عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Feb-2018

الأكلات الشعبية ما تزال حاضرة في بيوت الجدات

 

منى أبو صبح
 
عمان- الغد- ما إن شمرت الحاجة أم فوزي عن ساعديها للبدء بإعداد طبق "الرشوف"، وهو من الأكلات الشعبية الأردنية التقليدية، حتى قام زوجها أبو فوزي بإبلاغ ابنته الكبرى، والتي لم تتردد بإخبار أشقائها وشقيقاتها، بل ودعتهم للحضور إلى بيت العائلة.
تضحك الحاجة أم فوزي ساخرة: "لم تهدأ المكالمات من أبنائي وبناتي لحظة علمهم بأني أجهز أكلة الرشوف، منهم من يتصل ويقول: وصلتني رائحة الرشوف.. وآخر يتحايل ويخبرني بأنه اشتاق لنا ويود زيارتنا اليوم... أما ابنتي فظهر وحامها اليوم على الرشوف.. والأجمل أن حفيدي بكر سمع من أصدقائه في الجامعة عن أكلة الرشوف ولا يعلم ما هو مذاقها!!".
والرشوف أكلة في كل المناسبات، وتتكون من العدس وجريشة القمح والمريس، وقد يضاف الحمص أحيانا، وقد يستعاض عن جريشة القمح بالبرغل، ويسلق العدس وتنقع الجريشة في الماء ويمرس الجميد ويوضع على النار ليغلي، تضاف الحبوب وتكون نسبة الجريشة هي الأكبر، يطبخ المزيج لينضج وتضاف عليه القدحة (البصل المقلي بالسمن أو الزيت)، وقد يضاف السمن أو الزيت من دون قدحة، ويكون الرشوف أكثف من الشوربة، ويفت خبز الشراك أو الطابون في صحن الرشوف، فيصبح أكثر كثافة.
الرشوف، آذان الشايب، حلوية، الحميض، رشتاية، زرب، صاجية، عصيدة، عكوب، كرشات باللبن، كشكية، مجللة، مدقوقة، مدفون، مكمورة، مقطوطة، منزلة... وغيرها من الأكلات الشعبية، ما تزال حاضرة في بيوت الجدات، ويحرصن بين الحين والآخر على إعدادها.
ولا تكترث "الجدة" بجهدها ووقتها في إنجاز أكلة شعبية ما، فكلمات الثناء والشكر من أبنائها وأحفادها لحظة تجمعهم واستمتاعهم بـ"الأكلة" لا يعادلها شيء.
وهذا ما تؤكده الحاجة أم العبد التي تلبي رغبة بناتها أيضا في إعداد الأكلات الشعبية، خصوصا أنهن يتذرعن بعدم قدرتهن على تحضيرها، كونها تتطلب وقتا طويلا لذلك، ولديهن عملهن ومشاغلهن المتعددة، إلى جانب المذاق الشهي الفريد لجميع الأكلات التي تعدها.
تقول ابنتها: "رغم محاولة والدتي تعليمنا أنا وشقيقاتي طريقة إعداد هذه الأكلات، إلا أننا لا نستجيب، وإن فكرت في تجهيزها، أقوم باختيار الأكلة ذات الطريقة السهلة منها، أو أميل لاختصار المكونات واستبدالها، مثل أكلة "رشتاية" التي أضع بها حبات المعكرونة الصغيرة بديلا للعجين".
ويعبر الأحفاد الصغار محمد وحامد وخولة، عن فرحتهم المطلقة بالأكلات الشعبية التي تصنعها جدتهم، ويصفون اليوم الذي يجتمعون به مع أبناء عمومتهم وخالتهم بأنه "عيد" يتمنون تكراره دائما.
ويعبر الجد السبعيني أبو فارس، عن رأيه، بالقول: "ما تزال زوجتي تطبخ الأكلات الشعبية القديمة، ولا أرى أطيب من مذاقها أبدا، فيها الخير والبركة مثل أيام زمان، فهي من تراثنا الأصيل الجميل الذي نعتز به، ويجب أن يبقى حاضرا في بيوتنا.. وللأسف الأجيال الحديثة لا تحافظ عليها أو تشعر بقيمتها.. وأشعر بالحزن عندما أرى أحد الأبناء أو الأحفاد يمتنعون عن تناولها ويسارعون لشراء "الهامبرغر" أو "الشاورما"".
ويلفت استشاري الاجتماع الأسري، مفيد سرحان، إلى أن لكل مجتمع عاداته وتقاليده وموروثه الاجتماعي، والذي يشمل اللباس واللهجة ومنها الطعام وبعض الأكلات التي ربما تميز بلدة عن أخرى داخل البلد الواحد، عدا عن اختلاف هذه الأكلات من دولة إلى أخرى.
يقول "وغالبا ما نجد أن هنالك نوعا من التغيير في طبيعة الطعام الذي يتناوله الإنسان، وهناك ما يسمى بالأكلات الشعبية التي يتوق إليها كبار السن خصوصا؛ حيث اعتادوا عليها في السابق وربما لا يتقنها إلا قلة من بنات الجيل".
ويضيف "نجد حرص الجدات على تعليم بناتهن وأحفادهن كيفية إعدادها، ويجدن لذة في إعدادها بأنفسهن، ولا بد من الإشارة هنا إلى ضرورة الاهتمام بهذه الأكلات من منطلق أنها جزء من الميراث، وأيضا لأن في أغلبها ابتعادا عن كثير من مدخلات الأطعمة الحديثة؛ إذ إنها تعتمد في الغالب على مكونات طبيعية".
ويقول "ولا شك أن الأكلات الشعبية أكثر نفعا لصحة الإنسان، وأقل ضررا، خصوصا مع اهتمام الجيل بالأطعمة الجاهزة والتي يكثر الحديث عن أضرارها الصحية، إضافة إلى أن إعداد الطعام في المنزل يكون بإشراف مباشر من الأسرة، وغالبا ما يكون أقل تكلفة".
خبير علم التراث، نايف النوايسة، يقول: "يحرص الإنسان في البيئة الشعبية وباستمرار على أن يكون قريبا من فصول هويته التراثية الوطنية بدون أن يعرف، إنما بدافع الاستمرار في الحياة والحنين إلى الماضي".
وأوضح أن الإنسان الشعبي لا يريد أن يندفع إلى الأمام بسرعة مع تقنيات حديثة ليغير من طبائعه في المائدة الشعبية، والمقصود في ذلك أن هذا الإنسان متعلق بما بقي له من تراثه بعد أن داهمت الحداثة بيوت أولاده وبناته، وأصبح غريبا حينما رحل الكثير من أترابه وأنداده.
ويضيف "فهو على اتصال دائم بما يذكره بهؤلاء بما في ذلك الطعام، ونموذج ذلك ما يقدم بجوار المائدة الحديثة بعض أشكال الطعام التراثي مثل "المنسف"، يجاورها "الهامبرغر"".
ويعلل النوايسة "هذا الحنين المتصل سيظل متصلا ما دام هناك كبار في السن يتوارثون الأكلات الشعبية، فنرى الأم تسعى لتعليم ابنتها إعداد أكلة المدقوقة أو الرشوف أو الهيطلية وغيرها".
ويلفت إلى أن الأكلات الشعبية تمثل جسما جميلا في ذاكرتنا الجماعية، وتعمل على جمع الأسرة، وكأن هذه الأكلة الشعبية "احتفالية" في جزء من مواسمنا.
 
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات