عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Sep-2017

مأساة في الكرنتينا

 القدس العربي-أحمد مجدي

 
ـ 1: بحسب ما حكاه له العماليق، عرف مليجي أن إمارة الكرنتينا أُنشئت قبل قرابة الثلاثمئة عام ونيف، وبذلك تكون الإمارة من أحدث دول أرض اللابوريا، وقد أُقيمت في البداية كما يشير اسمها، لتصبح حَجْراً صحياً للمصابين بالجذام والأمراض المميتة من باقي الدول، خاصة البشر منهم، لأنهم أصحاب المناعة الأضعف بين باقي المخلوقات، كما أنهم ناقلون ممتازون للعدوى.
البداية كانت بسبعة مجذومين عميان، كانوا أول الواصلين إلى الكرنتينا، التي كانت في ذلك الوقت مساحة من المنحفضات والمستنقعات والأعشاب الرطبة والسبْخات المتجاورة، تعلو أرضها مباشرة طبقةٌ من الضباب الدائم، ناتجة عن تبخّر مياه المستنقعات والأعشاب. لذلك فإن جوها رطب دوماً ولزج وضبابي. المجذومون العميان السبعة، كانوا خمس إناث ورجلين. أقاموا في الكرنتينا حتى موتهم، وتزاوجوا بشكل عشوائي وشاذ، إذ نكح الجميعُ الجميعَ، وأنجبت النساء للرجلين ذرية هائلة من وارثي جينات المرض، كان أطفال أهل الكرنتينا عميان أيضاً، وظلوا كذلك لسنوات طويلة، قبل أن تحدث الطفرة الجينية وتظهر أجيال مبصرة، تعاني من تشوّهات أخرى غير العمى.
مات الرجلان قبل أن تموت النساء الخمس، ومع زيادة الأعداد، ووفود عميان ومجذومين ومرضى جدد، اضطرت الكرنتينيات إلى إقامة ما يشبه نظام الحكم. ولأنهن عمياوات، ولم يرين بعضهن بعضا، اعتمدت الطبيعة معهن نظاماً انتخابياً غريباً، حيث كانت الأعلى صوتاً، وصاحبة القدرة الأعلى على الردح والشرشحة هي الزعيمة، وتلقّب بـ«سيدة الكلام»، وهي من تستطيع أن تسيطر على هذا الحشد من العميان. وهكذا بدأت سلسلة زعيمات الكرنتينا أو سيدات الكلام بسعداوية طويلة اللسان، أورثت بنتها تعويذة الشخّاخة، وبالتعاقب، أسست العمياوات أسرة حاكمة توارثت الزعامة بالردح والصوت العالي وقلة الأدب، عبر تاريخ الكرنتينا الممتد، وصولاً للزعيمة الأخيرة بوني بياض العينين. 
مع مرور السنوات والطفرات الجينية للكرنتينيين، بدأت أعداد المبصرين في التزايد، وظهرت أجيال أقوى من المجذومين والمُشوّهين الأوائل، نتيجة لعمليات زواج انتخابية أشرف عليها العميان بغية إنتاج مواطن كرنتيني قوي وغبي يتم تجنيده ضمن النضاليين – الجيش – وفقاً لوصف أصحاب الشأن. بعد عدّة عمليات، استطاع العميان الحاكمون إنتاج جنودٍ مشوّهين ومتخلّفين عقلياً، شرسين وأغبياء أمام أي خطر خارجي يهدد الكرنتينا، وبفضل هؤلاء، وبفضل كتائب السحرة أيضاً، تمكّن الكرنتينيون مراراً من صد غزوات يأجوج ومأجوج، وحتى أنهم باغتوهم عدّة مرّات.
تراكم التاريخ الكرنتيني، وبدأوا في تكوين العادات والتقاليد، وبالمثل ظلوا يتزاوجون إلى أن وصلوا إلى شيفرتهم المميزة، سبعة أنواع يُنسب كل منها إلى واحد من العمـــيان المجذومين أبناء الرعيل الأول: مجـــذومون. عميــــان، وفيهم الحُكم. مجانين. والذين نجوا من الحرق، واسمهم المحروقون، والذين وُلِدوا بعيوب خلقية فادحة واسمهم المعاقون الممسوسون، وهم سفراء الكرنتينا لدى الجن. والأقزام، وهؤلاء آخر من وفد على الكرنتينا والأقل عدداً.. وبقيت السيادة بين هؤلاء جميعاً للعميان. كل هذه المعلومات لم تمنع مليجي ولا سنّورية من المضي شمالاً متوغّلين في أراضي الكرنتينا، سعياً وراء حلمهم، ببلوغ جزيرة كابوريا.
-2-
قبض مليجي على السكين الفضي المنقوش الذي أعطاه له سيد صقع آيت غوريل وعظيمه سعدان آيت غوريل. مليجي كان يمضي وقلبه يرتعش، لكنه يمضي. وضع كتفه في كتف سنّورية وتوغّلا في أراضي الكرنتينا. كان الطريق رطباً ملبداً بالضباب، تناثرت عن يمينه ويساره بحيرات وعيون صغيرة، لا وجود لضبّاط للحدود أو كشك عسكري أو حتى يافطة. لا وجود لأي مظاهر حياة اللهم إلا بعض الغربان التي تنعق في البعيد. قال مليجي لسنّورية: «إفردي الخريطة».
تأملا جغرافيا الكرنتينا في الخريطة التي أمدهما بها العماليق، كان هناك طريقان إلى الشمال، أحدهما يحاذي الجبال الغربية الوعرة واسمه طريق «البكيفو – خراب آباد»، والآخر يحاذي الساحل الشرقي واسمه طريق الساحل الشرقي. فكّرا في أيّهما يمضيان، وبعد نقاش اختارا طريق الساحل الشرقي، ليكون البحر امتداداً مفتوحاً لهما حال وجدا نفسيهما مضطرين للهروب من خطر ما. كانت القرية الأولى في طريقهما تسكنها بعض قبائل الأقزام، لوّحوا لهما من الحقول التي يفلحونها، وأرسلوا مع أحد أطفالهم شطيرتي مربّى الكريز، التهم مليجي حصته منهما فوراً وشعر بامتنان بالغ للأقزام اللطفاء. بالنسبة له كانت تلك بداية موفّقة في الكرنتينا، وتمنى لو يكون باقي السكّان مسالمين مثل الأقزام وعلى المستوى ذاته من الشهامة والجود. قبل أن يبتعدا أكثر من عشرين خطوة، شعر مليجي بالآلام تقطّع معدته، سكاكين تمزّق أحشاءه وأجنابه، اصفرّ وجهه وتعرّق وتلوى وراح يشخّر. سنّورية ارتبكت لثوانٍ، غير أنها سرعان ما تداركت الموقف ونبشت زوّادتها فوراً، خرجت منها بعود أخضر يشبه الفجل، حشرته في فم مليجي وأمرته بمضغه وابتلاعه، ثم أخرجت قارورة صغيرة من العسل الجبلي من مرتفعات بنبلغول. سكبت ملء الغطاء عسلاً في فمه، ابتلع مليجي العسل، شهق ثم خنفر، ثم تجشّأ، ثم وأخيراً أفرغ معدته. من بعيد لمحت سنّورية الأقزام وهم يتضاحكون عليهما. لعنهم مليجي ووصفهم بالغشّاشين، أسندته سنّورية، وواصلا سيرهما ملتصقين.
-3-
استدارا حول كل القرى الموجودة على الخريطة، فبعد نجع الأقزام قابلا قرية بني مسحور، ثم المتآكلية، وكفر الأكتع، حتى وصلا إلى عزبة الضرير التي اتخذت شكل صفين من البيوت المتقابلة، يحدهما شرقاً البحر، وغرباً المستنقعات والسباخ، ولذلك اضطر مليجي وسنّورية للعبور من وسط العزبة.
عند المدخل الرئيسي للعزبة جلس بعض العميان العجائز يدخّنون الغلايين، اقترب مليجي منهم وألقى السلام، التفتوا جميعا إلى مصدر الصوت، نظر مليجي إلى عيونهم التي يغطيها البياض، أو الزرقة، عيونٌ أخرى كانت مسمولة، وفي حالة نادرة، كان هناك منهم من لم يكن عنده تلك الفجوة التي ترقد العين بداخلها أصلاً، كانت خدودهم ممتدة إلى عيونهم، أو إلى المكان الذي كان يجب أن تكون فيه عيونهم. قال أحدهم: «من أنت؟»
رد مليجي: «أنا مليجي، إنسان، ومعي زوجتي سنّورية، مسافران شمالاً إلى جزيرة كابوريا، وأسعدنا الحظ بأن نلتقي بأناس طيبين مثلكم».
قال الشيخ ذي العينين البيضاوين: «من قال لك إننا طيبون؟»
وأضاف الشيخ ذي العينين الزرقاوين: «ومن قال لك إننا ناس؟»
واختتم الشيخ عديم العينين: «ومن قال لك إنك محظوظ بلقائنا؟ إليك هذه»
ومن مكان ما، تناول الشيخ زلطة ورماها إلى ما يظن أنه موقع مليجي، فانهالت من بعدها حصوات الشيوخ العميان، وابل من الحجارة مختلفة الأحجام، أصاب أحدها سنّورية في رأسها، وخلّف جرحاً دامياً. ركضا، جرى مليجي وعدت سنّورية وهما يصرخان، بينما كانت الأحجار تسقط بالقرب منهما، أو تصيب ظهريهما. ظلا يركضان حتى خرجا من نطاق الحجارة.
٭ مجتزأ من رواية «الوصفة رقم سبعة» 
تصدر قريباً عن الدار المصرية اللبنانية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات