تلك الولد « بدل «ذلك الولد»، لينتهك بذلك أكثر القواعد النّحويّة تواترا؛ وهي التي تلزم المتكلّم بمراعاة التطابق في الجنس والعدد بين النعت والمنعوت. يقول باسوا: « أنا لم أتكلّم وإنّما عبّرت». وفي السياق نفسه، يتابع باسوا استعمالات لغويّة مخصوصة مثل الأفعال اللازمة والأفعال المتعدّية، ليقطع بانّها تقسيمات مشروعة وزائفة في آن، لأنّ الإنسان الذي يجيد التعبير عمّا يحسّ، يجد نفسه مدفوعا في حالات غير قليلة، إلى أن يحوّل فعلا متعدّيا إلى لازم أو العكس. والأسلوب نفسه خطأ مقصود. ولكن شريطة أن ندرك أنّ اللّغة ليست تمثّلا لحقيقة موجودة سلفا، وشهادة لنظام ما للكون، مرتّب ملموس. فالإقرار بهذا لا يعدو رؤية مثاليّة تتصوّر الإنسان موجودا في نظام خارج نطاق سيطرته، وإن لم يكن خارج نطاق قدرته على تنظيمه. ومثل هذا التصوّر الميتافيزيقي هو الذي يرى في الخطأ، إحالة وفساد معنى، أو إفراطا في استخدام النحو واستهانة بقواعده. 
إنّ الخطأ الجميل في السياق الذي نحن به اضطراريّ وليس اختياريّا. وربّا لا مسوّغ له سوى إرادة المتكلّم في أن تكون له لغته داخل اللغة، وفي قول «ما لا ينقال» أو ما يدقّ عن القول والوصف، لقصور لغويّ، وكأنّ الذّات تريد من اللّغة أن تبلّغها ما ليس تبلغه من نفسها اللّغة.
بل إنّ هذه الخشونة أو ما يسمّى بالتّنافر النحوي «المنطقي»، ليس إلاّ مظهرا خادعا، ذلك أنّ مناط الأمر ّتقنين نحويّ «استعاريّ»، وطريقة خاصّة في تحويل النحو إلى نظام لا سند له إلاّ من داخل الخطاب، وما يمكن أن ينهض به من إضاءة التّماثلات القائمة في ذات المتكلّم.
ويقول اميل سيوران (1911 ـ 1995) وكأنّه يعقّب على باسوا، أو يشرح قوله: «نحن لا نقيم بوطن، إنّما نقيم في لغة. والوطن هو هذا وليس شيئا آخر.» ويقول جورج سامبرون (1923ـ 2011): « وحاصل الأمر، فليست اللغة هي وطني، لا الفرنسيّة ولا الاسبانيّة؛ إنّما وطني هو الكلام أي فضاء التواصل الاجتماعي والخلق اللغوي: إمكان من إمكانات تمثّل العالم، وتغييره أيضا…» 
ويقول محمود درويش في»قافية من أجل المعلقات»: 
«ما دلّني أحد عليّ. أنا الدليل، أنا الدليلُ
إلى بين البحر والصحراء. من لغتي ولدتُ
على طريق الهند بين قبيلتين صغيرتين عليهما
قمر الديانات القديمة، والسلام المستحيلُ
وعليهما أن تحفظا فلك الجوار الفارسيّ
وهاجس الروم الكبير؛ ليهبط الزمن الثقيلُ
عن خيمة العربيّ أكثر. من أنا؟ هذا
سؤال الآخرين ولا جواب له. أنا لغتي أنا
وأنا معلّقة… معلقتان… عشرٌ، هذه لغتي
أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات
كنْ
جسدي، فكنت لنبرها جسدا. أنا ما
قلت للكلمات: كوني ملتقى جسدي مع
الأبديّة الصحراءِ. كوني كي أكون كما أقولُ…»
نتبيّن من هذه الشذرات أنّ الكلمة في الشعر وفي الأدب عامّة، تغيّر ما بها من المعنى أكثر ممّا هي تضمحلّ أو تتلاشى؛ ويتّخذ هذا التّغيّر ثلاث طرائق على ما يبدو: أوّلها توسّع المدلول الذي يتولّد منه توسيع في المعنى، كما الشأن في نصّ محمود درويش وقد اجتزأته: أنا لغتي/ أنا معلّقة. وثانيها التّقييد؛ فقد تتّسع الكلمة في حقبة لجملة من المعاني، ثمّ تقصر في أخرى على معنى واحد، وقد تمرّ الكلمة بالطّورين معا: انتشار يعقبه انحسار. وثالثها تحوّل الكلمة كلّما تنقّل المعنى من شيء إلى آخر.
وكثيرا ما يتعزّز هذا التّغيّر اللّغويّ بأساليب ووسائط شتّى مثل الاستعارة والكناية والتّورية وألفاظ الأضداد والتّرخيم، بل بصيغ تعدّ من الحشو أو من «الرّوسم» اللّغويّ. وما نخالها إلاّ من مظاهر تطوّر اللغة وتغيّرها، مثلما هي من لطائف الشعراء، على نحو ما نجد عند محمود دريش وهو يحاور المعلّقات في هذا النصّ.
على أنّ الكلمة تضمحلّ باضمحلال الشّيء الذي تسمّيه. وهذا لا يحدث عادة إلاّ بعد حقب متطاولة، فلا يعود للكلمة من وجود سوى الوجود الأدبيّ، ومن وظيفة سوى الوظيفة الأدبيّة أو الشعريّة. غير أنّ الكلمة تثوي في «مقبرة اللّسان» قبل أن تضمحلّ، أشبه ما تكون بشاهدة القبر. وربّما جاء شاعر مثل درويش يقبس منها وينفخ فيها من شعره. وهذا ما نقف عليه خاصّة في هذه العبارة «أنا لغتي». وهي لمحمود إذ عرف كيف يجعلها من مملوكه الشعري؛ وليست له، إذ هي صياغة لعبارات آخرين سابقين عليه مثل باسوا، وعنه تلقّفها اميل سيوران، والاسباني جورج سامبرون؛ حتّى صار من الصّعوبة بمكان أن نتميّز، مهما جاهدنا وتحرّينا، ما كان لهذا أو ذاك بالفعل، وما كان له بالأخذ أو الاقتباس، وما كان له نصّا وكان لغيره وضعا، وبخاصّة في المواضع الصّعبة التي تلتفّ وتلتبس؛ إذ عرف كلّ هؤلاء كيف يدمج الكلمة في نصّه. ومثل هذه العبارات تدفع الشاعر أحيانا إلى أن يختلق ما يجب باعتقاده تحصيله من الكلام، حتّى يجيء على طريقته وألفاظه الخاصّة. وهذا ممّا يلزمنا قراءتها في ضوء مختلف النصوص التي تنتظمها، وأن نأتيها هي وغيرها، كلّما رمنا ترتيب علاقتنا بالنصّ، على ما نجده «من الفتق والرّتق والرّقع والخرق.» بعبارة أبي حيّان التوحيدي في المقابسات.
هذه العبارة تقع الواحدة منها في خسوف قرينتها حيث حضور كلمة مرتهن بغياب أخرى، وهي تعزّز الرأي القائل بأنّ الأدب عامّة، والشعر خاصّة كتابة على كتابة أو هو كتابة مضاعفة؛ مثلما هو محاولة،عند بعض القرّاء، لإعادة النّص إلى ما كان عليه أو ما يتوهّمون أنّه الأصل. وكأنّ أداء النّص أداء جيّدا يستلزم ضروبا من المحو والفسخ والنّسخ. والقراءة هي في جانب لافت منها، ضرب من تقصّي الأثر، بحثا عن نشأته أو في الكيفيّة التي بها نشأ، حتّى ليمكن القول إنّ إدراك الشّعرية إنّما يقوم أيضا في زمن الكتابة مقسّما مشظّى؛ بما يغني النّص مثلما يغني القراءة. بل لعلّه أن يوضّح أوجها من العلاقة بين العلامة والمدلول، وبين العلامة ومستعمليها، وبين العلامات بعضها ببعض. وهذا يقتضي استكشاف التّركيب تركيب العلامات وقواعد نظمها، والهيئة التي تنتظم بها معانيها. وهي من هذا الجانب «تركيبيّة» بالمعنى الدّقيق للكلمة وما تنطوي عليه من بعد نحويّ حيث ترجع القيمة المسندة إلى شيء ما، إلى موقعه في التّعبير، كأنْ تكون الكلمة «تحسينيّة» أو «تحقيريّة». 
يختم باسوا هذه الشذرة الممتعة من» كتاب اللاطمأنينة»، بهذه الطّرفة «يحكى عن سيجموند ملك روما، أنّه أجاب بعض من نبّهه إلى خطأ نحويّ ارتكبه، وهو بصدد إلقاء خطبة: «أنا ملك روما، وملك النّحو علاوة على ذلك.» ويروي التاريخ أنّ هذا الملك عُرف خلال فترة حكمه بسيجموند «السّوبر نحوي». رمز عجيب بلا شكّ؛ فكلّ من يعرف قول ما يقول هو ملك روما بطريقته الخاصّة أو هو لغته. أو كما جاء في الحديث «ليست العربيّة بـأحدكم من أب ولا أمّ، وإنّما هي اللسان؛ فـمن تكلّم العربيّة فـهو عربيّ.»
كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات