عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2018

معرض «القصر» للمصرية إيناس الهندي: البحث عن إيقاع المدينة وروحها

 «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: لم يزل عالم الصحراء يوحي للفنانين بمحاولات الاكتشاف والبحث، بعيداً عن صخب المدن ومخلوقاتها المتوترة. رحلة الصحراء تتراوح وتتباين ما بين فنان وآخر، فإما أن ينتصر لنظرة سياحية فارغة، أو أن يتماس مع المكان وعالمه، لتصبح رحلة ذاتية في المقام الأول. ويبدو أن الفنانة المصرية إيناس الهندي تحاول التواصل والاقتراب أكثر من ذاتها عبر معرضها الأخير، الذي عنونته بـ»القصر.. المدينة المهجورة»، الذي أقيم مؤخراً في غاليري قرطبة في القاهرة. ومن خلال العديد من اللوحات تستعرض الفنانة تفاصيل المدينة، في لقطات متباينة الأحجام، بداية من لقطات عامة إلى لقطات قريبة جداً تستكشف أدق تفاصيل المكان الموصوف بالمهجور. كما يعد هذا المعرض طفرة لافتة وإضافة جديدة للفنانة على مستوى الفكر والتقنية، مقارنة بمعرضها الذي أقامته العام الفائت.

 
اللون والإيقاع
 
لم يكن الأمر المهم في اللوحات هو تجسيد حال المدينة الأثرية المهجورة، أو النقل الحرفي للأبنية وتصميماتها الهندسية، بل محاولة لتجسيد روحها من خلال رؤية الفنانة، وما تستلهمه من الجو العام للمدينة وما يوحي به، لذلك رغم سيطرة اللون الأصفر على المكان إلا أنه جاء في شكل مغاير لما هو عليه، وكان اللعب من خلال النور والظل هو الحل، حتى لا تصبح اللوحات ناقلة لبنايات موجودة بالفعل، هذا التحوير خلق إحساساً بحالة أسطورية للمكان ــ المكان يحمل بعضها بالفعل ــ الأمر هنا هو التأكيد على هذه الحالة، والقبض عليها في كل اللوحات. كذلك فالأصفر الذي نراه في لوحة، يرده لون أخضر كبير الشبه بلون أضرحة أولياء الله، حالة من القداسة الشعبية التي تلف أرواح المصريين. وكأن الهندي ارتأت أو تماهت في حِس رومانتيكي بأن تجعل من المدينة ــ المهجورة كما سمتها ــ مقاماً كبيراً اجتهدت في الاحتفاء به. ما جعل إيقاع اللوحات في مجملها يدعو إلى التأمل والهدوء ــ مشاركة المتلقي الحالة ــ دونما سرعة أو صخب. فالاقتصار على مبنى أو ممر تلوّحه الظلال، وكأنك تسير فيه بالفعل، أو تتلمس الجدران، أو تقف وسط قاعة تتأمل ما حولها، هو ما يستشعره المتلقي أمام اللوحات، إضافة إلى تباين اللوحات من حيث ملمسها، فهناك ما يوحي بخشونة الجدران وزمنها، ومدى سطوع الشمس فوق هذه الجدران، ولوحات أخرى يخفف الظل المنعكس من هذه الخشونه وكأنها ملساء، أو للصورة الفوتوغرافية القديمة أقرب.
 
التفاصيل والتكوينات
 
لم تكتف الفنانة ــ كما أسلفنا ــ بالاقتصار على تجسيد لقطات عامة للمدينة، لكنها جسدت العديد من تفاصيلها الأثرية، كمزلاج الباب الخشبي، أو نقوش مكتوبة فوق مداخل البيوت المتراصة. هذا التنويع في اللقطات خلق إحساساً بحالة من (الحكي) المدينة تسرد تفاصيلها وحكايتها من خلال عين امرأة تراها اليوم، وبعد عدة قرون من نشأتها. وبما أن المكان موجود بالفعل، وله العديد من الصور الفوتوغرافية المعروفة، حاولت الهندي مغايرة الكائن ببعض الحيل الفنية، كاختزال التفاصيل في اللقطات العامة، أو تحوير المنظور وزاوية النظر، وبالتالي ستختلف التكوينات داخل كادر اللوحة كما هو موجود بالفعل، بهدف الابتعاد عن مجرد مسألة النقل الحرفي للشكل، أي الاهتمام بالحالة الشعورية والجو العام للمكان، كما رأته الفنانة، وحاولت التعبير عنه قدر المستطاع من حِرفية ورؤية تمتلكها.
ويبدو التساؤل حول الشخوص التي فارقت المكان، والتي من الممكن استكشاف أو تحيل حيواتهم بين هذه الدروب وهذه الجدران، يوحي الأمر باختلاق شخصيات وطبيعة حياة وأسلوب معيشة لكثيرين رحلوا، وتركوا بصماتهم على المكان، وربما حكاياتهم أيضاً التي من الممكن تواترها من خلال معرض فني أو لقطات فوتوغرافية، توحي بوجودهم أكثر.
وفي الأخير لم تسقط إيناس الهندي في فخ عين السائح، كما نلحظ ونرى في العديد من المعارض الفنية، حيث لا يقتصر وصف السائح على الأجنبي، بل يسقط الكثير من الفنانين المصريين في اختبار الأماكن الأثرية، أو غير المعروفة كثيراً للناس، بل حتى الآن نرى معارض تستعرض لقطات لنهر النيل وما شابه، هي نقل للوحات المستشرقين أكثر من كونها لقطات اجتهد الفنان في تجسيدها أو التعبير عنها، ليتضح مدى تغافله أو زيف تجربته الفنية، فهو لا يعرف المكان ولا يستشعر ناسه، ويجهل حياتهم تماماً.
 
………..
 
تقع مدينة القصر شمال واحة «الداخلة» في قلب صحراء مصر الغربية، وتعد واحدة من أقدم المدن الأثرية القديمة، حيث كانت نقطة التقاء لطرق المواصلات، كذلك كانت الطريق الرئيسي للقوافل التجارية والحجاج القادمين من المغرب العربي، الذين يسلكون طريق الصحراء للوصول إلى الأراضي الحجازية. من ناحية أخرى ترجع نشأة المدينة إلى ما قبل الغزو الإسلامي لمصر، أما عن أصل تسميتها بالقصر فيعود لوجود قصر حاكم الواحات في المدينة، حيث كانت هي عاصمة الواحات وتعود إلى العصر الأيوبي. وهنالك مَن يرجع التسمية إلى وجود بقايا قصر روماني قديم تحت أطلال هذه القرية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات