عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2018

البؤس بألوان الباستيل: كيف يعيش الناس العاديون في كوريا الشمالية؟

 الغد-تقرير خاص - (الإيكونوميست) 26/5/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
بيونغيانغ- لدى المواطنين في كوريا الشمالية فرص قليلة للتخاطب مع الأجانب. وحتى عندما يسمح لهم بذلك، ثمة خطر أن ينتهي المطاف بواحدهم إلى معسكر عمل إذا تم ضبطه وهو يقول الشيء الخطأ. ومع ذلك، يظل الكوريون الشماليون مليئين بالفضول إزاء العالم الخارجي. وفي زيارة أخيرة إلى هناك، سُئل هذا الصحفي عن أوضاع موظفي الخدمة المدنية في المجتمع الرأسمالي، وعن كيفية قيام الشركات الغربية بإبقاء التكاليف منخفضة، وحتماً، عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكسيت". وبالنسبة لهم، تُعتبر أي معلومات عن الأجانب قيمة للغاية. ويقول أحد السكان المحليين الفضوليين: "إننا نريد أن نعرف كيف تفكرون، بحيث أنه عندما تتغير الأمور، فإننا نكون مستعدين".
أصبح "تغير الأمور" أشبه باحتمال مغوٍ يداعب أخيلة الكوريين منذ أن بدأ كيم يونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، هجوم السحر الدبلوماسي في وقت سابق من هذا العام. وفي بيونغ يانغ، حيث يتمتع معظم الناس بوصول إلى أخبار التقارب مع أميركا وكوريا الجنوبية في وسائل الإعلام الرسمية، أصبح البعض يسمحون لنفسهم بالحلم. وقالت امرأة إنها تريد الذهاب إلى بريطانيا وجنوب شرق آسيا. وطلبت أخرى من هذا الكاتب أن يساعدها على ممارسة اللغة الفرنسية لأنها تأمل في السفر إلى باريس في حال آتت الجهود الدبلوماسية أكلها.
ومع ذلك، أظهرت الآمال في أن يجلب السيد كيم التغيير، والتي انتعشت وانتشرت إلى حد كبير عندما تولى المنصب من والده في العام 2011، أنها كانت في غير محلها حتى الآن. فبعيداً عن تحرير البلاد، شدد كيم القيود، وعزز مراقبة الحدود مع الصين ليجعل من الصعب على الناس الهروب، وضاعف الرقابة والعقوبة على جنح مثل امتلاك ذاكرة بيانات محملة بالمسلسلات التلفزيونية الكورية الجنوبية، أو شريحة هاتف محمول صينية لإجراء مكالمات دولية بالقرب من الحدود. (لا يُسمح للمواطنين العاديين بالاتصال بالأجانب داخل البلد، ناهيك عن مهاتفة أي شخص في الخارج).
ترحب بيونغ يانغ بزوارها بهجوم لا هوادة فيه من جداريات ونصُب وصور السيد كيم ووالده وجده، اللذين كانا يديران البلاد قبله. ويردد أطفال المدارس الابتدائية في الملابس التقليدية الأغاني عن مجد هؤلاء الزعماء. و"دعونا ننجز المهمة البرنامجية التي قدمها زعيمنا الأغلى كيم جونغ أون في خطاب السنة الجديدة" هو واحد فقط من الشعارات الطاغية هنا. ويجب على السائقين أن يبطئوا المسير عندما يعبرون من أمام التماثيل البرونزية الهائلة لهذين الإلهين الميتين. ويجب على القادمين من خارج المدينة أن يغسلوا سياراتهم قبل عبور حدودها، حتى لا يلوثوا جماليات العاصمة.
تشمل هذه الجماليات مقاطع الشقق السكنية الملونة بألوان الباستيل، وأضواء الشوارع المصممة على شكل أزهار جميلة، والحدائق الرائعة التي يحافظ السكان على إبقائها نظيفة. وتمكن رؤية طواقم العمل من النساء في منتصف العمر في أزيائهن البرتقالية الزاهية كل الوقت وهن يزرعن الزهور ويقتلعن الأعشاب على الحواف العشبية في جميع أنحاء المدينة. وبالنسبة لأولئك الذين يستطيعون الدفع، توفر المدينة قدراً من الراحة المادية، على الرغم من تشديد العقوبات الاقتصادية الخارجية في الآونة الأخيرة. وتقدم المطاعم البيتزا والمعكرونة والسوشي بالإضافة إلى نوع من الترفيه شبه الغربي. وفي أحد المطاعم، تقدم فرقة الموظفين أداءً مثيراً للحن الكوري التقليدي، "أريرانغ" Arirang، ولأغنية "هل تستطيع أن تشعر بالحب الليلة؟"، الدويتو بالغ العاطفية من أحد أفلام ديزني. وقد انخفضت أسعار البنزين والديزل بنحو 20 % بعد ارتفاعها في نيسان (أبريل)، وهو ما يشير إلى أن الصين خففت تطبيقها للعقوبات الدولية التي تقيد واردات كوريا الشمالية من النفط.
ومع ذلك، ثمة إشارات على أنه حتى العاصمة التي تشكل واجهة العرض نفسها تصارع. ويشير الأجانب المقيمون هنا منذ فترة طويلة إلى أن المطاعم والمقاهي الفخمة أصبحت أقل رواداً مما كانت في السابق. (على النقيض من ذلك، تكتظ الحانات القذرة في وسط المدينة التي تقدم البيرة والمشروبات الروحية الرخيصة بالمرتادين، حتى في أمسيات أيام الأسبوع كله وليس في نهايته فقط). وتحمل الحافلات وعربات الترام، على الرغم من لمعانها، أضعافا عدة فوق سعتها، حيث يتدلى الناس من النوافذ ويقفون في صفوف طويلة في المحطات. وفي العديد من المباني، تكون المصاعد معظم الأحيان خارج الخدمة وتبقى الممرات مظلمة، مما يشير إلى إمدادات كهرباء هي أقل كثيراً من الكمال (على الرغم من أن بعض الميسورين في المدينة يلتفون على المشكلة من خلال تركيب الألواح الشمسية على شرفاتهم).
يضطر الكوريون الشماليون إلى قضاء ستة أيام في الأسبوع في العمل لدى الدولة مقابل أجور هزيلة. ومعظمهم ليس لديهم الكثير من الخيار في ما يعملون، وهو ما يجعل الأشخاص المؤهلين تأهيلاً جيداً يشتكون من الأعمال المنهكة للذهن التي يزاولونها من دون أي آفاق. وتقول امرأة في العشرينات من عمرها تعمل في شركة تديرها الدولة: "عملي هو مضيعة مملة للوقت". وعندما سألتها عن الاستقالة، قالت: "الأمر ليس سهلاً".
بناء الطوب الوطني
يتعين على الشبان في كوريا الشمالية قضاء سنوات في الخدمة العسكرية، والتي ترقى في أغلبها إلى العمل الشاق في مواقع البناء. وتعمل الكثير من الشابات في مصانع بعيدة عن المنزل، حيث يعشن مكتظات في مجمعات سكنية خالية من وسائل الراحة. ويشهد يوم العطلة الوحيد -الأحد- مناقشات جماعية حول كيفية تحسين المخرجات.
كما يُسمح للعاملات في المصانع الواقعة في ضواحي بيونغ يانغ أيضاً بزيارة المدينة يوم الأحد، على أمل العثور على زوج محلي. (يتم تشجيع النساء الكوريات الشماليات على الزواج في سن صغيرة، غالباً من زوج تختاره لهن عائلاتهن، ويوصفن بأنهن "أسماك فاسدة" إذا ظللن عازبات حتى أواخر العشرينات من العمر). ولكن الحياة الشخصية مقيدة بشكل عام. وباستثناء التواصل مع عائلة المرء وزملائه، فإنه لا يُشجَّع على العلاقات الاجتماعية.
لا يُسمح سوى لأولئك الذين يعتبرون موالين للنظام فقط بالعيش في العاصمة. والحياة خارجها أسوأ بكثير. وتقول منظمة الصحة العالمية أن 40 % من السكان يعانون من سوء التغذية. والكهرباء والتصريف الصحي المناسبان نادران. وعلى عكس ما يحدث في بيونغ يانغ، فإن لدى الناس خارجها وسائل أقل للتغلب على العقوبات الاقتصادية الخارجية التي تشرع في التسبب بنقص في الوقود والأسمدة، وفقاً للمنظمات غير الحكومية التي تعمل في البلاد. وما تزال التكنولوجيا الزراعية بدائية. ويقول الخبراء الزائرون إنهم ما يزالون يشاهدون معدات زراعية من حقبة الخمسينات. وفيما وراء حدود مدينة بيونغ يانغ، ما يزال المزارعون يحرثون الحقول بالثيران. وتحمل النساء حزماً كبيرة من الحطب على ظهورهن. وعلى التلال، تبرز فوهات المدافع المضادة للطائرات فوق القرى الجاثمة ذات البيوت المنخفضة من طابق واحد. وتأتي أخبار العالم الخارجي إلى هذه المناطق بشكل رئيسي في شكل إحاطة أسبوعية يقدمها مسؤول حزبي.
وحتى في بيونغ يانغ نفسها، كما تشهد مجموعات الضغط الغربية والكورية الجنوبية، ما يزال النظام الشمولي الخانق متطفلاً كما كان حاله دائماً. ويتم تشجيع الناس على مراقبة الموثوقية السياسية للأصدقاء والعائلة وزملاء العمل، وتتم مكافأتهم عن الإبلاغ عن الآثام والأعمال السيئة. وحتى المخالفات البسيطة، مثل السعي إلى الحصول على الكراسات الدينية المهرَّبة، يمكن أن تؤدي إلى التعرض لعقاب شديد. وقد تؤدي التصريحات غير المحترسة عن الزعيم أو أحد أسلافه إلى الإبعاد من بيونغ يانغ، أو في الحالات الأكثر سوءاً، الاقتياد إلى أحد معسكرات السجن -وأحيانا مع أخذ عائلة المرء كلها معه. وقدرت الأمم المتحدة في العام 2014 أنه يتم احتجاز ما بين 80.000 و120.000 شخص في مثل هذه المعسكرات، حيث التعذيب والضرب العشوائي والتجويع ممارسات شائعة. ويبدو أن هذا الرقم ظل ثابتاً تقريباً منذ ذلك الحين. فلا عجب بعد هذا كله في أن يكون لدى الكوريين الشماليين فضول إزاء الطرق المختلفة لعمل الأشياء.
 
 *نشر هذا التقرير تحت عنوان: Pastel-coloured penury: What life is like for ordinary North Koreans
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات