عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2017

حبّة فاصوليا*منصف الوهايبي

القدس العربي-برحت الآداب العربيّة منذ قرن أو أقلّ بقليل أو أكثر بقليل، مداراتها المألوفة؛ ووفد عليها ما وفد من أجناس ومدارس وتيّارات، كالرواية والقصّة القصيرة والمسرحيّة، والرومانسيّة والرمزيّة والسيرياليّة، والتصويريّة والواقعيّة الاشتراكيّة أو تيّاّر الالتزام. ولا تزال هذه الآداب قلقة لم تستقرّ بعد، ولا نخالها ستستقرّ بعد ظهور «الأدب الرقمي» والكتابات الفايسبوكيّة وما إليها. فهي محكومة بجملة من التحوّلات الحضاريّة والسياسيّة جعلتها تستجيب، على قلق، لسياقات جديدة وصياغات متعدّدة. على أنّ ترسّم الخطّ الزمني في رصد مراحل هذا التاريخ الأدبي؛ ليست بالوضوح الذي نتصوّره؛ وكأنّنا ننتقل في الشعرمثلا صعودا من قصيدة البيت(العمودي وهي تسمية خطأ) إلى قصيدة التفعيلة فقصيدة النثر. وهو تصوّر خطّيّ لا يستقيم، إذ الأمر ليس بهذه البساطة. ومناهج النقد الأدبي تتفّق أو تكاد على أنّه من العسير أن تتداخل المستويات التاريخيّة والأدبيّة، في النصّ الواحد.
لتعترف بأنّ المفاهيم الوافدة بما فيها الإنشائيّة أو الأدبيّة أو الشعريّة، غير مؤسّسة في النقد العربي القديم، بل الحديث؛ إذ لا يعدو الأمر أكثر من «نقل» عن المصادر والمراجع الغربيّة. ولعلّ هذا ما يفسّر كون الأخذ بمفهوم لم يتأسّس بعد لا يخلو من بعض مجازفة ، ومن قدر غير يسير من المغامرة؛ بل هو يمكن أن يفضي إلى خلل منهجيّ بسبب الخلط بين التيّارات والاتجاهات، دون سند من اختبار النصوص والاستئناس بها. وهو ما لا يمكن تلافيه، إلاّ بشواهد دقيقة؛ تنمّ عن حسّ صاحبها النقدي ، ودون أن يتّخذها مسلّمات، أو يغفل عن تحليلها، ويحذر أن يجعل منها حجابا عن أوجه الاختلاف بين النصوص وهي التي تدور على أكثر من شكل من أشكال التداخل؛ ممّا يدرك في سياق التداخل النصّي بين ثقافتين في مستوى أوّل: ثقافة الأذن[ثقافة السلطة] وثقافة العين[ثقافة العقل]؛ ثمّ في مستوى المؤثّرات الأجنبيّة، وهي تختلف من بلبد عربيّ إلى آخر؛ فالمصري صلاح عبد الصبور مثلا يصعب أن تُكتنهَ تجربته بمعزل عن مؤثّرات الآداب الأنجلوسكسونيّة(ت.س. اليوت مثلا) شأنه شأن بدر شاكر السيّاب، والسوري أدونيس قد تصعب قراءته، إذا نحن أغفلنا المؤثّرات الأدبيّة الفرنسيّة. ولعلّ حسّا نقديّا مدرّبا، أن ينبّهنا إلى أنّ الزمنيّة الخطية لا تناسب الزمنيّة الشعريّة، وأنّ هذه الزمنيّة في ثقافة عربيّة مرتبكة كهذه؛ لا تتوزّع إلى ماض وحاضر ومستقبل، وإنّما هي على ما نرجّح ـ حاضر أبديّ، ولا يحتاج الشعراء ولا النقّاد، بموجبها إلى أن يعيدوا إحياء «الموتى»(موتانا وموتى الآخر) فهم حاضرون في القصائد،وهم يحاورونهم باستمرار. وضمن الوعي بأنّ الشعري قائم على التداخل، يكون منشدّا إلى نفسه مثلما هو منشدّ إلى سابقه بل لاحقه؛ إذ هو ينشأ «قرائيّا». بل ليس لهذا التداخل من غاية أو من هدف يتراءى في عقب القصيدة، وهو لا يتأتى من نسق شعريّ أو فكريّ أو من منظومة عقديّة.
إنّ القراءة ـ ولا نقول النقد، فهذا على ما يبدو اصطلاح ولّى زمانه ـ استئناف لإنشائيّة الأثر،والأثر الشعري، كما ذكرنا غير مرّة؛ هو في صميمه ذو طبيعة «قرائيّة»؛ فهو لا ينشأ كتابةً أو تشكيلا أو تنغيما؛ ثمّ يُقرأ. إنّما هو ينشأ منذ البداية قرائيّا، ينشأ وهو يَقْرأ موادّه وخاماتِه وكلّ ما يدور في فضائه. يكتب السيّاب «أنشودة المطر» وهو يقرأ أديث ستويل، ويكتب أدونيس « مفرد بصيغة الجمع» وهو يقرأ الرمزيّين والسرياليّين الفرنسيّين من بودلير إلى بروتون. ولكنّ هذا الأثر يقرأ ما يقرأ أساسا بحسب ما تمليه عليه طبيعة جنسه، وبحسب ما يستعيره من عناصر من الأجناس الأخرى، فلا يمكن أن ننفي لا في « الشفوي» ولا في « الكتابي»،التراسل أو التجاوب أو التناصّ. ومادام الشعر يتّسع لهذه الظواهر سواء تعلّقت بشعريّة الدال أو بشعريّة المدلول، فلا ضير أن نصل بعضها ببعض، وأن نتنبّه إلى أنّ منبتها الأصلي هو الشعر نفسه. كما أنّه لا ضير ـ على ما نرى ـ أن نستدعي إلى مفهوم جديد مثل الكتابيّة، ظاهرة قديمة كالشفهيّة؛ وإن لم تكن بالوضوح الكافي في النقد القديم . ومثلما لا حرج من تهجين الأجناس الفنية أو الأدبيّة، لا ضير أيضا من تهجين المفاهيم شريطة مراعاة قواعد التهجين حتى لا يكون المنتـَج مسخا. مع ذلك فنحن دائما أحوج ما نكون إلى التمييز بين المفهوم والمصطلح.
والأوّل هو الحدّ الكلّيّ للظّاهرة المدروسة، وعمل الفكر عامّة، أو عمل الفكر الفلسفيّ حصرا أو النقدي في السياق الذي نحن به. فيما المصطلح من عمل التّواضع الجمعيّ بما يعنيه ذلك من بعض الاعتباط قليلا كان أو كثيرا. أي أنّ ما نصطلح عليه شفويا أو كتابيّا مثلا، أو قصيدة بيت أو قصيدة تفعيلة أو قصيدة نثر أو قصيدة بياض؛ لا نصطلح عليه كذلك، لأنّنا خبرنا ماهية هذه أو ماهية تلك، أو لأنّنا وقفنا على حقيقتها، وإنّما لأنّنا «نحْدس» في ما بيننا خصائص لهذه وتلك تصلها بها، وتميّزها عنها في ذات الآن.
بل إنّ مصطلح «الآداب العربيّة الحديثة» هو في عمومه؛ حاصلُ سلطان متأتّ من خارج موضوع المصطلح. والذين يصطلحون على هذا الحدّ يصدرون في اصطلاحهم عن مؤسّسات من خارج دائرة الشّعر أو الأدب عامّة؛ وبعضها يتقاطع مع هذه الدّائرة بشكل أو بآخر، ونعني بذلك مؤسّسة النّقد، وبعضها يتخارج عنها ولكنّه لا ينفكّ يتدخّل في تحديدها، ونعني بذلك كثيرا من المؤسّسات الاجتماعيّة سواء اتّخذت طابعا سياسيّا أو فقهيّا أو حتّى اقتصاديّا (تسويقيّا). وهذا لا يسوق إلى إنكار التّداخل بين الشّعريّ وغيره، وإنّما يفيد أنّ الخلط بين المصطلح والمفهوم في شأن الشّعر –وفي شأن غيره أيضا- إنّما هو مسند بتدخّل سلطان ثقافيّ سياسيّ، ذي هموم نفعيّة في الغالب الأعمّ أكثر منها هموما معرفيّة-جماليّة. وإذا جاز أن نُسقط دلالة المصطلح على دلالة المفهوم فعلى أساس أنّ هذا الأخير –على الأقلّ- مفهوم موحّد اصطناعيّا لجملة من الأحكام؛ ولكنّه على أيّة حال، ليس مفهوما بالمعنى الذي يكون فيه المفهوم مجرّدا، أي متَمثَّلا من صميم الشّيء نفسه.
ومهما يكن فإنّه لا بدّ من العناية بالعامل الزّمنيّ في تطوّر لغة الشعر؛ حتى في القديم الغابر، والسؤال المشروع عمّا إذا كانت جميع أقسام المعلّقة مثلا قيلت في وقت واحد: فمعلّقة امرئ القيس تتألّف من ثلاثة مقاطع فيها وصف للمرأة والحصان والمطر. ومن الصعوبة بمكان القول إنّ هذه المقاطع تؤلّف وحدة عضويّة إلاّ بشطط من التأويل. ولعلّ اشتمال القصيدة على مكوّنات بنائيّة مثل المطلع والفراق والرحيل ووصف الناقة… ممّا يدلّ على أنّ النص الجاهلي « نصّ منجّم» شأنه شأن القرآن أي أنّه لم يُنظم مرّة واحدة. وهذا رأي لنا نسوقه بحذر مطمئنّ. أمّا في شعرنا الحديث فالأمر يتعلّق في جانب لافت منه، بهذه المؤثّرات الأجنبيّة، وما تعكسه من مراحل متفاوته في تطوّر العربيّة اللّغويّ ومن فروق شتّى لا بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ قد يتداخلان في النصّ الواحد فحسب؛ وإنّما في مستوى المعجم والتركيب النحوي أيضا. نعم نحن نكتب بالعربيّة الفصحى، ولكن عربيّة الكاتب أو الشاعر العربيّ الذي يستلهم الآداب الأنجليزيّة مثلا ، ليست عربيّة قرينه الذي يستلهم الآداب الفرنسيّة. وهذا يدفع إلى إعادة وصف عربيّة اليوم، وهو أساسا عمل المجامع اللغويّة والألكسو .
على أنّ السؤال الذي ينبغي أن لا نغفله: هل لهذه «الحداثات» إيديولوجيا وهي التي تتّسع في الأدب والفنّ عامّة لشتّى المذاهب والمدارس؟ هل لها قوانين تضبطها وتحدّها؟
إنّ الحداثة الغربيّة عامّة تعلي من شأن «الفردانيّة»، بل من تضخّم الذات؛ وهي من «موت الإله» عند نيتشه، إلى «موت الانسان» عند فوكو، إلى سيطرة البنية على الشخصيّة أو ما يسمّيه روبرت شولزانحطاط فردانيّة الشخصيّة الوظيفيّة، في الرواية الحديثة، وظهور التنميط، إلى لغة شعريّة تلتفّ على نفسها، وتتحوّل من أداة معرفة إلى موضوع معرفة، إلى شتّى ضروب الفنّ الحديث التي تؤكّد مقولة الشكلانيّين الروس في أنّ الفنّ هو «وسيلة تجريب صنع شيء ما، بيْد أنّ هذا الشيء المصنوع ليس مهمّا في الفنّ.»، وما إلى ذلك من الرؤى التي تجعل الحداثة حداثات؛ أو هي تنشأ في ظلّ ما نسمّيه «غياب الأب»، غير أنّ احتجابه قد يخفي أبا آخر «شرعيّ». فإذا حاولنا أن نردّ هذه «الحداثات» في ثقافتنا إلى حداثة واجدة، كنّا مثل البوذيّين الذين يرون العالم في حبّة فاصوليا(وهي كلمة إيطاليّة، عربيّها الدجُر)، أو مثل بعض البنيويّين الذين يرون كلّ قصص العالم في قصّة واحدة أو بنية واحدة.
 
٭ كاتب تونسي
 
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات