عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jun-2017

صلة ليبيا بمأساة مانشستر

الغد-جون بيلغر* - (ميدل إيست أونلاين) 2/6/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
كلما ضرب هجوم إرهابي مرعب الغرب، يرفض التقليد الإعلامي/السياسي أي ربط بين الأعمال العدوانية وبين حروب الغرب في العالم العربي، وهو تعتيم يسري الآن على تفجير مانشستر.
الذي لا يقال في حملة الانتخابات العامة البريطانية هو ما يلي: إن أسباب العمل العدواني في مانشستر، الذي قتل فيه 22 شخصاً معظمهم من الشباب على يد جهادي، يجري طمسها من أجل حماية أسرار السياسة الخارجية البريطانية.
ثمة أسئلة محرجة -مثل: لماذا احتفظ جهاز الأمن الداخلي البريطاني "أم. آي 5" بـ"أصول" إرهابية في مانشستر؟ ولماذا لم تحذر الحكومة الجمهور من التهديد الكامن بينهم– والتي تظل من دون إجابة، والتي يجري تجنبها بالوعد بإجراء "مراجعة" داخلية.
كان المفجر الانتحاري المزعوم، سلمان العبيدي، جزءاً من مجموعة متطرفة، "المجموعة الإسلامية الليبية المقاتلة"، التي نشطت في مانشستر ورعاها واستغلها جهاز "أم. آي 5" لأكثر من 20 عاماً. وتصف بريطانيا المجموعة بأنها تنظيم إرهابي يسعى إلى إقامة "دولة إسلامية متشددة" في ليبيا، وبأنها "جزء من حركة إسلامية عالمية متطرفة تستلهم تنظيم القاعدة".
وخرجت "البينة الحاسمة" عندما كانت رئيسة المزراء تيريزا ماي وزيرة للداخلية، حيث سمح لجهادي المجموعة الليبية بالسفر بدون إعاقة في عموم أوروبا، وتم تشجيعهم على الانخراط في "المعركة"؛ أولاً للإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا، ثم للانضمام للمجموعات التابعة لتنظيم القاعدة في سورية.
في العام الماضي، ذكر أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي وضع العبيدي في "قائمة مراقبة الإرهاب" وحذر جهاز "أم. آي 5" من أن هذه المجموعة التي ينتمي إليها كانت تخطط لضرب "هدف سياسي" في بريطانيا. فلماذا لم يتم اعتقاله؟ ولماذا لم تمنع الشبكة المحيطة به من تخطيط وتنفيذ العمل العدواني في مانشستر يوم 22 أيار (مايو) الماضي؟
تطفو هذه الأسئلة على السطح لأن تسريباً من مكتب التحقيقات الفدرالي هدم فكرة "الذئب المنفرد" في أعقاب هجوم 22 أيار (مايو) الإرهابي -ومن هنا جاءت الغضبة الموجهة من لندن إلى واشنطن واعتذار دونالد ترامب.
يرفع العمل العدواني في مانشستر الصخرة عن السياسة الخارجية البريطانية ليكشف عن تحالفها الفاوستي مع الإسلام المتطرف، وخاصة مع الطائفة التي تعرف بالسلفية والدول التي ترعاها وتشكل زبائن كباراً للأسلحة البريطانية.
يعود هذا الزواج الملوكي وراء إلى الحرب العالمية الثانية والأيام الأولى لجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وكان هدف السياسة البريطانية وقف الوحدة العربية؛ منع الدول العربية من تطوير علمانية حديثة وتأكيد استقلالها عن الغرب الامبريالي والسيطرة على مواردها. وكان القصد من خلق إسرائيل جشعة تعجيل هذه العملية. وقد تم سحق الوحدة العربية منذ ذلك الحين؛ وأصبح الهدف الآن هو التقسيم والغزو.
"أولاد مانشستر"
في العام 2011، وفق موقع "ميدل إيست آي، كانت المجموعة الليبية في مانشستر تعرف باسم "أولاد مانشستر"، ولكونهم كانوا معارضين بعناد لمعمر القذافي، تم اعتبارهم خطراً كبيراً وتم وضع عدد منهم تحت الإقامة الجبرية بموجب أوامر صادرة عن وزارة الداخلية البريطانية -عندما اندلعت تظاهرات معادية للقذافي في ليبيا، البلد المكون من العديد من العداوات القبلية.
وفجأة رفعت أوامر المراقبة. وقال أحد أعضاء المجموعة: "سُمح لي بالذهاب، ولم توجه لي أي أسئلة". وقد أعاد جهاز "أم. آي 5" إليهم جوازات سفرهم وأبلغ شرطة مكافحة الإرهاب في مطار هيثرو بالسماح لهم بركوب طائراتهم.
لطالما كانت قد خططت عملية الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، الذي سيطر على أضخم احتياطيات نفطية في إفريقيا، موجودة سلفاً في واشنطن ولندن. ووفقاً للمخابرات الفرنسية، كانت المجموعة الليبية قد حاولت اغتيال القذافي في التسعينيات بتمويل من المخابرات البريطانية. وفي آذار (مارس) من العام 2011، استغلت كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة فرصة التصريح بـ"تدخل إنساني" وهاجمت ليبيا. وانضم إليها حلف الناتو بموجب غطاء من قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، بذريعة "حماية المدنيين".
في أيلول (سبتمبر) الماضي، خلص تحقيق أجرته لجنة الاختيار التابعة للشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني إلى أن رئيس الوزراء في حينه، ديفيد كميرون، أخذ البلد إلى الحرب ضد القذافي بوجب سلسلة من "الافتراضات الخاطئة"، وأن الهجوم "أفضى إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية في شمال إفريقيا". ونسبت لجنة مجلس العموم وصف باراك أوباما "البليغ" لدور كاميرون في ليبيا بأنه مثل "عرض القذارة".
في الحقيقة، كان أوباما لاعباً بارزاً في "عرض القذارة" الذي حثت عليه وزيرة خارجيته المهووسة بالحرب هيلاري كلينتون والإعلام، متهمين القذافي بالتخطيط لارتكاب "إبادة جماعية" ضد شعبه. وقال أوباما: "كنا نعرف أننا لو انتظرنا يوماً آخر لكانت بنغازي، المدينة التي في حجم مدينة تشارلوت، قد شهدت مجزرة تتردد أصداؤها في عموم المنطقة وتهز وجدان العالم".
لكن قصة المجزرة كانت مفبركة من جانب المليشيات السلفية التي كانت توجه الهزيمة على يد القوات الحكومية الليبية. وقال هؤلاء لوكالة رويترز الإخبارية إنه سيكون هناك "حمام دماء حقيقي، مجزرة كتلك التي شاهدناها في رواندا". وكما ذكرت لجنة مجلس العموم: "لم يلق اقتراح أن معمر القذافي كان سيأمر بارتكاب مجزرة ضد المدنيين في بنغازي الدعم في الأدلة المتوفرة".
تدمير ليبيا
لقد دمرت بريطانيا وفرنسا واولايات المتحدة ليبيا من الناحية الفعلية. ووفق سجلاته الخاصة، فقد شن حلف الناتو 9700 "طلعة قصف"، والتي ضربت أكثر من ثلثها أهدافاً مدنية. واشتملت الضربات على قنابل وصواريخ شظايا مزودة برؤوس حربية تحتوي على اليورانيوم. وتم ضرب مدينتي مصراتة وسيرت بطريقة القصف الشامل. وذكرت منظمة رعاية الأمومة والطفولة "اليونيسيف" التابعة للأمم المتحدة أن نسبة كبيرة من الأطفال "كانوا تحت سن العاشرة" قد قتلوا جراء القصف.
وأكثر من "منح النشوء" لتنظيم "داعش" -كان "داعش" قد تجذر أصلاً في أطلال العراق بعد غزو توني بلير وجورج دبليو بوش في العام 2003- أصبح هؤلاء الهمجيون الذين ينتمون إلى العصور الوسطى يسيطرون راهناً على كل شمال إفريقيا كقاعدة لهم. وتسبب الهجوم في تدافع للاجئين الذين يفرون إلى أوروبا.
تم الاحتفاء بكاميرون كـ"محرر" في طرابلس، أو تم تخيل أنه كذلك. وضمت الحشود التي احتفت به أولئك الذين دربتهم ومولتهم بريطانيا سراً بواسطة فرق المهمات الخاصة "ساس" والذين يستلهمون فكر "داعش"، مثل "أولاد مانشستر".
بالنسبة للأميركيين والبريطانيين، كانت جريمة القذافي الحقيقية هي استقلاله الأيقوني وخطته للتخلي عن البترودولار، عمود الإمبريالية الأميركية. وكان القذافي قد خطط بجرأة لتأسيس عملة إفريقية مشتركة مدعومة بالذهب، ولتأسيس بنك عموم إفريقيا ولترويج الاتحاد الاقتصادي بين الدول الفقيرة ذات الموارد الكبيرة. وسواء تم ذلك أم لم يتم، فقد كان مجرد طرح الفكرة غير لا يمكن احتماله بالنسبة للولايات المتحدة، بينما كانت تستعد "لدخول" إفريقيا عبر تقديم رشى للحكومات الإفريقية في شكل تكوين "شراكات" عسكرية.
بعد خسارته طرابلس، هرب القذافي للنجاة بحياته. لكن طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني رصدت قافلته وألقي القبض عليه في ركام سيرت حيث ذبح بسكين على يد متشدد وصف في الأخبار بأنه "ثائر".
وبعد أن سلبوا ترسانة ليبيا من الأسلحة المقومة بنحو 30 مليار دولار، تقدم" الثوار" إلى الجنوب مروعين البلدات والقرى. وعبروا إلى مالي في شبه الصحراء الإفريقية فحطموا الاستقرار الهش في ذلك البلد. وأرسلت فرنسا المتأهبة دائماً طائرات وقوات إلى مستعمرتها السابقة لمحاربة تنظيم القاعدة، التهديد الذي كانت قد ساعدت في خلقه.
ويوم 14 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011، أعلن الرئيس باراك أوباما أنه بصدد إرسال قوات خاصة إلى أوغندا للانضمام للحرب الأهلية هناك. وفي الأشهر القليلة التالية، تم إرسال قوات مقاتلة إلى جنوب السودان والكونغو وجمهورية إفريقيا الوسطى. ومع تأمين ليبيا، كان ثمة غزو أميركي للقارة الإفريقية يجري من دون تغطية إعلامية في الجزء الضخم منه.
بيع الأسلحة
في لندن، أقامت الحكومة البريطانية واحداً من أضخم معارض الأسلحة في العالم. وكانت الثرثرة عند طاولات العرض تتحدث عن "عرض التأثير في ليبيا". وعقدت غرفة تجارة وصناعة لندن مراجعة بعنوان: "الشرق الأوسط: سوق شاسعة للشركات الدفاعية والأمنية في المملكة المتحدة". وكان المضيف هو "رويال بانك أف سكوتلاند"، المستثمر الرئيسي في صناعة القنابل العنقودية التي كانت قد استخدمت بكثافة في استهداف المدنيين في ليبيا. وبالغ ذراع الأسلحة في البنك في الإطراء على "الفرص غير المسبوقة للشركات الدفاعية والأمنية في المملكة المتحدة".
كان العمل الإرهابي الذي وقع في مانشستر يوم 22 أيار (مايو) الماضي نتيجة لمثل هذه الحالة المتواصلة من العنف في أماكن قصية من العالم، والتي لقي الكثير منها الدعم من جانب بريطانيا. لكن حياة وأسماء الضحايا لن تكون معروفة لنا أبداً على الأغلب.
تكافح هذه الحقيقة حتى تُسمع، تماماً كما كافحت لكي تُسمع عندما تم تفجير محطة الأنفاق في لندن يوم 7 تموز (يوليو) 2005. ومن فترة إلى أخرى، يقوم شخص من الجمهور بكسر جدار الصمت، مثل المواطن الشرق لندني الذي سار أمام طاقم كاميرات محطة "سي. أن. أن" والمراسل في وسط التغطية، وقال: "العراق... لقد غزونا العراق. فماذا نتوقع؟ اذهبوا، قولوا هذا".
في حشد إعلامي ضخم حضرته، لفظ العديد من الضيوف المهمين كلمتي "العراق" و"بلير" كنوع من التنفيس عما لم يستطيعوا البوح به مهنياً وعلناً. لكن لجنة الاستخبارات المشتركة كانت قد حذرت بلير قبل أن يغزو العراق من أن "التهديد من تنظيم القاعدة سوف يتزايد عند الشروع في أي عمل عسكري ضد العراق... وسوف يتزايد التهديد العالمي من مجموعات إرهابية إسلامية أخرى وأفراد أيضاً على نحو كبير".
تماماً كما جلب بلير إلى الوطن في بريطانيا عنف "عرض القذارة" الذي قدمه هو وجورج دبليو بوش، كذلك فاقم ديفيد كاميرون، مدعوماً من تيريزا ماي، جريمته في ليبيا وتداعياتها الرهيبة، بما في ذلك أولئك الضحايا الذين قتلوا وأصيبوا في مسرح مانشستر يوم 22 أيار (مايو).
لقد دارت الدائرة، على نحو ليس مستغرباً: تصرف سلمان العبيدي وحده، وكان مجرماً صغيراً، وليس أكثر من ذلك؛ والشبكة الكثيفة التي كشف عنها تسريب أميركي مؤخراً اختفت. لكن الأسئلة حول ذلك كله لم تفعل.
لماذا استطاع العبيدي أن يسافر عبر أوروبا بحرية إلى ليبيا والعودة إلى مانشستر قبل بضعة أيام فقط من ارتكاب جريمته الرهيبة؟ هل قال جهاز "أم. آي. 5" لتيريزا ماي أن مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي كان قد تعقبه كجزء من مخطط خلية إسلامية لمهاجمة "هدف سياسي" في بريطانيا؟
في الحملة الانتخابية الحالية، قدم قائد حزب العمال، جيريمي كوربين، إحالة إلى "حرب فاشلة على الإرهاب". وكما يعرف، لم تكن تلك أبداً حرباً على الإرهاب، وإنما حرب غزو وإخضاع. فلسطين، أفغانستان، العراق، ليبيا، سورية، ويقال إن إيران ستكون التالية. ولكن، قبل أن نشهد مذبحة مانشستر أخرى، من سيمتلك الشجاعة ليقول ذلك؟
 
*صحفي أسترالي-بريطاني
 يقيم في لندن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Libya’s Link to Manchester’s Tragedy

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات