عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jul-2018

عبد السلام المسدي وأدبيات الدفاع عن اللغة العربية: الرمز الأعلى المعبر عن الهوية

 القدس العربي-رزان إبراهيم

« إن لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الواسع» . هيدغر 
في كتابه « الهوية العربية والأمن اللغوي» ما فتئ عبد السلام المسدي- وهو واحد من الباحثين البارزين في مجال اللسانيات – يحذرنا من يوم يأتي نندم فيه أننا لم نلب نداء اللغة وهي تستجير بنا. وأنا أستعير منه مصطلح (الانتحار اللغوي) بكل تداعياته التي أعتقد جازمة أن مؤسساتنا الثقافية والأكاديمية معنية بمعالجته. وهو انتحار بتنا نراه يوميا من خلال استشراء ضعف الأداء اللغوي داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، بل بات من الندرة بمكان خلو الكلمات والخطابات في المناسبات المختلفة التي نحضرها من الأخطاء اللغوية. جدير بالذكر أن الباحث في سياق حديثه عن أثواب جديدة يرتديها التلوث اللغوي، يؤكد لنا أن دراسات جديدة خرجت بمعادلات مخيفة تؤكد أنه مع ازدياد الاستمتاع بوسائل الترفيه التي توفرها التكنولوجيا المعاصرة كما في وسائل التواصل الافتراضية يزداد حجم التلوث اللغوي لدرجة لافتة، ليكون الحال شبيها بعقوق الأبناء للأم لو صح ما نردده بأن العربية هي لغتنا الأم.
الجميل في الطرح الذي يقدمه المسدي أنه يذكرنا مرارا بأن حركة اللغة مرتبطة بحركة المجتمع، وبالتالي يغدو من المستحيل الحديث عن مشكلات اللغة العربية في المؤسسات التعليمية بمعزل عن مناخ اجتماعي يحول دون تحقيق ما نتطلع إليه من عملية نهوض حقيقية بسوية اللغة العربية. وبالتالي فأيما تفكير بالمشكل اللغوي هو في حقيقته تحليل للنسيج الاجتماعي الثقافي، ولمقدار حيوية المجتمع، بما يفضي إلى الإقرار بأن مستوى الأداء اللغوي في مؤسساتنا التعليمية هو صدى من أصداء الوضع العربي العام على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومما يلفتنا إليه الكتاب ذيوع حالة من التطبيع أقنعنا أنفسنا معها أن التغيير محكوم عليه بالفشل حتى قبل المبادرة إليه، ومع هذا التطبيع صرنا نتعايش مع قنوات فضائية نصيب اللغة العربية الفصحى منها ضعيف، مما يتعارض مع بيانات ثقافية طالما أوصت بوجوب العمل على تعميم استعمال اللغة العربية في التعليم ووسائل الإعلام والثقافة، وهي توصية لم تأت من فراغ، وإنما حركتها معرفة ودراية بأن لا سبيل للأخذ بأسباب التنمية بعيدا عن لغة قومية تجمعنا من المحيط للخليج. مع إدراك حثيث أن توطين العلم لا يكون خارج دائرة اللغة التي بات معروفا أنها الرمز الأعلى المعبر عن الهوية، إذ لا حديث عن عروبة وقومية وحتى إسلام خارج حصون اللغة التي هي بمثابة الفكر وهو في حالة عمل. 
ولا أحسب المسدي يبالغ حين يتحدث عن علاقة مستحكمة بين التفريط باللغة القومية والتفريط في الأرض، ولا أدل على ذلك مما فعله اليهود في مؤسساتهم التعليمية حين بعثوا الحياة في لغة شبعت موتا، فسارعوا إلى إنشاء مجمع اللغة العبرية، وقاموا باستحداث المصطلحات والمفردات العبرية التي تغطي الحاجة في كل المجالات. يحدث هذا في وقت نجد فيه عربا يحاربون اللغة العربية، ويدعون أنها لغة عدوانية تحرض على الإقصاء، وبعضهم يستخدم آليات المناورة الثقافية فيقدم لك الحجج كي يتلاعب بالمناهج، وهناك من يتبجح بالقول: إن اللغة العربية هي التي نزل بها النص المقدس، وأنها تحمل في كيانها بذور العنف ومنبت الكراهية. وبالتالي فإننا بتنا نواجه فئات من الداخل والخارج فرطت في اللغة كما في الأرض واستعدتها بحجج سقيمة، كما حين ادعت أنها لغة مفارقة للواقع الحي المعاش. من هنا تأتي الحاجة إلى ما يمكن تسميته ( أدبيات الدفاع عن العربية)، والتي من شأنها أن تفضح هذه الحجج وتكشف المضمر وراءها. ولنذكر في هذا السياق بأن الاستعمار السياسي العسكري استبدل باستعمار اقتصادي ثقافي يكرس التبعية المتجددة المستدامة، وهو ما أوصلنا إلى ما بات شائعا من أن الوضع الاعتباري للغة العربية في نفوس أبنائها في انحدار، بل وقد يكون أقل مما كان عليه أيام الكفاح الوطني ضد المستعمر. 
مشكلتنا الكبرى أننا نفتقر إلى الحلول العملية، حتى أولئك الذين يحذرون من خطورة الانقراض، فإنك تجدهم وقد سارعوا للقول «إن اللغة العربية ستبقى حية لن تموت». بما يؤكد فجوة كبيرة بين القول والفعل، أو بين المأمول والمنجز، وما أكثر ما يلجأون إلى خطابات عاطفية مكرورة، تستمد مشروعيتها من قناعات غيبية لا تفعل شيئا، من مثل الاطمئنان والتسليم بأن لغتنا لا يمكن أن تنقرض وتندثر لأن ذلك يناقض قداسة اللغة العربية التي اعتقدوها بشكل قاطع، والنتيجة ثقافة اتكالية في إطار لحظة حماسية بريئة، ينسون معها أن اللغة ظاهرة طبيعية اجتماعية تتولد وتنمو وتحيا، وقد يطول عمرها أو يقصر، وأن بقاءها مشدود إلى أسباب موضوعية ترتبط بمنظومة المجتمع. وهنا يأتي الخيار الأكبر بين أن تكون مع ثقافة التسليم والاتكال، أو مع ثقافة المسؤولية وما تقتضيه من التوسل بالأسباب، مع ضرورة التنويه بأن فعل اللغة لا علاقة له بالقداسة، وأن فعل الله هو المقدس الذي جعل اللغة غير المقدسة مطية لإنشاء نص مقدس يتجاوز طاقة الإنسان. 
إن كنا نؤمن بأهمية إتقان اللغة الأجنبية وبأنها ضرورة حياتية وعلمية، وأنها أداة من أدوات الانفتاح على الثقافات الأخرى، إلا أن هذا يبقى مشروطا بأن نكون بمنأى عن الدونية والانبهار والاستلاب ولا يكون على حساب اللغة الأم وتهميشها، إذ لا بد من محاربة مركب النقص وفقدان الثقة باللغة العربية، بما ينجم عنه من آثار سلبية يذكر المسدي منها ما بات يشيع من تقسيم وظيفي جائر جعل اللغة العربية لغة تاريخ ودين وأدب، وأنها لا تصلح أن تكون لغة تعليم وتكنولوجيا. وأحيانا توصف بأنها لغة الجمود والتخلف، وربما اشتهى بعضهم أن يضعها في المتحف، أو تمنى لو تدرس مثل السريانية أو اللاتينية، خلافا للغة الإنجليزية التي يقال عنها بأنها لغة العلوم والمعارف وبناء البحث العلمي، وأن التعامل معها هو سمة من سمات الحداثة والرقي في السلوك. بما يحيل إلى مركب الانسلاخ والتنكر وحب التظاهر والمباهاة، وإن كنا بطبيعة الحال قادرين على تفهم مزاحمة اللغة الأجنبية للعربية في العملية التعليمية بالإحالة إلى سوق التشغيل المحلي والدولي، وبالحديث عن تدفق قيم السوق وثقافتها على الساحة التعليمية. 
يمكن لقارئ هذا الكتاب الكبير في قيمته وفي عدد صفحاته أن يخلص إلى النتائج الآتية: 
أولا: إن الأمة التي يسرق لسانها أو تهجره طواعية وتتنكر له لحساب لغة أجنبية أخرى في التعليم تغدو مهددة بالتفكك في شخصيتها القومية، ولا أدل على ذلك من قادة فيتنام وكوريا وإسرائيل الذين جعلوا لغاتهم هي لغة التدريس الرئيسية في مؤسساتهم التعليمية المختلفة.
ثانيا: إن اللغة قوة رمزية سلطوية، وبالتالي علينا الاحتراز أحيانا من الاعتماد الكلي على المعرفة بالثقافة الأجنبية، كما يحصل حين صرنا نقرأ حول الحروب الصليبية من خلال منظور أو تكوين معرفي مغرض. 
ثالثا: إن القضاء على اللهجات المحلية وهم خالص، لكن فلتختص اللهجات العامية بالتداول في الحياة الاجتماعية، فهذا حقلها. أما الفصحى فلتكن في حقلها الطبيعي في عالم الرموز، وفي عالم الاستخدامات الرسمية التربوية المعرفية. 
رابعا: إن غرس الاعتزاز باللغة العربية لدى الأجيال الناشئة، وتنظيم الحملات المنظمة لترسيخ هذا الاعتزاز، من شأنه تصحيح اللغة، خصوصا أن جيلا من الشباب بات يردد أن اللغة العربية قاصرة ومقصاة من الكفاءة الأدائية التي تتمتع بها سائر اللغات. وهو ما لا يمكن أن يتم عن طريق الفرض والعقوبة. ويوصى باستغلال تقنيات العصر في وضع برمجيات حاسوبية لتقويم المهارات اللغوية في تعليم اللغة العربية لأبنائها أو للناطقين بها، مع الحرص على القيام بعملية تجديد لكل ما تقادم منها، مع العمل بشكل جاد على تحديث محتوى المناهج بما يتناسب ومستجدات العصر. كما ينصح بالإفادة من حقائق علمية جديدة في مجال المعرفة اللغوية، كما الإفادة من تجارب الآخرين في الدول المتقدمة، من حيث طريقتهم في تدريس اللغة وابتكار طرق تدريس جديدة في تدريس العربية للناطقين وغير الناطقين بها.
سابعا: إن التكفل بتدريب الإعلاميين وتوثيق الأخطاء وتعميم التصويبات من شأنه التقليل من حدة التلوث اللغوي، كما إن تعميم فكرة إنشاء صندوق مالي غايته تمويل المنتج الإبداعي المرتكز على اللغة العربية من شأنه تشجيع الشباب على الخوض في اللغة التي تشكل المادة الخام لهذه الإبداعات. 
وأخيرا أختم بعبارة لشاعر صقلي يقول فيها:»ضع شعبا في السلاسل، جردهم من ملابسهم، سد أفواههم، لكن ما زالوا أحرارا.. إن الشعب يفتقر ويستعبد عندما يسلب اللسان الذي تركه الأجداد، وعندها يضيع للأبد».
 
٭ أكاديمية أردنية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات