عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-May-2017

التدمير الذاتي لعبتنا* مصطفى زين

الحياة-إرهابيو «داعش» ما زالوا يسيطرون على غرب الموصل. الجيش العراقي يتردد في اقتحام وسط المدينة «خوفاً» على المدنيين. «المستشارون» الأميركيون أيضاً حريصون على الناس وقود حروبهم المتواصلة. هذا السبب المعلن للتأخير في طرد «داعش» من نينوى. أما الأسباب الأخرى الأكثر أهمية فمختلفة تماماً، ليس الحرص على المدنيين بينها. هم مجرد ورقة يلوح بها الأقوياء لخداع الرأي العام بأن واشنطن تحافظ على القيم الأخلاقية، وتحارب لإنقاذ البشرية من الشر الذي يمثله العدو. هي اللعبة الاستراتيجية القديمة المتجددة دائماً، وتمثل الحروب في العراق وسورية هذه اللعبة خير تمثيل. البلدان المحاصران من الداخل والخارج، بعد إطاحة النظام في بغداد وإنهاكه في سورية، يخضعان للعبة المصالح الدولية والإقليمية. ويشكل موقعهما في قلب العالم العربي، بما لديهما من تاريخ ودور في الصراع الإسلامي- الإسلامي قديماً والفارسي- السلجوقي وتشكُل الطوائف (كأننا ما زلنا نعيش ذلك الزمن) بؤرة مثالية لإحياء الخلافات المذهبية واستثمارها في الحروب الحديثة للقضاء على توجههما العروبي، وكانتا منطلقه وأرضه الخصبة طوال عقود.
 
بعد 14 عشر عاماً على احتلال العراق وتسع سنوات على انطلاق «الربيع العربي» في سورية، استعيدت الصراعات المذهبية بكل مظاهرها. ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي وتزوير الميديا الحديثة في ترويجها، وأصبحت الأساس في تنفيذ الدول استراتيجياتها الكبرى، حتى تلك الدول البعيدة عن الفهم الأيديولوجي الديني للخلاف بين المذاهب وبين التيارات داخل المذهب الواحد.
 
استغلال هذا الواقع يتجلى اليوم في الاستراتيجية الأميركية في بلاد الشام وما بين النهرين. بموجب هذه الاستراتيجية، تم تأخير تحرير الموصل من سيطرة «داعش»، فمنذ سبعة أشهر لم يستطع أكثر من مئة ألف عسكري، بكل معداتهم الحديثة وبدعم «التحالف الدولي»، فضلاً عن عشرات الآلاف من الأكراد «والحشد الشعبي»، استعادة المدينة «خوفاً على المدنيين»!
 
الواقع أن الأميركيين الموجودين في العراق لمواجهة إيران، كانوا في انتظار إبعاد «الحشد الشعبي» من عملية التحرير. وبعد تكليفه جبهة تلعفر واعتراض تركيا على دخوله المدينة وإصراره على التواصل مع سورية، أصبح الوضع أكثر تعقيداً، فـ «الـحشد» سيكون رأس جسر لعبور إيران إلى الجانب الآخر من الحدود، قبل أن «تحرسها» قوات موالية للولايات المتحدة أو الجيش الأميركي نفسه إذا لزم الأمر. وهكذا وقع الخيار على الأكراد ليحرروا الرقة ويكونوا في مواجهة الموالين لطهران، وقد أثبتوا قوتهم وولاءهم. أما تركيا المعترضة على تسليحهم، فبدأت تتراجع عن موقفها بضمانات من البيت الأبيض الذي قرر تزويدهم مزيداً من السلاح. وقد انخرط الجنود الأميركيون معهم مباشرة في الحرب بصفة «مستشارين ومدربين»، فضلاً عن أن روسيا لم تعترض على هذه الخطوة، وذهبت أبعد من ذلك عندما وافقت على إقامة المناطق الآمنة، بعدما غيّرت اسمها إلى «مناطق خفض التصعيد»، وهذا يلبي طلب أنقرة التي انخرطت في الحرب على سورية منذ شهرها الأول. ولم تعترض عليه إيران.
 
على الجانب الآخر من الحدود العراقية، أي من جهة الأنبار، كانت واشنطن ناشطة في تدريب العشائر التي شكل مقاتلوها «صحوات» أيام الاحتلال (كأنه انتهى الآن)، واستمرت في الإشراف على تجنيدهم وصار اسمهم «الحشد العشائري» حالياً. مهمة هؤلاء، عدا عن طرد «داعش»، أن يكونوا قوة صد تحول دون تمركز «الحشد الشعبي» في المحافظة.
 
هذه الخريطة الحربية المعقدة التي تحكمها الجغرافيا يمكن تبسيطها على الشكل التالي: مواجهة إيران في العراق وسورية تتطلب حشد قوى محلية معبأة طائفياً، بدعم أميركي مباشر، بالتعاون مع الحكم في بغداد. وقد أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي بدء معركة الأنبار لطرد «داعش»، من دون مشاركة «الحشد الشعبي»، ووافق على تولي شركات أمن أميركية خاصة حماية الطريق بين الأنبار والأردن، ما يشير إلى أنه ابتعد عن طهران، من دون أن ينخرط كلياً في الجبهة المعادية لها. فهل يستطيع الاستمرار في هذه اللعبة؟
 
باختصار شديد تعتقد الولايات المتحدة أنها أبعدت إيران وحلفاءها عن الحدود العراقية- السورية، وتستعد لإعلان الموصل والأنبار محررتين، وعليها مواجهة نفوذ طهران داخل البلدين، وهذه مهمة أخرى تحتاج إلى تغييرات كبيرة في طبيعة النظامين قد تحتاج إلى استمرار الحروب الأهلية، والتقسيم يلوح في الأفق. وأميركا ترامب مستعدة لكل الاحتمالات.
 
ونحن... التدمير الذاتي لعبتنا المفضلة.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات