عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2018

شاهدتُ إجلاء المقاتلين الإسلاميين من الغوطة التي مزقتها الحرب

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

روبرت فيسك – (الإندبندنت) 29/3/2018
 
راقبتهم وهم يقفون تحت تلك الأشجار الممزقة ليؤدوا الصلاة. كانت لهم لحى طويلة شعثاء، معظمهم غير مسرّحي الشعر، ببدلات رياضية رخيصة، وصنادل بلاستيكية مغبرة. وأعتقد أن ذلك كان نوعا من البيان السياسي.
*   *   *
الغوطة، سورية – غادروا بالآلاف، جهاديو الغوطة وزوجاتهم وأبناؤهم وآباؤهم وأمهاتهم. الكثيرون منهم ما يزالون مسلحين –بنادق الكلاشنكوف على أكتافهم، بينما يراقبهم الجنود الروس في الخُوذات المعدنية والسترات الواقية- وأدوا الصلاة، البعض منهم على الأرض اليباب، تحت أشجار بلا أوراق، بجوار جدار معدني محطم لمصنع محطوم، تنتظرهم خلفه زوجاتهم المتسربلات بالعباءات.
العشرات من الحافلات السياحية كانت هناك في انتظار هؤلاء الرجال المسلحين، هؤلاء الإسلاميين الذين لم تكن وجوههم قد ظهرت أمامنا أبدا في الأسابيع الماضية –أولئك الذين لم يقوموا بتغطية وجوههم بالأوشحة. وقد اعتلوا متون حافلات البولمان مكيفة الهواء المخطوط على جوانبها عبارات مثل "هابي جيرني" و"إكسبرس تورز" وإعلانات خرقاء أخرى على الجوانب. بل إن واحدة من الحافلات حملت عبارة "شخص مهم جدا" مخطوطة على النافذة الخلفية بالإنجليزية واللاتينية. غريب! ما كان يمكن أن تكون الأمور أكثر غرابة، والأكثر شرا أيضا.
ثمة أصوات قذائف ما تزال تقصف في الجانب الآخر من الغوطة –إذا كان هؤلاء الرجال من جيش الإسلام وعائلاتهم يغادرون، فإن آخرين لم يكونوا يفعلون –كان أحد شروطهم للجلاء: لا مصورين، ولا مقابلات مع الصحافة، ولا دعاية، وهي قواعد تم تجاهلها بعناية. المقاتل الإسلامي الذي نستطيع أن نراه الآن فقط هو ذاك الذي يقود زوجته الفتية جدا وابنين إلى باص سياحي. وهناك الكثير جدا من هؤلاء.
شاهدتهم وهم يقفون تحت تلك الأشجار الممزقة لأداء الصلاة. كانت لهم لحى طويلة كثة، ويلبسون بدلات رياضية رخيصة، وصنادل بلاستيكية مغبرة. وأعتقد أن ذلك كان نوعاً من البيان السياسي. لقد أمرهم الله بالقتال، ولذلك صلوا لله، حتى بعد أن استسلموا –ولغاية- وتخلوا عن معركتهم المقدسة، وبذلك حققوا نوعا من الانتصار الديني بالاحتفاظ بإيمانهم. ولكن، حقا؟ أي شرف يتبقى بعد أن يكون عليك أن تسلم نفسك وعائلاتك الإسلامية للروس الكافرين وحلفائهم السوريين العلمانيين؟ لهذا كانت عملية موسكو، كن على يقين من هذا.
راقب أفراد الشرطة العسكرية الروسية كل حافلة واقفة ومغادرة من شاحنتين عسكريتين روسيتين كبيرتين؛ وتنقل جنرال وثلاثة من ضباطه –بالعلامات الروسية على أكمامهم، وبخوذات معدنية ثقيلة، وأسلحة جديدة جدا حتى أنها عكست ضوء الشمس- بيننا نحن والجنود السوريون والمغادرون المسلحون. كانت للحافلات نوافذ سوداء، ولذلك رأينا العديد من هؤلاء الرجال الإسلاميين وزوجاتهم الصغيرات جداً الملفعات بالعباءات وأولادهم، من خلال الزجاج المعتِم.
كانوا سوريين، معظمهم تقريباً، والعديدون مولودون في الغوطة. ولذلك، كانوا يغادرون إلى محافظة إدلب الوسطى، ربما للمرة الأولى في حياتهم. وهناك سوف تقابلهم ميليشيا أخرى ربما لا يكون لديها الكثير من الوقت والمتسع لرجال المقاومة القادمين من الغوطة. نظرتُ في داخل حافلة عبر النافذة. كانت امرأة تحتضن طفلة صغيرة انفلتت من يديها وانحنت على النافذة لكي تنظر إلينا. ما كانت لتفهم التاريخ السوري الذي تقف شاهدة عليه. كانت الوجه في النافذة. هذا كل ما كانته.
لكن لدينا، بطبيعة الحال، ذلك السؤال القديم: من أن جاءوا، هؤلاء الرجال في الملابس السوداء واللحى وبنادق الكلاشنكوف شبه المحطمة؟ لماذا لم نرهم من قبل؟ أطلق البعض من زملائهم، الذي ما يزالون وسط الركام خلفنا، وابلا بعد وابل من الذخيرة. وغمغم جندي سوري باستخفاف: "إنهم يستهلكون رصاصاتهم قبل أن يغادروا"، لكن هؤلاء الرجال كانوا يغادرون بالآلاف. ومع هبوط الليل، تمكنت من إحصاء مائة حافلة أخرى تقف في انتظارهم.
تلك اللقطات المخيفة التي شاهدناها في وسائل الإعلام الاجتماعية، ليلة بعد ليلة، والتي وزعتها محطات الأخبار، أفلام حقيقية بلا شك –بينما صوَّرت معاناة المدنيين، والأطفال الجرحي، وجثثا حقيقية لمدنيين- لم ترينا مطلقا هؤلاء الرجال الذين يحملون الأسلحة والبنادق الرشاشة وقاذفات الهاون، الذين كانوا يردون بالقصف على شرق دمشق، والذين يسيرون الآن أمامنا ليغادروا البلدات والقرى التي ساعدوا في تدميرها. هل تم منع المصورين المجهولين لهذا الجحيم من عرض صور المدافعين عنه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يقولونه؟ ولماذا لم نقله نحن؟
وأين كان ذلك الشأن الصغير المتعلق بأطفالهم؟ كل الأطفال مدنيون. وكل الأطفال يمكن أن يكونوا لاجئين. لكن أولئك الذين رتبوا اتفاق "نزع التصعيد" للغوطة الشرقية وقسموا الحافلات، قرروا أيضا من سيكون طفلا لاجئا للمقاتلين الإسلاميين –في طريقهم إلى إدلب بمرافقة روسية- ومن سيكونون الأطفال الآخرين، البريئون بنفس المقدار، والذين سيذهبون إلى مخيم اللاجئين بالقرب من عدرا. كل الأطفال متساوون. أليسوا كذلك؟
لكن ثمة شيء واحد –كما قلت- والذي لا يمكن أن يدانيه الشك. كان هذا عرضا روسيا بالمطلق. كان الجيش الروسي هو الذي ينشئ هذه القطعة الحاسمة من المسرح، ويسير ضباطه بين حافلات اللاجئين وحافلات المقاتلين ويلاحظ الأعداد؛ و-من يستطيع أن يشك في ذلك؟ -قبل عقد أو عقدين خليا، ربما كان هؤلاء ليكونوا من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من ذوي القبعات الزرقاء بدلاً من ذوي الخوذات الروسية، في الغوطة الشرقية. وفي حرب أخرى –في عصر آخر- ربما كانوا ليكونوا "قوات حفظ سلام" أميركية. لكن كل شيء تغير في عصر بوتين. أصبح الروس الآن هم حفظة السلام، وأصبحت المؤتمرات في أستانة بديلا عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وعندما قررت روسيا إنهاء الحرب الشرسة الصغيرة في الغوطة، لم تكن هناك نقاشات، ولم تكن هناك استخدامات مزعجة لحق النقض. تم إقناع المسلحين بالتملق أو تم جلبهم قصفاً إلى الاتفاق. وتم بذل الوعود –والوفاء بها إلى حد كبير، كما يبدو، على الأقل حتى يصل الإسلاميون إلى إدلب ويقرر السوريون أن عليهم المغادرة مرة أخرى إلى تركيا، أو، من خلال عدد لا ينتهي من لجان المصالحة، إلى منازلهم الأصلية المدمَّرة.
وهكذا، يستطيع الروس قول أن لديهم خططا للسلام أكثر مما لديهم من خطط للحرب –نتيجة للاعقيدة الترامبية للشرق الأوسط- وأن يشاهدوا بقايا المدن والبلدان وهي تتحطم بأيدي حلفائهم السوريين وأعداء النظام على حد سواء. بعد حلول الظلام، كان هؤلاء الجنود الروس ما يزالون في المناوبة، تتوهج شاشات حواسيبهم داخل شاحناتهم العسكرية بينما يطلق المقاتلون الذين لم يغادروا بعد المزيد من الذخيرة في السماء. وحلقت القذائف الكاشفة فوقنا، وكان الجنود السوريون متعبين وأحيانا منهكين، لكنهم يدركون تماما أن الانتصار –هنا أخيرا- سيكون حليفهم.
عند إحدى النقاط، عبرت شاحنة سورية بزجاج خلفي اسود من الدخان، وهي تطلق عويلا متواصلا، بجوار الحافلات، وأشارت أصبع وسطى من أقرب نافذة. وتجاهلها المقاتلون الإسلاميون. بطريقة غريبة، كانوا مستعدين للحديث، بإيجاز، عندما تسلق صحفي من تلفزيون الدولة السورية واحدة من حافلاتهم المتحركة مع مسجلة فيديو. وقال رجل يضع نظارة داكنة أنه قاتل هو ورفاقه من أجل الحرية. ورد الصحفي (بجملة متوقعة من أنصار النظام) على الشريط: "كانت لدينا حرية. كنتُ أستطيعُ أن أشرب، وأن أذهب إلى المسجد. كنت أستطيع أن أفعل ما أريد ولم يكن يمنعني أحد، لكن لدينا الآن حالة طوارئ عسكرية جاءت بسببكم أنتم ومطالبكم بالحرية".
ثمة رجل آخر، قابع في الخلفية، لم يكن متفقا مع رفاقه على ما يبدو، ويقول أنه لم يرد الذهاب إلى إدلب، ولم تتم استشارته، وأن المقاتلين لم يكونوا يُمنَحون نفس الطعام الذي يتلقاه القادة، حتى خلال المعارك. ثم استجوبه لاحقاً الرجل المطالِب بـ"الحرية". لكن الحرب الدعائية في سورية تخاض بنفس ضراوة الصراع بالسلاح. ربما يكون الزجاج محطماً، لكنه بمثل سماكة الإسمنت.
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Watching on as Islamist fighters are evacuated from war-torn Eastern Ghouta
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات