عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Mar-2018

الإعلام الكردي... من «ثورية» الجبال إلى «فوضى» المدن... سيطرة حزبية شبه كاملة... ومحاولة نسائية متواضعة لتعويض غياب التخصص

الشرق الأوسط  -

تعود بدايات الصحافة الكردية - بحسب مؤرخين ومختصين - إلى 22 أبريل (نيسان) 1898، مع صدور أول صحيفة كردية باسم «كردستان» في القاهرة، على يد الصحافي مقداد مدحت بدرخان، المتحدر من الأسرة البدرخانية الشهيرة في المناطق الكردية من تركيا.
 
ومنذ ذلك الوقت، مرت الصحافة الكردية، التي اقتصرت في بدايات مشوارها على بعض الجرائد والمجلات الأهلية أحياناً والحزبية غالباً، بموجات من المد والجزر، ازدهرت حيناً، وتراجعت إلى حد التلاشي في أحيان كثيرة، بفعل سياسات الأنظمة والحكومات في الدول التي تتقاسم وجود الأكراد.
 
وعلى امتداد عقود طويلة، ظلت الصحافة الكردية الحرة مدرجة ضمن خانة المحظورات، لا سيما في تركيا التي ظلت حتى بداية العقد الماضي تتنكر لوجود الأكراد فيها، وتصفهم بأتراك الجبال المتمردين. وكذلك الحال في سوريا. أما إيران فعمدت دوماً - ولا تزال - إلى خلق صحافة كردية تابعة لها، فأطلقت منذ أواسط القرن الماضي إذاعات وقنوات كردية مملوكة للدولة، كنوع من سياسة ترويض الأكراد، واستقطابهم سياسياً.
 
وفي إقليم كردستان العراق، يختلف المشهد كلياً، إذ شهدت المدن الكردية منذ مطلع القرن المنصرم - وتحديداً السليمانية التي تعتبر «عاصمة الثقافة الكردية» - صدور كثير من الصحف والمجلات السياسية والأدبية، في مراحل مختلفة ولمدد متفاوتة، تعرضت كلها للإغلاق والحظر فيما بعد، إثر تغير سياسات الأنظمة التي توالت على سدة الحكم في بغداد.
 
حاول نظام «البعث» منذ استحواذه على الحكم في يونيو (حزيران) 1968، استنساخ النموذج الإيراني في التعاطي مع الأكراد، فأطلق قناة تلفزيونية بالكردية، كانت تبث من كركوك، حتى سقوط النظام في 2003، وإذاعة كردية تبث من بغداد، مع إصدار جريدة باسم «هاوكاري» أو «التعاون» في بغداد أيضاً.
 
بيد أن الإعلام الكردي «المعارض»، إذا جاز التعبير، ظهر بجلاء مطلع السبعينات من القرن المنصرم، مع إبرام «اتفاقية آذار» بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية. وصدرت صحف مثل «خبات» أو «النضال» التي كانت لسان حال الحزب الكردي الوحيد وقتذاك «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة الراحل مصطفى بارزاني، وظهرت إذاعة «صوت كردستان العراق» التي سرعان ما عادت إلى جبال كردستان، بعد انهيار الاتفاقية المذكورة، واندلاع الثورة الكردية التي أخمدت في 1975، لتنتهي معها مرحلة أخرى من مشوار الإعلام الكردي.
 
والتقط الإعلام أنفاسه مجدداً بعد أشهر قليلة، إثر بدء جولة أخرى من «الثورة الكردية» وانبثاق حزب جديد هو «الاتحاد الوطني الكردستاني»، بزعامة الراحل جلال طالباني، فانطلقت معها إذاعة «صوت شعب كردستان» التي ظلت الوحيدة في الساحة حتى «انتفاضة الأكراد» في مارس (آذار) 1991، إلى جانب صحيفتين شهريتين، هما «الشرارة» باللغة العربية، وكانت لسان حال الحزب، و«ريبازي نوى» (النهج الجديد) بالكردية.
 
ويتذكر فرهاد رسول (58 عاماً)، أحد المذيعين الأوائل في «صوت شعب كردستان» أن قدرة بث الإذاعة لم تتجاوز الكيلوواط؛ لكنه يضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم ذلك كانت الإذاعة ذات تأثير بالغ في الشارع الكردي، واستقطبت حينها جمهوراً غفيراً، إثر خطابها الثوري والتزامها المطلق بالمعايير المهنية الرصينة، وقواعد اللغة الكردية النقية».
 
لكن مع تشكيل حكومة إقليم كردستان في 1992، بدأت مرحلة جديدة من مسيرة الإعلام الكردي، فكثرت الإذاعات والقنوات التلفزيونية والصحف والمجلات الكردية في عموم مدن الإقليم، ولكن ببصمات وسياسات حزبية بحتة.
 
ومع بداية الألفية الجديدة، وانتشار التكنولوجيا الحديثة، ازدهر الإعلام الكردي على نحو لافت، فأصبح الإقليم يحتضن أكثر من 1300 قناة تلفزيونية وإذاعية فضائية وأرضية، إضافة إلى عشرات المطبوعات والمنشورات والصحف، غالبيتها العظمى حزبية أو ممولة من قوى سياسية، من دون وجود قناة رسمية ناطقة باسم سلطات الإقليم.
 
ويشير رسول إلى ذلك بقوله: «هناك فوضى عارمة في الساحة الإعلامية، فهذا الكم الكبير من القنوات لا ينسجم إطلاقاً مع حجم الإقليم وقدراته المالية، إضافة إلى افتقارها الشديد إلى المعايير المهنية، وقواعد اللغة الكردية، فضلاً عن هزال خطابها السياسي القائم على تعرية الآخر وفضحه، ونشر ثقافة الكراهية والضغينة، بدل الألفة والمودة والتسامح».
 
ولفت إلى أن معظم الصحافيين «بات يبحث فقط عن الشهرة، ولا يهتم بالتثقيف الذاتي، كما كان الوضع بالنسبة للصحافي الثوري في الجبال»، مشدداً على «ضرورة أن تعيد السلطات النظر في هذه الطائفة الكبيرة من المؤسسات الإعلامية، وتعمل على دمجها في إطار محدد، أو على الأقل فرض قواعد لنهج عملها».
 
ورغم انتشار الأكاديميات الإعلامية في الإقليم، فإن معايير الكفاءة والمهنية لا تزال غائبة، بسبب تفضيل غالبية المؤسسات الإعلامية الانتماء الحزبي على الاعتبارات الأخرى، وهو ما يعتبره هزار صديق (48 عاماً) الذي عمل مذيعاً ومحرراً لثمانية عشر عاماً، من أخطر التهديدات والتحديات التي تواجه الإعلام الكردي، الذي «بات رديفاً لشبكات التواصل الاجتماعي».
 
وأوضح صديق لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام تطور كثيراً من حيث الكم والأجهزة والتقنيات الحديثة؛ لكنه تراجع كثيراً من حيث المضمون ورداءة خطابه السياسي والاجتماعي». وأضاف أن «السبيل الأمثل للقضاء على هذه الفوضى الإعلامية، وأسباب الإجحاف في حقوق الصحافي الكردي، هو خصخصة قطاع الإعلام، وإخراجه من ربقة الأحزاب، وإلا فإن مستقبلاً مظلماً ينتظر ماكينة الإعلام الكردي».
 
اللافت أن الساحة الإعلامية المكتظة في إقليم كردستان تكاد تخلو من أي موقع خاص بالمرأة، باستثناء إذاعة محلية متواضعة، تديرها أربع فتيات يحاولن جاهدات إبراز قضايا المرأة الكردية وحقوقها. وتقول مديرة الإذاعة نرمين السندي، إن «الإعلام الكردي رغم تطوره التقني والعددي، لم يتعاط مع قضايا المرأة الكردية كما ينبغي، فكل القنوات منهمكة بالسياسة، في حين أن مجتمعنا بحاجة إلى إعلام تخصصي، وأن تكون للمرأة قناة تلفزيونية تهتم بقضاياها وحقوقها، التي لا تزال قيد المداولة والتمحيص».
 
وتؤكد السندي لـ«الشرق الأوسط» ضرورة وجود قنوات كردية ناطقة بالعربية وبعض اللغات الحية «لتتولى نقل خطاب الشعب الكردي وقضاياه ومطالبه إلى العالم الخارجي». وتقول: «لست متفائلة حيال مستقبل الإعلام الكردي وإمكانية تحسن مستواه، في ظل غياب المعايير المهنية، لا سيما في ظل العقليات التي تدير الماكينة الإعلامية في الإقليم».
 
وبحسب شهادات كثير من أصحاب المهنة، فإن المستوى المعيشي للصحافيين الأكراد سيئ للغاية، فرواتب معظمهم لا تلبي أبسط مستلزمات الحياة، باستثناء عدد قليل ممن يعملون في قنوات مدعومة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات