عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Sep-2017

ماذا أخذوا من اللغة؟*بروين حبيب *بروين حبيب

 القدس العربي-طرحت السؤال على نفسي وأنا أتابع درسا في الدين الإسلامي لشيخ يتحدث بإنكليزية جيدة، ببذلته الأنيقة، وتصفيفة شعره الجميلة، ومكتبه المرتب. جهاز الآيباد أمامه، وأشياؤه الثمينة حوله، مشهد لو قطع عنه الصوت لمنحنا شعورا بالطمأنينة والإعجاب والاعتقاد بأن الرّجل متحضر ومثقف )خاصة أنه يضع نظارة المثقفين). 

يأتي صوت الرّجل شارحا جزءا من آية من سورة البقرة، وهي الآية التاسعة والأربعون بعد المئتين: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين»، يشير إلى أن القصة ورواية التاريخ من أسس القرآن الكريم، لأن الله يريد تعليم الإنسان تاريخه، ولا يتم ذلك إلا برواية القصص، ثم يقفز مباشرة إلى حروب الردة، ويربط الآية بتلك الحروب، وبقرار أبي بكر بردع كل مرتد بالقوة وإعادته إلى السلطة الإسلامية، حتى تلك الفئة التي أثارت الأسئلة من علماء ذلك الزمان، قمعت وتم إخراسها – أؤكد على كلمة «علماء» لأنها وردت في كلامه هكذا صريحة وواضحة – وفي خلال هذا الدرس العجيب باللغة الأجنبية يسهب الشيخ: المودرن» بالإشادة بحكمة أبي بكر، لقمع أي شكل من أشكل الخروج عن جناح حكمه. 
أعرف سلفا ردات الفعل المختلفة التي ستبرر للشيخ المفرنج كلامه، لكن أسئلتي انبثقت من كل محتويات درسه، فهل يمكن شرح آية قرآنية بفصلها عن سياقها التاريخي والسيّاق الذي وردت فيه؟ وهل يمكن أخذها كقاعدة تصلح لكل زمان ومكان وإسقاطها على كل مسلم يحمل السيف ويعلن الجهاد ضد كل من يعتقده مرتدا؟ هل قمع العلماء من طرف الحاكم سلوك يجب الاقتداء به؟ ومن هم «العلماء» الذين قصدهم شيخ الإنكليزية؟ كيف يقاس العالم عالما، إن كان حاكم تلك الحقبة يحق له أن ينسف محتويات رأسه؟ وهل الحاكم خليفة كان أو قائد جيش لديه من الحكمة ما يخوّله «فرم» من يخالفه بالسلاح؟ ولماذا اللجوء للحرب والسلاح، ما دام الدين الذي ندين به «أُتمم لنا» بالقرآن لنقرأه لا لنستعمل لغة الإنسان البدائي بدلا منه.
هذا الخطاب الموجه اليوم للمسلمين في الغرب ـ تحديدا للمهاجرين ولأبنائهم ومن يحتك بهم ـ من طرف أشخاص متعلمين، يتقنون اللغة الأجنبية، ولا يتقنون قراءة النص القرآني إلا كما وصلهم حسب تفسيرات ارتبطت بالسياسي أكثر من ارتباطها بالديني الروحاني، ما موقعهم في خريطة ثقافتنا الدينية؟ ما موقع هذا الرّجل الذي يعيد تكرار سرد الغزوات والأخطاء العربية بحذافيرها بالتبريرات نفسها؟ هل يمكن اعتباره دليلا إسلاميا يقرب فكرة الإسلام الكونية للآخر؟ أم أنّ وظيفته مقتصرة على إبقاء المسلم حيثما يكون في الدائرة القبلية والإثنية الأولى التي انبثق منها؟ 
هل يريد شرح الدين حسب رؤية تنويرية؟ أم أنه يكرّس للسائد الرديء؟ هل يخاطب متلقيا يدرك سلفا مدى جهله؟ أم أنه يخاطب متلقيا لديه القدرة على مناقشته؟ والجواب كامن في الخطاب نفسه ونوعه وفي كل ذلك الخلط بين المرويات؟ فالمتحدث خلال ثلاث وأربعين دقيقة كان يقفز بين مواضيع كثيرة، كلها مستقاة من تراثنا الإسلامي غير المنقح، وكلها تصب في خانة الجزء الصغير من الآية نفسها، بدون تلقي أي سؤال من الجماعة التي نسمع همهماتها ولا نعرف مدى فهمها لما يقال، ومدى اطلاعها عليه من باب الفضول على الأقل.
لماذا لم تكن اللغة الأجنبية التي توصف اليوم بلغة العلوم والتكنولوجيا معبرا قويا بين مجتمعين وثقافتين ورابطا بين اللب الروحي للإسلام والتطور العلمي للغرب؟ 
طرحت السؤال أيضا من باب محمولات اللغة وأثقالها، التي ناقشتها بشكل مقتضب في مقال سابق، وجاءتني عليه مداخلات جيدة، منها ما أعتبره إضافة ثمينة لي، ولعلّي أحببت مقولة فريد حيدر حين كتب معقبا: «إن اللغة تقوى بقوة أهلها وتضعف بضعفهم» وعلى ما يبدو فإن العقل يضعف قبل اللغة ويقوى حسب وضع أهله، وإلا كيف نفسر هذا السقوط لفئات تولد وتعيش في حضن الثقافة المنتصرة واللغة السائدة، ويفترض أنها متشبِّعة بثقافة الآخر، ومع هذا تنبثق من أعماقها حمم من بقايا هزائمنا القديمة وتراثياتنا المغلوطة وتغطي كل ما هو مرئي وواضح؟
أين الجبروت العلمي الذي بلغناه في أزمان مضت؟ لماذا لا تطفو على السّطح بعض أسسه ومناهجه وقواعده؟ لماذا العودة لكل ما هو مرتبط بحياة الدروشة والسقوط في دروبها الحالكة؟ والذهاب نحو الخيارات الصعبة مثل، إعادة قراءة التراث بدون التأمل فيه؟ ما معنى تجريد الحقيقة القرآنية من جوهرها واستعارة مفهوم فضفاض يغرس الوهم في العقل العربي؟ أكاد أفقد عقلي وأنا أرى البديهيات تتحوّل إلى خرافات وأساطير محبوسة في قاموسنا اللغوي، حتى صنفت اللغة العربية اليوم بلغة الإرهاب، ولغة الجهاد، وأٌخرِجت من فردوس الكلمة وما لها من سحر في عالم الخطاب البشري وأبعد منه بالتأكيد.
والمؤلم ربّما ليس هنا، بل في الاعتداء على النص الذي نجد فيه ثباتنا ومستقر عواطفنا وشمس حياتنا، نحن مسلمون حتى حين نكون علمانيين، أو ملحدين، أو أنصاف مؤمنين، مسلمون بالفطرة، ولا يمكننا الذهاب أبعد من ذلك. 
ما المانع إذن من قراءة القصص القرآني كما ورد؟
لماذا لا نحترم البدايات والخواتم وما بينهما؟ وهو ما خطر ببالي وأنا أصغي للشيخ الفهيم الذي أهمل الحادثة القرآنية تماما، مستغلا جزءا من الآية لإعطاء شرعية لقصة أخرى خارج النسق القرآني. «فَهَزَمُوهُم بِإِذ�'نِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ ال�'مُل�'كَ وَال�'حِك�'مَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَو�'لاَ دَف�'عُ اللَّهِ النَّاسَ بَع�'ضَهُم�' بِبَع�'ضٍ لَّفَسَدَتِ الأَر�'ضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَض�'لٍ عَلَى ال�'عَالَمِينَ» (سورة البقرة آية 249) ألا يبدو النص مكتملا، وعادلا، وواضحا بقراءة تتمته؟ ألا يبدو أسهل للاستيعاب بالنسبة للجمهور المستمع مقارنة مع تركيبة قصصية معقدة مسعاها الأول والأخير بلوغ الغاية السياسية قبل أي غاية أخرى؟
طبعا بودي لو تتسع دائرة النقاش ليس حول هذا المثال البسيط الذي أوردته، بل حول الأعمق الذي طال المقدس عندنا وتحطيم منهج القراءة بدءا بهذا المقدس، بلوغا للافتات الشوارع وأسماء المحلات والمطاعم!
في عمق هذه المساحة الشاسعة من المعارف تكمن حياتنا القائمة على معطىً ثقافي محض وهو اللغة العربية، لكنه في الوقت نفسه الشرخ الذي لم نفهمه حين تحرّكت الأزمنة. نبحث اليوم في فوضى الماضي عمّا يعيد لنا اتزاننا فلا نجد رأس الخيط. طبعا من الصعوبة أن نترجم الماضي للغة أخرى، لأنه لن يخرج عن كونه مقبرة جماعية للمختلفين على السلطة. لكن حتما بالإمكان قراءة المعطى الفكري وترجمته لأنه ثابت في كل اللغات وينتج مزيدا من المعرفة.
فات شيخنا المودرن إذن أن يبحث عن ضالته في الشق المضيء من تاريخنا، حتى لا يضاعف صدمة متابعيه، وحتى لا يخلخل تسلسل الزمن الحضاري والتطور الرقمي لعبقرية بدأت بالرياضيات وليس بسيف أبي بكر!
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات