عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-May-2018

ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان: «حرب باردة» للبولندي بافيل بافليكوفسكي: عشق لا فكاك منه في بلد لا ملاذ منه

 «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: في فيلمه «حرب باردة»، الذي ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي (88 إلى 19 مايو/أيار) يقدم المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي فيلما موجعا يدمي القلب حزنا وصدقا. إنها قصة حب يقف لها الوطن بالمرصاد وتعصف بها المآسيواللطمات الواحدة تلو الأخرى، ولكنها تبقى رغم الألم. إنها قصة حب يليق بجلالها الحزين التصوير البديع باللونين الأبيض والأسود الذي اختاره بافليكوفسكي لأجواء فيلمه. 

إنها قصة عشق تجمع بين الملحمة والمأساة، يواجه فيها الحبيبان وطنا يقف لهمابالمرصاد، وتشهد قصتهما الاعتقال والتعذيب والفرار والمنفى ولكنها تبقى رغم كل الصعاب. يقدم بافليكوفسكي فيلما ليست فيه بولندا موقعا للحدث فقط، بل بولندا هي القدر ذاته،هي من يرسم مصائر الحبيبين ويقرر حياتهما ويكتب مصير قصة حبهما. 
تبدأ أحداث الفيلم في بولندا في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين. وسط أجواء يعمها بياض الجليد ببرودته، تجوب سيارة يستقلها موسيقي ومسؤولة في الإذاعة القرى النائية في بولندا لتسجيل التراث الموسيقي والغنائي للمناطق الريفية والجبلية، ولجلبالمواهب الغنائية والموسيقية الواعدة إلى العاصمة وارسو لتشكيل فرقة موسيقية وراقصة تحتفي بالتراث الفني للبلاد. قبل الذهاب إلى وارسو بالمجموعة الغنائية النهائية، كان على الموهوبين المتنافسين البقاء لمدة شهر في قصر ريفي للتدرب على الغناء ثمانتقاء الأفضل للذهاب للعاصمة. 
المسؤولان عن عملية اختيار المواهب الواعدة هما المؤلف الموسيقي وعازف البيانو الأربعيني الوسيم فيكتور (توماش كوت) والمنتجة إرينا (اغاتا كوليشا). ما إن تقع عينا فيكتور على الصبية الجميلة زولا (يوانا كوليغ)، حتى يفته حسنها، وليس حسنها فقط،بل شخصيتها، فهي تبدو مختلفة عن الأخريات: أكثر حنكة ومكرا، وأكثر مثابرة وأصرارا وأقوى شخصية. 
افتتان يقابله افتتان وإعجاب يوازيه إعجاب، فكما يعجب فيكتور بزولا لجمالها ولصوتها ولجرأتها، تفتن هي بمدربها الموسيقي الوسيم. تسافر الفرقة الجديدة إلى مسرحها الجديد في وارسو وتنتقل من نجاح إلى نجاح تحت إمرة مديرها الموسيقي فيكتور. 
ولكن الوطن يقف لقصة الحب الوليدة بالمرصاد. سرعان ما تتدخل السلطات الشيوعية في المسرح وتطالب المسؤولين فيه عن تقديم أغنيات تمجد ستالين والشيوعية، وتطالب زولا بتقديم تقارير عن الميول السياسية لفكتور الذي تشعر تبرمه من التدخل فيسياسات مسرحه وفريقه. تلوح بارقة أمل لفيكتور عندما تدعى الفرقة لتقديم حفل في برلين الشرقية، حيث يقرر فيكتور الانشقاق والفرار إلى الغرب ويتفق مع زولا أن تهرب معه. 
ولكن زولا تخلف الوعد وتبقى في بولندا، فعلى الرغم من الألم والتدخل السافر من السلطات في حياتها، تجد زولا نفسها غير قادرة على مغادرة البلاد. لم يكن بإمكانها أن تتخيل أرضا لها سوى بولندا. أما فيكتور، فيعيش مع الحسرة على مستقبل موسيقي لميبق منه سوى العزف على البيانو في ملهى باريسي وعلى قصة حب لم تخلف له إلا الحسرات. 
علّ أحد المشاهد الدالة المحملة بالمغزى في الفيلم هو مشهد يتحدث فيه أحد المسؤولين في الفرقة الغنائية عن إحدى المغنيات القرويات، مطالبا بأن تصبغ شعرها أو أن تستبعد من الفرقة، فهي ذات شعر داكن لا يتفق مع «الصورة المثالية» التي يخالها النظامعما يجب أن تكون عليه بولندا، فبولندا شقراء ذات قسمات جميلة. هذه هي بولندا الشيوعية كما يصورها الفيلم: بلد قامع يرفض أي صورة من صور الاختلاف، بلد يزيف الحقائق لخلق أسطورة بولندية، بلد يزيف الماضي ويختلق أغان تراثية تمجد القادة.
هذا هو ما يدفع فيكتور إلى الفرار وهذا ما تتحمله زولا حتى تبقى في بلادها. بدلا من الحفاظ على التراث الثقافي والغنائي للبلاد، تصبح الفرقة جزءا من آلة ضخمة للدعاية السياسية ولتمجيد ستالين والقادة الشيوعيين. يصبح البقاء في البلاد نوعا من الحربالباردة التي يتوجب خوضها إن حاول المرء أن يبقى على مبادئه. وتصبح الحرب الباردة أيضا حال قصة الحب بين فيكتور وزولا، فهما لا قبل لهما بالبعد عن بعضهما البعض، وكلما ابتعدا، يسعيان بكل ما أوتيا من قوة للعودة معا، متحديين السلطاتومستعدين للسجن والتعذيب، ولكنهما كلما التقيا يبدو كما لو أن الوطن الذي غادراه يحول بينهما. إنها قصة حب لا تنسى بالبعد ولا تستقيم باللقاء.
المنفى هو قدر فيكتور وزولا أينما حلا، فهما غريبان في أرض المهجر وغريبان في بولندا التي تصر على تصنيفهما وفقا لآرائهما السياسية والتي لا يجدان وطنا فوق ثراها. رغم الحب العميق، لا يفضح وجه الحبيبين هذا العشق. ربما يود بافليكوفسكي أنيخبرنا أنه حتى يتبدى الحب على قسمات العاشقين يجب ألا يعرفا شقاء كالذي عرفه فيكتور وزولا، الذين لم يشأ لهما الوطن قط أن يسعدا بقصة حبهما. الفرار لا يصلح ما أفسده القهر والبطش والبقاء لا يمحو الاحساس المرير بالغربة والاغتراب. 
في كنيسة مهجورة يتعاهد الحبيبان على ألا يفترقا قط، يتعاهدان على أن يخلد حبهما إلى الأبد، ولكن الأبدية كما يصورها بافليكوفسكي ليست البهجة الوردية التي نخالها بل هي مواجهة الظلام الحالك معا. فيلم نفذه مخرج في أوج تمكنه من أدواته وأضفىعليه الحزن الجليل تصوير بديع وأغان تشدو عن اللوعة والفراق والقلب الذي يتحطم.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات