عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Oct-2017

ملف خاص الروهينغا: أُمّةٌ في قاربٍ
 
سليمان قبيلات
عمّان -الغد-  تقدم منطقة جنوب شرق آسيا، أمثلة صارخة لدول ناهضة، وأخرى تسعى للتقدم، وثالثة تتشبث بمتاعب التاريخ وتخلفه. فبينما يُغرِق ساسةُ بورما بلادهم بدم الروهينغا منذ عقود، اجترح العقل السياسي في سنغافورة معجزة اقتصادية نقلت البلاد من حطامها الى العالم المتقدم. 
فالمشهد الغرائبي في جنوب شرق آسيا يحتمل وجود مئات الآلاف من الفارين من الموت في بورما، وصورة سنغافورة المتنوعة المشرقة، التي لم يُرضخها الساسة لأمراض الماضي والانتقام، فصعدوا بشعبهم خلال ثلاثين عاما إلى ذرى التقدم، بفضل فهم عميق كرّسه رئيس الوزراء الأسطورة لي كوان يو، الذي استطاع أن يغير السنغافوري الذي كان يتبول في الشارع الى مواطن دولة متقدمة، استوعبت الاختلافات الطائفية والعرقية واعتبرتها مصدر ثراء وإثراء، فتوحد المالاويون المسلمون والهنود والصينيون البوذيون.   
وحدها دول النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، سنغافورة، هونكغ كونغ، تايوان) أفلتت من قبضة التخلف والصراعات الداخلية، مطوعة التنوع مصدرا للتميز والتنمية، بينما ما يزال إرث الماضي الثقيل والديكتاتوريات يمسكان بتلابيب العديد من دول جنوب آسيا، التي تتشابه مع دول النمور بالتكوين الديموغرافي. فهذه دولة فاشلة، وثانية تكاد تنزلق الى هذه الخانة. أمّا الحالة الصارخة فتجسدها ميانمار (بورما) التي لا يبدو أن نخبها تمتلك عقلا وازنا، بينما تفتقد البلاد منذ عقود لناظم وطني يوحد هذا الشتات الذي يتفجر مآسي معيبة لأمة تاريخها حافل بمقارعة الغزاة..
ففي حفلة الجنون التي يمارسها متطرفو الجيش والنخب القومية ضد أقلية الروهينغا، تكشف ميانمار عن اي درك تصله بلاد تترك للضغينة ان تقودها. فالدم لا يستسقي الا الدم، إذ لم يجد الروهينغا ملاذا سوى الفرار على متن قوارب الموت صوب المجهول، إضافة الى بدء حركة تحرر تؤذي المعتدي، وتلفت انظار عالم اليوم الذي يتواطأ عادة مع القوة ويغفل ما ترتكب من جرائم.
كثير من المحللين يرون أن النزاع بين السلطة البورمية والروهينغا لا يأخذ طابعا دينيا، إذ انه مرتبط بتاريخ هجرة الشعوب، لافتين الى ان الهجرات من بنغلاديش الفقيرة، لم تتوجه الى ولاية أركان في ميانمار فقط، بل وإلى مناطق شمال-شرق الهند، التي أعادت قبل فترة زهاء خمسة ملايين شخص إلى بنغلاديش. وهؤلاء ليس لديهم ملجأ، وهم يعتقدون أنهم سيستطيعون في ميانمار، حيث الكثافة السكانية منخفضة، بدء حياة جديدة. 
يصف المحللون الصراع الحالي بأنه صراع غرائز، "فالروهينغا يهاجرون ليس لأنهم يريدون أن يعيشوا أفضل، بل لأنهم يريدون العيش فقط. وسكان ميانمار يقاومونهم ليس لأنهم ضد الروهينغا، بل لأنهم يريدون العيش على هذه الأرض. أي أن هذا صراع بدائي، أحدهم يريد الحصول على موطئ قدم والآخر يمنعه".
وقد زارت لجنة مستقلة برئاسة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان، واكتشفت أن حقوق الروهينغا تنتهك بفظاعة، وكان الاستنتاج الوحيد الذي خرجت به هو إجبار سلطات ميانمار على منح الروهينغا نفس الحقوق الممنوحة لمواطنيها. ولكن هذا غير ممكن في ظروف ميانمار الحالية، حيث معظم السكان يعدُّون الروهينغا غرباء.
المستفيدون من الصراع
أحد المحللين الاستراتيجيين، يقول "ان الصراع يحمل في مضامينه مؤشرات لتشكُّل قواعد جديدة لإدارة العالم أمام أنظارنا. أي يجب تفكيك القواعد القديمة مثل "آسيان (منظمة دول جنوب–شرق آسيا)" كمنظمة دولية مبنية على التنازلات والاتفاقات، ما يتعارض مع نظام إدارة الأزمات الجديد الذي يتشكل. وفي هذه المنطقة تنشط المجموعات المتطرفة، ويبدو أن هذا يتم بطلب جهة معينة، والشيء نفسه يلاحظ في جنوب تايلاند، إندونيسيا وماليزيا، حيث لم تحصل الأحزاب ذات الجذور الإسلامية على أكثر من 10-20 في المائة من أصوات الناخبين. لذلك قد يكون الهدف من أحداث ميانمار هو الإسراع في اشعال صراعات في دول جنوب–شرق آسيا.
وعلى ما تقول وكالة الصحافة الفرنسية، فإن دعم الصين لبورما حول أزمة الروهينغا، يشكل امرا نادرا بالنظر إلى العزلة الدولية التي يعيشها هذا البلد على خلفية الملف، لكن التحدي بالنسبة الى الصين يقوم على حماية المشاريع الضخمة التي اطلقتها في منطقة النزاع والواقعة على احد "طرق الحرير الجديدة".
ففي نيسان (ابريل) الماضي، خصص الرئيس الصيني شي جينبينغ استقبالا ضخما لنظيره البورمي هتين كياو مشددا على ضرورة "إطلاق العمل بأسرع ما يمكن" في مشاريع تعاون حيوية.
ومن بين هذه المشاريع، "المنطقة الاقتصادية الخاصة في كياوكبيو" المدينة في ولاية راخين التي تبعد 200 كلم جنوب المنطقة التي نزح عنها مئات آلاف الروهينغا في الأسابيع الاخيرة هربا من العملية العسكرية التي يشنها الجيش البورمي، وقالت الأمم المتحدة إنها "تطهير إثني".
وعززت الصين المستثمر الاول في بورما، في السنوات الاخيرة موقعها في هذه المنطقة من غرب البلاد حيث تعيش أقلية الروهينغا المسلمة.
وتعتبر المنشآت في راخين حيوية بالنسبة الى الصين التي تسعى الى ضمان أمن الانابيب التي تنقل النفط والغاز الطبيعي من الشرق الاوسط الى اقليم يونان (جنوب غرب الصين)، بحيث يتم تفادي مضيق ملقة بين ماليزيا واندونيسيا.
تقول شركة "سي آي تي آي سي" القابضة العملاقة الحكومية في الصين ان مشروع "طرق الحرير الجديدة" ينص على استثمار أكثر من تسعة مليارات دولار في مرفأ للمياه العميقة في كياوكبيو بالإضافة الى إنشاء منطقة اقتصادية ضخمة على مساحة ألف هكتار.
ويربط بين راخين البورمية ومنطقة يونان الصينية أنبوب نفط ضخم أنشئ في نيسان(ابريل) الماضي بعد أن استغرق سبع سنوات، بكلفة 2,45 مليار دولار بحسب "سي آي تي آي سي" التي تولت الاشراف على الاعمار، ساهمت بورما بـ1,20 مليار منها بينما تكفلت الصين بـ1,24 مليار الباقية.
وتقول صوفي بواسو دوروشيه من معهد جنوب شرق آسيا لدى المعهد الفرنسي للدراسات الدولية ان "المشاريع الكبرى" لبكين هي سر هذا الدعم الذي لا يتزعزع لبورما.
من المتوقع أن تظل بكين على موقفها القائم على "دعم جهود بورما من اجل الحفاظ على استقرار نموها الوطني"، بحسب تعبير وزارة الخارجية الصينية في اواسط ايلو(سبتمبر )الماضي.
ويشكل النمو الاقتصادي للزعيمة البورمية اونغ سان سو تشي ركيزة على المدى الطويل للمنطقة التي تعتبر من الأكثر فقرا في البلاد؛ إذ تبلغ نسبة الفقر فيها 78 % أي ضعف المعدل الوطني.
في كانون الثاني (يناير) 2016، تحدث نائب رئيس قسم الاعمار لدى "سي آي تي آي سي" يوان شاوبين عن "تقاسم ارباح المشروع مع بورما والسكان المحليين"، مشيرا الى بناء 50 عيادة و50 مدرسة في المنطقة، لكن هذه الوعود لم تتحقق بعد.
تقول الكسندرا دي ميرسان الباحثة لدى المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (اينالكو) والمتخصصة في ولاية راخين ان "المشاريع الضخمة للصين في ولاية راخين أثارت استياء كبيرا لدى السكان المحليين (الروهينغا) الذين لا يرون اي فوائد إيجابية له".
ونددت اللجنة الدولية برئاسة الامين العام الاسبق للامم المتحدة كوفي انان في تقرير نشر في آب (اغسطس) بأن الارباح "يتم تقاسهما بين نايبيداو (بورما) والشركات الاجنبية" وبالتالي "فإن الحكومة ينظر عليها على انها جهة تستغل" السكان.
ثروات جوفية
على غرار مناطق عدة اخرى في بورما، تضم راخين ثروات جوفية هائلة خصوصا الغاز، ولذلك لا يستغرب بعض الخبراء ان يكون للتحديات الاقتصادية دور في الازمة الحالية.
تقول ساسكيا ساسين عالمة الاجتماع التي وضعت كتابا بعنوان "عمليات طرد: العنف والتعقيد في الاقتصاد العالمي" ان "مصالح أخرى غير الدين ربما لها دور في القمع" الحالي.
وحتى فترة قصيرة كانت راخين محمية نسبيا بالمقارنة مع الولايات المتحدة من عمليات استيلاء رجال اعمال مقربين من الجيش على اراض، لكن هذه المعطيات تغيرت.
وتضيف ساسين "الارض باتت ثمينة بسبب مشاريع الصين.. والاراضي التي باتت شاغرة بعد الطرد الجذري للروهينغا منها ترتدي اهمية اكبر بالنسبة الى الجيش".
جريمة بلا شهود
ولعل ما يجعل رصد الجريمة فعلا صعبا هو سياسة بورما في منع وصول الصحفيين والمنظمات الإنسانية الى مناطق أقلية الروهينغا، اذ يكتفى بمقابلات مع العديد من الفارين من الموت الى بنغلادش او دول الجوار الاخرى مثل ماليزيا.                                        
ففي هذا السياق، أعلنت شبكة "بي بي سي" في مطلع الشهر الماضي، عن وقف خدمتها باللغة البورمية للتلفزيون البورمي، منددة بفرض رقابة عليها في بلد يشكل فيه التطرق خصوصاً إلى أقلية الروهينغا المسلمة من المحظورات. وقالت الشبكة إن وقف هذا التعاون سببه رفض القناة بث عدد من برامجها منذ آذار (مارس) الماضي.
وفي بيان صادر عنها، قالت الشبكة إنها لا يمكنها القبول بالتدخل في برامجها أو فرض رقابة عليها من طرف جهات البث التلفزيوني لأن ذلك ينسف ثقة المشاهدين. وأشارت "بي بي سي" إلى أنّ برامجها بالبورمية ستبقى متاحة في موقع القناة البريطانية، التي شكلت مصدر معلومات مهماً لأونغ سان سو تشي أثناء إقامتها الجبرية المطولة في فترة حكم السلطة العسكرية، علماً أنّ خدمة "بي بي سي" تنتج منذ نيسان (أبريل) 2014، من مقرها في رانغون، نشرة إخبارية يومية لقناة "ميانمار تي في" التي يتابعها حوالي 3.7 مليون مشاهد.
في المقابل، أفاد مسؤول في التلفزيون البورمي رفض الكشف عن هويته، رداً على سؤال لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" أن المشكلة تكمن في استخدام تسمية "روهينغا" في برامج "بي بي سي". وقال "إنهم ما زالوا يستخدمون كلمة روهينغا التي لا تتلاءم وسياستنا".
وتمتنع رئيسة الحكومة البورمية، أونغ سان سو تشي، الحائزة على جائزة "نوبل السلام" عن استخدام تسمية "روهينغا"، وتتعرض لانتقادات مكثفة في الخارج بسبب إدارتها لهذا الملف.
ويقيم حوالي مليون شخص من هذه الأقلية المسلمة في ولاية راخين غرب بورما، التي لا تعترف بها وتعتبرها بنغلادشية رغم تواجدها في هذه المنطقة منذ أجيال، ما يحرمها من الخدمات الصحية والتعليمية. ولجأ نحو 60 ألف شخص معظمهم من أقلية الروهينغا إلى بنغلادش هرباً من المعارك في غرب بورما، حيث حرم ما لا يقل عن 250 ألف شخص من المساعدات الغذائية بسبب المواجهات بين الجيش والمتمردين.
الهجوم ضد الروهينغا بدأه الجيش البورمي اواخر آب (اغسطس) الماضي، عقب ما قالت "بي بي سي" وسواها من وسائل اعلام، انه هجوم شنّه متمردون من الروهينغا  على ثلاثين مركزاً للشرطة تحت شعار "الدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة". اسفر الهجوم في المنطقة النائية والفقيرة عن فرار عشرات الآلاف نحو الغابات وبنغلادش المجاورة. 
خلاف تاريخي 
 تاريخيا، اُختلف في أصل "الروهينغا"، اذ يؤكد بعض مؤرخيهم، أن مصطلح "روهينغا" مشتق من الكلمة لغة عربية "رحمة"، حيث تتبعوا المصطلح إلى القرن الثامن ميلادي وقصة حطام السفينة. ووفقا لما قالوا فإن سفينة عربية تحطمت بالقرب من جزيرة رامري وعلى متنها تجار عرب، وقد أمر ملك أراكان بإعدام التجار العرب، الذين كانوا يصيحون:"الرحمة الرحمة"، فأطلق على هؤلاء الناس اسم راهام ومع مرور الزمن تبدل المصطلح إلى رهوهانج ثم روهينغا. ولكن هناك من يخالف هذه الفرضية، مشيرا الى أن سلالة مسلمي حطام السفينة يطلق عليهم الآن ثامبو كيا وهم موجودون اليوم على سواحل أراكان، فإن كان صحيحا أن أصل مصطلح روهينغا جاء من تلك المجموعة المسلمة فإن شعب الثامبو كيا هم أولى الناس بالاسم. لذا فهم يقولون ان موطن أسلاف الروهنغية هو الروها في أفغانستان.
مؤرخون بورميون يدعون أن مصطلح الروهينغا لم يكن موجودا قبل سنوات عقد 1950. وحسب أقوال احدهم فانه لم تكن هناك كلمة روهينغا في احصاء 1824 الذي أجراه البريطانيون. وذكر مؤرخ آخر أن مصطلح الروهينغا جاء من أسلاف البنغاليين في عقد 1950 الذين هاجروا إلى أراكان فترة العهد البريطاني. واضاف أنه لم يجد المصطلح في أي مصدر تاريخي في أي لغة قبل عقد 1950، إلا أنه قال إن ذلك لا يعني أن المجتمعات المسلمة لم تكن موجودة قبل 1824.
خبير التاريخ الأراكاني الدكتور جاكيز ليدر، أشار الى أن استخدام مصطلح "روهينغا" استخدم في أواخر القرن الثامن عشر في تقرير نشره البريطاني فرانسيس بوكانان هاملتون في الفقرة 1799 عن "المفردات المقارنة لبعض اللغات الناطقة في مملكة بورما"، وذكر بوكانان هاملتون: "أضيف الآن ثلاث لهجات تستخدم في إمبراطورية بورما إلا أنها من الواضح انها مستمدة من لغة بلاد الهندوس. أولى اللهجات هي التي يتحدث بها المحمديون الذين استقروا في أراكان ويسمون أنفسهم روونجا أو سكان أراكان". وأضاف ليدر أن أصل الكلمة "لا شأن له بالسياسة". وأضاف أيضا أن "تستخدم هذا المصطلح لنفسك كرمز سياسي كي تعطي نفسك هوية في القرن العشرين، والآن كيف يمكن لهذا المصطلح أن يستخدم منذ سنوات 1950 فقط؟ يبدو أن الناس الذين يستخدمونه يريدون أن يعطوا تلك الهوية للمجتمع الذي يعيش هناك".
الديكتاتوريات العسكرية
عشية استقلالها عن بريطانيا في كانون الثاني (يناير) 1948 سادت توقعات كثيرة في بورما (الاسم السابق لميانمار) بأنها ستكون أنموذجاً للديمقراطية التعددية في آسيا كما الحال في جارتها الهند. مضت الامور في هذا الاتجاه عبر وضع دستور متقدم، وتشكيل حكومة مدنية منتخبة برئاسة "أونو" الذي برز في عقد الخمسينيات واحدا من قادة آسيا المرموقين في مؤتمر باندونج التأسيسي لحركة عدم الانحياز. 
لكن العسكر كانوا للبلاد بالمرصاد، اذ قام قائد الجيش ذو الأصول الصينية الجنرال "ني وين" (الابن اللامع) في العام 1962 بانقلاب عسكري، فشكل مجلساً ثورياً بدل الحكومة المدنية وأوقف العمل بالدستور، بل قام هو ورفاقه من أصحاب البزات الكاكية بأمور أكثر استهجاناً وحماقة تمثلت في تطبيق نظام اشتراكي مشوه، وإطلاق برنامج للحكم والإدارة يتسم بالمركزية الشديدة، معطوفاً على ممارسة القمع ضد الأقليات، وطرد الأجانب بعد تأميم ممتلكاتهم، وعزل البلاد عن محيطها الخارجي، الأمر الذي أدى إلى توقف الاستثمارات الأجنبية، وانتشار الفقر، وانهيار الاقتصاد الذي كان يتوقع له في ذلك الزمن المبكر أن يكون ضمن الاقتصاديات الآسيوية البارزة بسبب متانة البنية التحتية والإدارية وتنوع موارد البلاد.
استمر نظام "ني وين" مذ ذاك وحتى العام 1988، حينما قرر صاحبه تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية المتأثرة بتطورات الأحداث في الاتحاد السوفييتي السابق ودول الكتلة الشرقية التقاعد وترك مسؤوليات البلاد في يد حفنة من تلامذته الذين شكلوا ما عــُرف بـ"مجلس الدولة للقانون والنظام" (تغير اسمه لاحقاً إلى مجلس الدولة للسلام والتنمية)، غير أن التلامذة فاقوا أستاذهم لجهة القمع الوحشي، والفساد والنهب، وخرق حقوق الإنسان، وعزل البلاد عن العالم الخارجي، ولعل من أكبر جرائم الطغمة العسكرية التي خلفت "ني وين" في السلطة من العام 1988، وحتى 2011 هو تدمير الاقتصاد البورمي إلى درجة تصنيف البلاد من قبل الهيئات الأممية ضمن الدول الأشد فقراً في العالم، على الرغم من امتلاكها لاحتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، إضافة إلى ثروتها الزراعية وثروتها من الأحجار الكريمة.
وقد قررت رابطة أمم جنوب شرق آسيا "آسيان" على مضض منح عضويتها لبورما في العام 1997 على أمل أن يستقيم سلوك قادتها العسكريين، ويقـْدموا على شيء من الإصلاحات الاقتصادية على الأقل، بل إن الرابطة حاولت بعد ذلك إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد عن طريق إغداق المساعدات عليه لتأهيل اقتصاده، غير أن العبء كان كبيراً جداً، ثم تضاعف العبء مع انفجار الأزمة الاقتصادية الآسيوية في العام 1989.
"جيش إنقاذ روهينغا أراكان"
جماعة مسلحة تنشط في إقليم راخين (أو كما تسمى أراكان) غربي ميانمار، تقول إنها تدافع عن حقوق الروهينغا الذين يتعرضون منذ سنوات لحملة إبادة من طرف جيش ميانمار.
ظهر "جيش إنقاذ روهينغا أراكان" المعروف أيضا بـ"أرسا" العام 2012، عقب عمليات البطش التي شنها بوذيون ضد الروهينغا تحت حراسة وحماية جيش ميانمار، مما أسفر عن مقتل الآلاف وتشريد عشرات الآلاف.
وعرف "جيش إنقاذ روهينغا أراكان" في السابق باسم "حركة اليقين"، وتؤكد مجموعة الأزمات الدولية في تقرير لها أصدرته العام 2016 أن زعيم الحركة هو عطاء الله.
وبحسب مصادر محلية من الروهينغا وكذلك مسؤولين أمنيين في ميانمار، فإن "أرسا" درّب عناصره قرب الحدود مع بنغلاديش، لكن هجومهم الأول كان في تشرين الأول  (أكتوبر) 2016 عندما قتلوا بعض الحراس والجنود على حدود ميانمار وبنغلاديش.
وفي 14  كانون  الأول (ديسمبر) 2016 أوردت مجموعة الأزمات الدولية أنها أجرت لقاءات مع قادة الجماعة كشفوا فيها عن علاقات تجمعهم بأشخاص في باكستان ودول أُخرى، ونقلت المجموعة أن قبائل من الروهينغا تلقوا تدريبات سرية على أيدي مقاتلين أفغان وباكستانيين.
وبينما تصف سلطات ميانمار جيش إنقاذ روهينغا أراكان بأنه منظمة إرهابية، وتقول إن زعماءه تلقوا تدريباتهم في الخارج، تقول الجماعة إنه لا علاقة لها بالجماعات الارهابية، وإن هدفها هو" الدفاع وإنقاذ وحماية شعب الروهينغا".
الهجمات
لا تورد المصادر الإخبارية معلومات دقيقة عن عدد عناصر جيش إنقاذ روهينغا أراكان، لكن حكومة ميانمار تؤكد أن عددهم يقدر بنحو أربعمائة مقاتل.
وفي 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 أعلن الجيش في ميانمار أنه قتل 69 من "المتمردين"، كما أفادت وسائل الإعلام الرسمية هناك يوم 22 حزيران (يونيو) الماضي بأن ثلاثة من "المتمردين" قتلوا على يد قوات الأمن في غارة على معسكر تابع للجيش.
وفي آب (اغسطس) الماضي، سلطت الأضواء على هذه الحركة عقب تعرض مواقع للشرطة وقاعدة للجيش في ميانمار لهجمات من قبل مسلحين، حيث أورد بيان حكومي أن 150 مسلحا من الروهينغا هاجموا مواقع في مونغداو شمال أراكان باستخدام متفجرات يدوية الصنع.
وفي التاسع من أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلن جيش إنقاذ روهينغا أراكان عن هدنة من جانب واحد لمدة شهر كامل لتسهيل وصول المساعدات والفرق الإغاثية للمتضررين من الحملة العسكرية التي يشنها جيش ميانمار شمال ولاية أراكان.
التنظيم ناشد -في بيانه الذي نشره حساب التنظيم على موقع تويتر- كل الأطراف العاملة في مجال الإغاثة العمل على استئناف أعمالها في المناطق المتضررة وتقديم العون لكل المتضررين والضحايا بغض النظر عن دينهم أو عرقهم.
وطلب البيان من جيش ميانمار "وقف عملياته العسكرية وتقديم العون للمنكوبين" حيث تتعرض الولاية لحملة تطهير قتل فيها مئات المدنيين، وأحرقت فيها المنازل والقرى، وهجر عشرات الآلاف من منازلهم.
وقد شكل ملف الانتهاكات التي تتعرض لها أقلية الروهينغا في بورما على أيدي جيش البلاد ونزوح أكثر من أربع مائة ألف منهم إلى بنغلاديش هربا من الاضطهاد أحد الملفات الساخنة المطروحة على مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والسبعين التي اختتمت اواخر الشهر الماضي.
لكن ما تخشاه المنظمات الإنسانية هو تفاقم أوضاع الروهينغا أكثر فأكثر بسبب رغبة الصين الشعبية في عدم اتخاذ أي إجراء رادع تجاه الجيش البورمي الذي يتحكم في السلطة السياسية الفعلية، لعدة أسباب منها مصالح بيكين الاقتصادية والجيواستراتيجية . وتشاطر الصين الطرح الذي تدافع عنه القوات البورمية ومفاده أن الأزمة البورمية شأن داخلي وأن العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش البورمي في المناطق التي نزح منها أكثر من أربع مائة ألف من الروهينغا مناطق تنشط فيها مجموعات ضد القوات النظامية تصفها بورما والصين بـ"المجموعات الإرهابية" وأن الحملة الإعلامية العالمية ضد تصرفات الجيش البورمي هي حملة تقوم على التضليل. بل إن مستشارة الدولة البورمية الحائزة على جائزة نوبل للسلام اونغ سان سو تشي ترى هي الأخرى أن الحملة التي تتحدث عن " تطهير عرقي " ضد أقلية الروهينغا مُبالَغ فيها. وقالت سو تشي قبل أيام في اتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن التعاطف الدولي مع مسلمي الروهينغا هو نتيجة "كم هائل من المعلومات المضللة التي أعدت لخلق كثير من المشاكل بين مختلف المجموعات". وأثار موقفها موجة استياء عالمية طالب أصحابها بتجريد مستشارة الدولة البورمية من جائزة نوبل بسبب صمتها عما تتعرض له أقلية الروهينغا.
المضحك المبكي في المشهد 
وبعد فشل الامم المتحدة خلال اجتماعات جمعيتها العامة الشهر الماضي في تبني موقف حازم تجاه الجرائم الممنهجة ضد الروهينغا، يستنتج وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ان إبعاد الروهينغا بطريقة وحشية من إقليم راخين دليل على ضرورة تقويض سطوة العسكريين في البلاد.
ففي مقال بصحيفة صندي تلغراف البريطانية، اطنب جونسون في مدح زعيمة ميانمار، أونغ سان سوتشي، واصفا اياها بأنها شخصية تميزت بالشجاعة في نضالها وصمودها السلمي لعشرات السنين ضد السلطة العسكرية في بلادها، وهو ما جعلها تحصل على جائزة نوبل للسلام، ثم فاز تيارها في انتخابات حرة.
وأضاف أن شجاعتها مطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن ما يجري في إقليم راخين مأساة إنسانية صنعها البشر بأيديهم من خلال سياسة وحشية مقصودة، على حد تعبيره.
ودعا جونسون زعيمة ميانمار سان سوتشي إلى استعمال سلطتها المعنوية للوقوف في وجه قمع الجيش لأقلية عرقية وما ترتب عنه من معاناة، وتهجير 500 ألف من المسلمين الروهينغا عن ديارهم خلال شهر واحد، إلى بنغلاديش.
ويرى جونسون أن نزوح هذه الأعداد الكبيرة من الروهينجا عن ديارهم في راخين وفي وقت وجيز دليل على أن العملية مدبرة ومقصودة لإبعاد هذه الأقلية، إلا إذا توفرت ظروف عودتهم وسلامتهم.
وقال انه لا ينكر حق بورما في الدفاع عن نفسها، لكنه يرى أن اي استفزاز مهما كان كبيرا لا يبرر ترحيل هذه الأعداد الكبيرة من الناس، ولا ينبغي أن يستغرب جنرالات بورما الاستنكار الدولي لما يجري في البلاد.
ودعا جونسون مرة أخرى سان سوتشي إلى مواجهة العسكريين بالحقيقة، وإقناعهم بأن مثل هذه الحملات غير مقبولة ولا ينبغي تكرارها.-(وكالات)
suliman.alqbeilat@alghad.jo
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات