عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Oct-2018

الحوار العقلاني وسيلة للقضاء على ظاهرة العنف

 

عمان- الغد- غالبا ما تبدأ مواقف العنف في المدرسة على سبيل المثال، بمشكلة بسيطة بين طالبين، لا تتعدى كونها سوء تفاهم بسيط لم يأخذ حظه من التفكير والتروي، قد يتطور إلى تلاسن وسب وشتم وضرب، آخذا في بعض الأحيان أبعادا أخرى، وتوسعا في دائرة العنف إلى فزعات من الأصدقاء والأقارب من داخل وخارج المدرسة، وتجمعات من المتفرجين والشامتين. وقد يتطور في النهاية إلى تكسير وتخريب وإصابات ومستشفيات!
يرتبط غياب ثقافة الحوار والنقاش العقلانيين بازدياد حالات العنف في المجتمع وفي المدرسة، ويلمس التربويون وجود فرق واضح بين سلوك الناس وردود أفعالهم في المواقف التي يسود فيها الحوار عن تلك التي يغيب عنها. حيث يحكم الأولى ازدياد التقارب والود والثقة والتفاهم بين الناس وحل المشكلات والخلافات بطرق ودية، بينما يحكم الثانية ازدياد المشاعر العدائية ومشاعر الكراهية، ويكون استخدام العنف في حل المشكلات والخلافات أحد النتائج الأساسية. يمنع الحوار كثيرا من المشاكل، ويعطي فرصة للعقل من أجل تدبير الحلول والتصرف بعقلانية، بطريقة لا تدمر علاقة الإنسان بالإنسان. 
يُعد الحوار والنقاش العقلاني وسيلة أساسية لتبادل المعارف والخبرات وسد النقص الحاصل بفعل وجود فروق فردية بين الناس، وتقوية العلاقات بينهم وتوسيعها وتقريبهم من بعضهم، ووضع الضوابط (القوانين) التي تحكم هذه العلاقات، وتبادل الدعم المادي والمعنوي، والتعلم وفوائد أخرى كثيرة.
الحوار العقلاني مهارة أساسية تقوم بشكل رئيسي على مهارات أخرى، مثل: مهارات التفكير، ومهارات الحديث وآدابه، والإنصات الفعال، والتعبير عن الأفكار والمشاعر الشخصية، وضبط الانفعالات وتقدير مشاعر الآخرين وفهمها واحترامهم وتقبلهم، والتواضع، واستخدام الأدلة العقلية والبراهين في الوصول إلى أحكام وتقييمات منطقية وغيرها. كما تقوم مهارة التفكير العقلاني بدورها بتعزيز ودعم المهارات الأخرى فيما يشبه العلاقة التبادلية.
لقد فرض تطور وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر والواتس آب) وجود حاجة متنامية إلى الحوار كأحد آليات هذه الوسائل في غياب التواصل المباشر، والحاجة إلى وجود تواصل اجتماعي إيجابي، مما جعل الحوار والنقاش العقلاني كقيمة ومهارة أبرز متطلبات العصر الحديث، التي تتطلب نبذ الخلافات والنزاعات لإيجاد نقاط اتفاق ومساحات مشتركة، كأرضية للتعلم وتبادل الخبرات والأفكار والمعلومات. إلا أن من أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحول الحوار الفعال الإيجابي إلى جدال.
يختلف الحوار العقلاني عن الجدل في أن الأول عبارة عن تفاعل باتجاهين هدفه الوصول إلى تفاهمات ونقاط اتفاق وأرضيات مشتركة، وتبادل خبرات وأفكار ومعلومات، وحل مشكلات وتعلم بشكل عام، بينما وللأسف فإن الجدل هو عبارة عن علاقة باتجاه واحد، الهدف منها إملاء أفكار وخبرات وفرض وجهات نظر واتجاهات لا يتفق معها الطرف الآخر، وشعور بالزهو والإنجاز الوهمي بالسيطرة والقدرة من أحد الأطراف أو من الطرفين، أو شعور بالهزيمة والضعف وعدم القدرة والشعور بمشاعر عدائية وغيرة تجاه الطرف الآخر.
إن الناظر في الواقع المعيشي للناس على وجه العموم والطلاب على وجه الخصوص، يلمس ارتفاع حالات العنف وارتباط هذا الارتفاع بغياب ثقافة الحوار، وغياب المبادرات والبرامج التي ترسخ قيمة الحوار وثقافته في المجتمع وتعززها. حيث خلت البرامج التربوية إلا من عدد قليل منها على المستوى المدرسي فقط، أما على المستوى المجتمعي فيمكن اعتبار هذه البرامج غائبة تماما. 
ولا بدّ هنا من التذكير بأهمية وجود جهد وطني مؤسسي استراتيجي شامل وموضوعي، وضمن سياق خطط وبرامج الإصلاح المجتمعي على مستوى المملكة، في المجتمع ككل وفي المدرسة كمجتمع مصغّر، وليس في واحد منهما دونا عن الآخر،  لإرساء دعائم الحوار والنقاش العقلاني كمكون ثقافي أردني، للتقليل من حالات العنف وصولا إلى القضاء عليها تماما.
ويبقى التساؤل قائما حول كيفية تعليم مهارة الحوار العقلاني والمهارات الأخرى اللازمة وتعميمها على المجتمع، بحيث تصبح أمرا واقعا وحقيقة قائمة، وما هي طبيعة البرامج التدريبية التي يمكن تقديمها للناس وجعل الإقبال عليها دافعا ذاتيا. 
أما بالنسبة للمدرسة فالسؤال الأبرز هو: هل نقوم بتعليمها ضمن مواد مدرسية أو مساقات جامعية خاصة بها أم من خلال دمجها ضمن المناهج الدراسية؟ وبشكل عام ما هو دور المؤسسات الإعلامية والثقافية في إرساء دعائم هذه الثقافة؟ وكيف نجعل من هذا الجهد الوطني المدار من قبل مؤسسات الوطن كافة عملا مؤسسيا؟ وكيف ندمج هذه الخطط والبرامج ضمن خطط وبرامج الإصلاح الأخرى؟
عندما يصبح الحوار ثقافة مجتمعية وينتقل ضمن الموروث الاجتماعي، يمكن القول بأننا ساهمنا بشكل رئيسي في القضاء على سبب رئيسي من أسباب العنف (غياب الحوار)، وأننا قمنا بعمل كبير وتقدم ضمن خطة الإصلاح الاجتماعي، الذي يسير جنبا إلى جنب مع جوانب الإصلاح في القطاعات الأخرى كالقطاع التربوي والاقتصادي والصّحّي وغيرها.
هل نستطيع؟ نعم، نستطيع بكل كفاءة واقتدار، فالوطن الغالي لا تنقصه الكفاءات، والشعب الأردني يستجيب للمبادرات بشرط أن تكون مبادرات وبرامج جادّة ومخططة وصادقة.
 
إيهاب أبودية
مرشد تربوي ومتخصص بعلم النفس التربوي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات