عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Feb-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الثانية عشرة
الأحداث العسكرية مع بدايات الثورة العربية الكبرى :
الراي - ما يسجله تحسين قدري من أحداث هنا ، لها مصداقية كبيرة ، لأنها أولا من رجل عسكري يشغل منصبا عسكريا في مقر الجيش الرابع المرابط في المدينة المنورة ، ولأن الأحداث كانت تجري في المدينة المنورة والجبهة المحيطة فيها حيث كان الجيش الرابع يرابط ، ولأنها من مصدر مباشر كان شاهد عيان ، وكان الرجل المسئول عن الشيفرة في مقر الجيش الرابع العثماني في المدينة المنورة ، وهذا يعني أن كل ما يصل أو يصدر عن فخري باشا يمرّ من خلاله ، وهو أيضا العضو السري في جمعية العربية الفتاة ، وله اتصاله بالشريف فيصل بن الحسين ، ثم أننا لا نجد مثل هذا المصدر العسكري المباشر مع بدايات الثورة .. ولكل هذه الأسباب نعطي لمعلومات تحسين قدري أولوية في قراءة المرحلة المبكرة من الحركات العسكرية مع قيام الثورة العربية الكبرى .
حركات الجيش الرابع العثماني :
يقول تحسين قدري بأن ( فخري باشا بدأ بتجهيز قوة رتل خاطفة للهجوم على قوى البدو في « بئر الماشي « ، وفي « بئر عباس « ما بين المدينة المنورة وينبع البحر ، وكان الهدف من الهجوم قطع خط الرجعة على قوات الأمراء فيصل وزيد ، وبدأ الهجوم برتل من فوجين ، فأخذ فخري باشا القيادة بنفسه ، وكان معه تحسين قدري لأنه مرافقه ، أما القوة الجوية فكانت أشبه بلا شيء .. لأن أول سرب للطائرات لم يتمكن من التحليق سوى لفترة ساعة واحدة في الصباح بالقرب من المطار في المدينة المنورة ، وبدأ الهجوم في شدة الحر ّالقاسي ، وكانت درجة الحرارة تتجاوز الخمسين درجة مئوية ، يقول تحسين قدري بأنه كان يستغرب من شدة تحملّ فخري باشا لهذه الحرارة القاتلة ، ويضيف كان معنا جندي من انطاكيه اسمه محمد ، وكان يقوم بعمل القهوة لهم صباحا ، وكان مع تحسين قدري رفيقه من دائرة الحركات الركن أمين حيدر ، وكان غير معتاد على هذه الحرارة الشديدة ، لذا كان على تحسين أن يخفف عنه ، ويؤمن له الماء والقهوة ، ويبين بأنه شخصيا معتاد على حرب البادية ، وقد مكثوا في « بئر الماشي « مدة طويلة لأنهم من شدة الحرّ لم يستطيعوا التقدم ، فكانوا في واد محاطين بالثوار العرب من اليمين ومن اليسار ، ويبدو مما يورده تحسين قدري أن فخري باشا وأركان حربه لم يكونا على وفاق في اتخاذ القرارات ، فيذكر بان فخري باشا كان يريد أن يبدأ الهجوم الصاعق ، في حين عارضه أركان حربه واعتبرها مخاطرة ، لكن فخري باشا ظل مصرا على موقفه ولم يستمع لرأي أركان حربه ، واكتفى بأن يقوم هو بنفسه بالحركة بدون أركان حربه ، وأخذ معه الشعبة الأولى فقط ، وهي شعبة تحسين قدري ، فبدأ الهجوم ليلا ، وتقدمت الشعبة مع فخري باشا حتى وصلوا معسكر الأمير زيد بن الحسين ، يقول تحسين قدري بأن المخيم كان فارغا ، وأنهم وجدوا سماور الشاي متوفرة ومعها الحلاوة ، مما جعل الشعبة العثمانية تجد طعاما جاهزا افتقدوه منذ زمن لأنهم كانوا يعيشون على البقسماط الناشف والقليل من التمر ..!
ويضيف تحسين قدري واصفا الهجوم الليلي بقوله : ( استمر هجومنا ليلا ، وفي الصباح الباكر وصلنا المضيق الذي يشرف على سهل يوجد فيه قرى وواحات نخيل ، ويستعملها البدو للتجارة وفي تنقلهم بين ينبع والمدينة المنورة ، وأظن انه يسمى « سهل العوالي « ، وقد فوجئ البدو في السهل بوصولنا ، ورأيت الذعر فيهم ، فأخذ الألوف منهم بالفرار إلى ينبع البحر ، أما نحن فواصلنا سيرنا إلى قرى السهل ، واستولينا على الكثير من المؤن كالأرزّ والسكر وغيرها ، وكانت هذه المغامرة ناجحة ، لكنها في الوقت نفسه خطرة للغاية ، لكوننا بعيدين جدا عن قاعدة الحركات في المدينة ، وصلنا عصرا إلى تلّ مرتفع قرب ينبع البحر ، وكانت يتبع قريبة لدرجة أننا كنا نراها بالناظور ، وفي المساء ، عقد فخري باشا مجلس حرب ليقرر أمر الهجوم ، معي ومع أمراء الرتل ،والرتل لا يزيد تعداده على الألف جندي ، مع العلم بأن الجناح الأيسر كان مهددا من قوات الشريف علي ، وكان بالإمكان قطع خط الرجعة علينا بكل سهولة ، وخلال المجلس شرحت لفخري باشا بشدة بلزوم العودة حالا ، لأن وصولنا إلى ينبع لا يفيد ، لأننا قد ابتعدنا عن قواعد الحركات في المدينة وبير ماشي ، وأجمع الضباط الحاضرين على موافقتي بالرأي ، وتقريبا أجبرنا فخري باشا على اتخاذ قرار الرجوع ، وهكذا كان .. وفيما بعد كنت أتندر مع الملك فيصل الأول سنة 1933 م ، وأذكره بهذه الواقعة ، ومع أنه كان يسعى لتبرير تقهقر قواته أمام فخري باشا ، لكنه في النهاية كان يعترف بعدم كفاءة الاتصالات بين قواته ، وعدم تنظيم قوات البدو ، وما إلى ذلك ...! ) .
وهذه مفارقة عجيبة ، فتحسين قدري كان من بين قيادة الجيش الرابع العثماني ويحارب ضد قوات الأمير علي والأمير فيصل والأمير زيد ، وها هو عام 1933 م يجلس مع ملك العراق ، الملك فيصل الأول ، ويستذكران هذه الأحداث العسكرية التي تفوق فيها الجيش الرابع العثماني على قوات الأمراء ، وهو مرافق الأمير فيصل الدائم منذ عام 1917 م وحتى وفاته في هذا العام 1933 م ..! هذه المفارقة كانت تتكررّ مع كل العسكريين العرب والذين شغلوا مناصب عسكرية كبيرة في الجيش العثماني ، وانتقلوا في زمن الثورة العربية إلى الجيش العربي ، وكانوا القوة العسكرية الضاربة في الجيش العربي ، ضد الجيش العثماني ، وخاصة العسكريين العراقيين الذين تفوقوا في ميادين القتال ، وقادوا معارك الثورة العربية الكبرى الحاسمة ، لقد غلبت مشاعرهم القومية الصادقة كل انتماء آخر بالتأكيد ، وشكلّ هؤلاء فيما بعد نواة الجيش العراقي الوطني في عهد المملكة العراقية وملكها فيصل الأول ، الجيش العراقي العظيم الذي شهد كل المواقع دفاعا عن فلسطين ..!
جبهة المدينة المنورة :
تحرك الأمير فيصل بن الحسين بعد ينبع البحر وينبع الجبل إلى الشمال ، وتوج حركاته العسكرية بالوصول بجيش الشمال ، - وهو نواة الجيش العربي - إلى العقبة ، يقول تحسين قدري مختصرا الأحداث العسكرية عام 1917 م : ( أخذ الشريف فيصل العقبة من الأتراك ، وضبطها ، و بعد مرور أشهر ابتدأ الشريف فيصل في تنظيم القوة النظامية للهجوم على المدينة المنورة ، وترك الهجوم للقوات التابعة للأميرين علي وعبد االله ، وأخذت قوات الشريف فيصل تقطع طريق السكة الحديدية بين المدينة ودمشق ، وأخذ الإنجليز في حشد قوة كبيرة لاحتلال فلسطين ، ولم يكونوا يحلمون أن بالإمكان أن يستمروا بالزحف إلى تركيا من بعد مرورهم خلال سورية ..!
ويتابع التفاصيل على جبهة المدينة المنورة التي استعصت على أبناء الشريف الحسين ، والتي تمركز فيها الجيش الرابع العثماني بقيادة فخري باشا ، فيقول : ( طلب فخري باشا قوة ، ولكن جمال باشا السفاح ردّ عليه بالرفض ، وأنه من غير الممكن أن يرسل له أي قوة ، ولذلك فقد اضطر لتعبئة قواته في المدينة وما يجاورها بتحكيمات دفاعية وليست هجومية ، أمام قوات البدو بقيادة الشريفين علي وعبد االله ، ومن بعد الاستيلاء على العقبة زحف الشريف فيصل إلى « أبو اللسن « واستولى على مقرّ قيادة « الجيش الثاني « بواسطة قواته النظامية مع الهجانة وقليلا من البدو ، وكان الإنجليز في حينها قد احتلوا العراق بقيادة الجنرال مود ، وتمركزوا في بغداد والموصل ، وكان في الهند ضباط عراقيين أسروا خلال حملة الإنجليز على العراق ، من بينهم جعفر العسكري ونوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت وإسماعيل نامق وناجي جودت وغيرهم ، فطلبت القيادة الإنجليزية من هؤلاء الانضمام إلى ثورة الشريف حسين ، ولبى منهم الكثير ، وتبناهم الشريف فيصل لتشكيل أول جيش عربي نظامي ، وكان عزيز علي المصري معهم ، وحصل خلاف بالرأي بينه وبين جعفر العسكري ونوري السعيد ، فترك عزيز علي المصري الخدمة على أثرها ، وذهب إلى مصر ) .
هذا هو اختصار تحسين قدري للأحداث ، ولكن هذا لا يجعله يترك تفاصيل الأحداث العسكرية على جبهة المدينة ، وهي ما يعنينا نظرا لعدم تمكن الجيش العربي مع الأمراء علي وعبد االله من اقتحام المدينة المنورة وظلت المدينة محاصرة ، وفخري باشا يتحصن فيها .
سرقة مجوهرات الحجرة النبوية بالمدينة المنورة هذه مسألة مسكوت عنها حتى اليوم ، وقد ذكرها تحسين قدري في مذكراته بوضوح ودقة لأنه كان مع فخري باشا ، ويعرف تفاصيل الحدث ، يقول : ( وذات ليلة ظلماء ، أخذ فخري باشا أحد أقربائه الضابط أمين ومرافقه إلى الحرم النبوي الشريف ، وكنت قلقا من هذا ، حيث علمت أن الودائع النبوية ستنقل إلى اسطنبول في صناديق خشبية ، وتم تجهيز قطار خاص مع قوة محافظة كبيرة لذلك ، وفي منتصف الليل أشرف فخري باشا بنفسه على نقل الودائع النبوية الثمينة إلى محطة القطار ، إن هذه الودائع ذات قيمة معنوية علاوة على قيمتها التاريخية والدينية والمادية ، والغريب أن جميع الحكومات الإسلامية لم تطالب بإعادة هذه الودائع إلى محلها ، ولعلمي فإن الودائع موجودة في طوب قبو سراي ، ولكنها لم تعرض خوفا من أن تطالب فيها الحكومات الإسلامية ) . الوضع العسكري في جبهة المدينة : يقول تحسين قدري بأن : ( فخري باشا أصرّ على الحكومة التركية بطلب قوات إضافية تمكنه من إخماد ثورة الشريف حسين ، ليستولى بها على مكة المكرمة ، وينبع البحر ، ولكن وضع الحكومة التركية لم يمكنها من تلبية طلبه ، واضطر أن يكتفي في أن يحكم أطراف المدينة ، وقرر أن لا يستسلم ، ويبقي القوة التي تحت يده للدفاع ، وقد انقطعت الاتصالات مع سورية بعد فترة قصيرة ، ولكن قوات البدو لم تتمكن من الهجوم على المدينة بسبب إحكام تحصينات القوات النظامية التركية في خنادق دفاعية ) وهنا أستذكر من قراءتي لجريدة القبلة التي كانت تصدر في هذه المرحلة بمكة المكرمة ، أن هناك تقارير عسكرية تؤكد أن هذه التحصينات كانت بفضل الخبرة الألمانية التي أدخلت حديثا ، وأنها كانت سببا في صمود القوات التركية وعدم قدرة المحاصرين على اختراقها ، وهذا التفسير غير مستغرب ، لأن الخبراء الألمان من العسكريين عملوا على تحديث القوة العسكرية للجيش العثماني ، وساهموا بخبراتهم التقنية وفنون القتال ، وقاتلوا مع الجيش العثماني وقادوا بعض الجبهات ، ورغم هذه التحصينات القوية ، فقد تعرضت المدينة لهجمات دائمة ، يذكر تحسين قدري دون تحديد التواريخ لأنه لم يكن يكتب مذكرات يومية ما يأتي : ( سقطت القنابل على الخيام ، واحتمينا في حفرة ترابية ، واحتميت أنا بحائط ترابي ، وتخلصنا من الموت المحقق ، ورجعنا إلى المدينة ، حيث الحرارة الشديدة وقلة الطعام والأمراض التي كانت تفتك بالجنود ، والقوات العربية كانت تحاصر المدينة من جميع الجهات ، وابتدأ بعض الجنود بالالتحاق بقوات الشريف حسين ، وكان هناك طبيب حلبي الأصل ، وأصبح فيما بعد مديرا للصحة في الحجاز ) هذه المعلومات العامة التي أوردها تحسين قدري من داخل الجبهة ، كانت تنشرها جريدة القبلة ، وهي متطابقة تماما مع ما أورده هنا ، وواضح أن التضييق في الحصار كان يحرم المحاصرين من الجيش الرابع العثماني من المؤن والطعام والدواء ، وأن شدة الحرارة والنقص في الدواء تسببا في انتشار الأمراض بين الجنود ، الذين فقد البعض منهم القدرة على الاحتمال ، وهربوا نحو جيش الشريف الحسين ، وبسبب هذه الظروف ،كان فخري باشا يحاول الخروج بحلول تفك عنه الحصار ، ونقص التعبئة بسبب عدم استجابة جمال باشا له بتزويده بقوات وعتاد ، لذلك لجأ إلى الشريف علي حيدر الذي حوصر معهم في المدينة ، وطلب منه أن يحاول تعبئة البدو والعشائر ، إلا أن الشريف علي حيدر لم يستجيب له ، لأنه ليس برجل حرب وثورات ، فغضب منه فخري باشا وطلب منه أن يغادر المدينة إلى بيروت ، وقد شهد تحسين قدري على ذلك ، وعلى أن الشريف علي حيدر رفض القتال ، يقول تحسين قدري في هذا الصدد :
( كان الشريف علي حيدر يعرف عني كل شيء ، ويعرف صلتي بجمعية العربية الفتاة ، واستغربت لعدم استطاعته التسهيل لي بالالتحاق بالشريف فيصل ، ... وقد اعترف لي الملك فيصل فيما بعد بأنه هو أيضا لم يكن يستطيع مساعدتي للخروج من حصار المدينة المنورة آنذاك للانضمام إليه ، لأنه لم يتمكن من أن يجد أحدا يخرجني من المدينة لشدة الحراسة حولها ..!
محاولات تحسين قدري للهروب من المدينة : يقول تحسين قدري بان هاجسه كان الهرب من المدينة بأي ثمن ، وبأنه كان على اتصال بشقيقه احمد : ( وفي عام 1917 م رأيت أن الوقت قد حان لكي ألتحق بالثورة ، رغم الأخطار والمشاكل وبدأت في إعداد العدة ، واتصلت مع الذين كنت اعتقد أنهم من جماعة الشريف الحسين بن علي ، ولكني لم أفلح ، والكلّ كانوا يخافون من مساعدتي في الخروج من المدينة ، وصارحت الدكتور الحلبي الذي كان مديرا لمستشفى الصحراء ، واتفقنا شفويا للذهاب معا في الوقت المناسب بدون أن نحدد الوقت المعين ، وجهزت جنديا اعتمد عليه ، وأعطيته علبة حلويات ، وكتبت رسالة للدكتور أخبره فيها بأنني جاهز للالتحاق في أي وقت كان ، وأطلب منه تحديد اليوم الذي يحددوه ، ولما وصل الجندي صباح اليوم التالي لم يجد الدكتور ، وكان قد التحق بالجانب الآخر « أي بالشريف « وقد علم ذلك آمر القوة المرابطة هناك ، فوقع الجندي بالفخ ومعه رسالتي وعلبة الحلويات ..!
وكان معني هذا أن تحسين قدري وقع في الفخ وأنه بلا شك سيحاكم وقد يكون مصيره الإعدام لأنه يخطط للهرب من الجيش ، والانضمام للشريف ، وكان عليه أن ينتظر مصيره ولا مساعد ولا معين ..! .
فما الذي سيحدث لتحسين قدري الذي يقف إلى جانب فخري باشا ويقوم برصد الشيفرة للجيش الرابع التركي في المدينة المنورة ..؟ من سيقف إلى جانبه وهو في عزّ هذه المحنة التي قد تقوده إلى حبل المشنقة ..؟ وحبل المشنقة لدى جمال باشا أقرب للمرء من حبل الوريد خاصة إن كان عربيا ..؟
ما الذي سيحدث لتحسين قدري ..؟ سنتابع الأحداث الدرامية في الحلقة القادمة .. فإلى
اللقاء .
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات