عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Apr-2018

غضبٌ انتقائي

 الغد-ستانلي ل. كوهين* - (كاونتربنتش) 25/4/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
ليس مرة واحدة، وإنما مرتان، استغل دونالد ترامب شبح استخدام الأسد المزعوم للأسلحة الكيميائية لمعاقبة سورية بضربات صاروخية. وبغضب زائف ونفعي يمكن التنبؤ به، خاطر ترامب بتحويل رعب عمره الآن سبع سنوات إلى كابوس من الكارثة الكاملة؛ أو هكذا كانت العاطفة السياسية السائدة على الأقل.
لكن هذه الحسابات والشكوك ربما كانت مفرطة بعض الشيء، بالنظر إلى اليقين الذي جلبه اتفاق مرسوم بين ترامب وبوتين قبل بدء الهجمات.
لا شك أن المبتدئ في السياسة فقط هو الذي سيتجاهل الصفقة التي مكَّنت ترامب من تنظيم وإقامة عرضه السياسي المحلي، بينما يزوِّد بوتين بما يكفي من الوقت لنقل قواته بحيث يتفادى هو الآخر تداعياته المحلية الخاصة في حال أخطأ أي من الصواريخ الأميركية هدفه السوري وسقط، بدلاً من ذلك، على طائرة مقاتلة روسية أو طيار روسي.
اعذروا لي سخريتي السوداء، لكن لدي القليل من الشك في أنه عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، أو بأي مكان آخر، فإن أياً من هذين الحاكمَين المستبدَّين لن يرى أبعد كثيراً من مصلحته الذاتية السياسية والاقتصادية، بغض النظر عن العلَم الذي يلفُّ به خطابه. وليست هذه طريقة العصر فحسب، وإنما السمة البارزة لكل من الرئيسين.
دعوني أكُن أكثر قسوة بعض الشيء على ترامب، على وجه الخصوص. لا شك أنه تأثر بصور الأطفال السوريين الذين يُستهدفون ويوضعون في مصلب تصويب المذبحة العسكرية التي حرمتهم لسنوات من ضحكات الطفولة في وطنهم نفسه.
وفي الحقيقة، ونظراً لدعمه الطويل والمعلن جداً للمجتمعات الإسلامية والعربية في جميع أنحاء العالم، لا يستطيع سوى المتشكك المتشدد فقط أن ينكر على الرئيس حقه من الفضل على آخر دمعة سفحها على الملأ.
هل يمكن أن يكون تغاضياً مريحاً للذات عندما أفشل في استحضار انتقادات المرشح ترامب لواقع آلاف المدنيين والأطفال الفلسطينيين الذين ذُبحوا جراء الهجمات المتكررة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، والتي استخدمت فيها -نمطياً- الأسلحة الكيميائية كدعامة أساسية لهجماتها؟
وهل أغفلتُ ذكر استياء ترامب من معاناة مئات الأطفال الفلسطينيين -بعضهم لم يتجاوز سنّ الثالثة عشرة- الذين تعتقلتهم إسرائيل من دون أي قدر من الإجراءات القانونية أو المحاكمة، خلال فترة ولايته؟ أو انتقاده الحاد لسياسة اختطاف الأطفال من منازلهم في منتصف الليل ليخضعوا لاستجواب إسرائيلي لا نهاية له من دون استشارة قانونية، بينما يشكل التحرش الجنسي الدعامة الظاهرة لمحاكم التفتيش؟ و، ألم يجلب قلقه على حقوق الإنسان بخصوص الأطفال السوريين لترامب مزية الشك بصمته الملحوظ، في الأسابيع القليلة الماضية، على استخدام إسرائيل أسلحة الحرب المحظورة والاغتيال الصريح وشل المئات -إن لم يكن الآلاف- من الشبان الفلسطينيين على حدود غزة؟
مع ذلك، اغفروا لي تسرُّعي، فالنزاهة تقتضي على ما يبدو الإشارة إلى أن الاستياء الصادق من الهجمات ضد المدنيين السوريين لم يذهب بطريقة ما إلى نفس ذلك الصمت المتعاطف الذي يسود عندما يكون الضحايا فلسطينيين.
ولكن، مرة أخرى، لا يختلف هدوء ترامب المحسوب بعناية عن ذلك الذي يلتزمه العديد من زعماء العالم، الذين يعرضون ما يشبه التقوى الورعة أمام القوة الإسرائيلية، بينما يعرضون اللامبالاة المطلقة بالألم الفلسطيني.
وماذا عن أولئك الذين يجلسون ويشاهِدون، بعيون دامعة وقلب متألم، ليلةً بعد ليلة، مشلولين بالدهشة وعلى مدى عقود، بينما يجري اختزال الملايين من الأشخاص الذين بلا وطن ولا دولة، إلى مجرد حاشية تاريخية عابرة؟
بعد أن قسّتهم الجائحة التي أصبحت الآن روتينية وراسخة وعادية، يهز الكثيرون رؤوسهم في اشمئزاز، وفي استلام غير مبرر يطفئون النور ويذهبون للنوم. غداً يوم آخر؛ واحدٌ أفضل... أو هكذا يأملون. لكنه لن يكون كذلك... ما لم نفعل نحنُ شيئاً.
ليست الروح مجرد الألم الذي نشعر به عندما نواجه وجع اللحظة. وهي ليست مجرد التزام بذرف الدموع لدى رؤية الصورة التالية، أو الاعتداء التالي، أو الذبح التالي الذي سيأتي بكل تأكيد. وهي ليست مخلوقة من الصوت وحده... من ذلك النوع الذي ينطلق في سورة الغضب العاشرة أو الخمسين أو المائتين. ففي نهاية المطاف، يمكن أن يتحول ذلك الصوت إلى مجرد هتاف غيظ عابر، لا يُسمَع إلا في جوقتنا نحن... ولا يكادُ يُسمع في الأماكن الأخرى.
بالنسبة للبعض، للتاريخ طريقته في تجميد اللحظات في الأوقات السيريالية؛ في توفير فرصة كبيرة للإطراق وهز الرأس بالرفض والإنكار، كما لو أننا لا نعرف متى كنا -في كل هذه الفترة- نعرف -وإنما لن نهتم. أو أننا ربما فعلنا... لكننا لم نجرؤ على التصرف.
يتذكر اليهود خبرة السيارات الصندوقية ويسألوننا أين كنا عندما كانت الأفران تغصُّ برماد الإنسانية. وفي رواندا، حدَّد شكل المنجل نظرتنا العابرة، بينما تبين أن تأرجح الفولاذ المشحوذ لم يكن أكثر من ظل شاحب لحقيقة الفظاعات التي تعز عن التصديق... صرخة ذعر واحدة، وهكذا كل شيء.
مرة بعد مرة، أثبتنا أن رحلتنا هي رحلة جماعية مشحونة بالوعد الذي لا ينتهي، ولكن للأسف، غالباً ما يتم تأجيله بذريعة تافهة ونكران شديد.
بالنسبة لأولئك منا الذين يرفلون بالأمان الذي يكفله النظر من بعيد، فإن الأمور ستكون أفضل دائماً، غداً، بينما يمر الواقع تاركاً هؤلاء المتفرجين أحراراً في تقرير أي ثمن هو الذي يستحق التكلفة... وهو دائماً ثمن يدفعه الآخرون.
الرومانسية لا تعرف عمراً. وهي تدفئ القلب بغض النظر عن اللمسة أو اللغة. والمعاناة لا تعرف فرقاً. إنها رحلة عالمية تختزل كل شيء إلى أدنى قاسم مشترك -بغض النظر عن ملامح الطريق. الطفل الميت، أو المرأة المشلولة، أو النحيب الجنائزي، هي طقوس عالمية لا تعرف أي عرق أو عقيدة أو طبقة ضيقة. إنها التعادل الذي يربط كل الذين يمرون، من هذا العالم إلى آخر، ويتركون خلفهم أولئك المذهولين، بغض النظر عن وضعهم، تائهين في أيامهم الآتية؛ يائسين من أجل العثور على المنطق والإيقاع والغاية. لكنها لا تصل. ربما تخفت الذكريات. لكن الحب لا يغادر أبداً.
كيف يفسر المرء فقدان الضحك، وزلة الابتسام، ونهاية الأمل اللانهائي؛ لن تستطيع أن تفسّرها. ومع ذلك، في غزة، وبالنسبة للكثيرين بعد عقد من الحصار والهجوم والمذابح اللانهائية، لم يعد ثمة الآن سوى طريق واحد إلى الوطن... بالانتصار أو الموت. ما الذي يمكن أن يقال أيضاً عندما يصبح الاستشهاد وصفة مرحباً بها تماماً لحياة من المعاناة التي لا تنتهي؟
طوال أسابيع، الآن، وقفت غزة ضد العالَم. مسلحين بما لا يزيد على الغرض والمبدأ المحدد، سار عشرات الآلاف من الأشخاص عن طيب خاطر من سلامة زنزانة سجنهم إلى الفناء حيث احتمال الإصابات والخسائر. وهناك سقط العشرات من القتلى والآلاف من الجرحى والمئات من المقعدين، من الأفضل والأذكى في غزة... صغارها ونسائها وكبارها... الذين ألقوا عنهم الحذر واقتحموا الريح المليئة بالغاز ليواجهوا النيران الوحشية من القناصة، والطائرات من دون طيار، والدبابات. ولم يصَب إسرائيلي واحد بخدش.
مع ذلك، تستمر مسيرة العودة الكبرى. فبالنسبة لغزة، ليس ثمة خيار -ببساطة. أما بالنسبة لنا نحنُ، ثمة خيار.
لأكثر من عقد من الزمان، رأينا صعود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات... وهي حركة قوية وسلمية تعمل في جميع أنحاء العالم، على الرغم من الهتافات الإسرائيلية التي بلا طعم بالعكس. ولم تكتف الحركة بتثقيف مئات الملايين عن محنة فلسطين فحسب، وإنما كلَّفت الدولة المنبوذة خسارة مليارات الدولارات من العائدات المفقودة. لكن هذا وحده لا يكفي.
من حيث المبدأ، كان المقصود من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات أن تفتح هجوماً جديداً سلمياً على إسرائيل... خارج الأراضي المحتلة... في حين أن القرارات المتعلقة بطبيعة ومدى المقاومة على الأرض تُرِكت -كما يجب أن تكون- للفلسطينيين ليحددوها بأنفسهم.
حسب ما اقتضت الضرورة، اعتنقت المقاومة الفلسطينية، على مر السنين، مجموعة واسعة من الاستراتيجيات والتكتيكات دائمة التغيُّر. قبل عقود، في بعض الأحيان شملت المقاومة خوض المعارك الضارية وشن هجمات منعزلة مذهلة. ومع الانتفاضات جاءت الثورات الشعبية التي أدارت سلسلة كاملة بدءاً من أنشطة المقاطعة والاضرابات العمالية، إلى الهجمات بالحجارة وزجاجات المولوتوف. وفي أيامها الأكثر إماتة، شملت العمليات الاستشهادية وبعض الإطلاقات المنعزلة لنيران الصواريخ والقناصة.
في السنوات التي تلت ذلك، وبينما كانت إسرائيل تلجأ بشكل متزايد إلى القتل الجماعي والاغتيال خارج نطاق القضاء والاعتقال الجماعي والحصار المجتمعي، واصلت المقاومة التطور، وبقوة، لتلبي المتطلبات المتغيرة باستمرار.
في بعض الحالات، اعتنق بعض الفلسطينيين المتشددين والعنيدين حقهم الدولي والقانوني المشروع في الكفاح المسلح... سواء كأفراد أو كأعضاء في حركة أو جماعة. واختار الكثيرون القناع والحجر على الصمت في اشتباك دائم الحضور -وليس من أجل الأرض فحسب، وإنما من أجل الكرامة الجماعية المهدورة. وضمنت الإضرابات عن الطعام أن يتمتع الآلاف من المحتجزين خلف القضبان بحرية التحدث بوعي وغاية. واختار آخرون التحدي السلمي بصفعة من يد، أو حولوا صوتهم إلى أغنية أو مزمور لضمان أن يعرف أولئك الذين يتابعون جيداً من أين جاء الفلطسينيون.
اليوم، خارج فلسطين، هناك الملايين الذين يخبرون العالم، من خلال صوتهم وعزمهم الجماعي، بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم بينما يكافحون من أجل استعادة وطنهم والحصول على العدالة المتساوية التي هي حق مكتسب لكل الذين يسيرون على هذه الأرض.
بواسطة حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات، توحَّدت الاحتجاجات الجماهيرية، والالتماسات التي قدمتها الحركة للمسلمين والمسيحيين واليهود وغير المؤمنين على حد سواء، توحّدت في تحدي الرواية الإسرائيلية بطرق مبتكرة تصاحب المقاومة على الأرض في فلسطين. ومع ذلك، ثمة المزيد الذي يجب عمله.
لا ينبغي لأي زعيم إسرائيلي، أو سياسي، أو أي دعامة أساسية أخرى لتلك الدولة، أن يتمتع بمرور هادئ عبر أي من دولنا. وحيث يمشون، وأينما يتحدثون، يجب تحدي ما يقولونه بالاحتجاج في كل خطوة على الطريق. ويجب أن تفهم جماعات الضغط لديهم، وشركات العلاقات العامة، وشركاؤهم من الشركات والبنوك ومراكز الأبحاث الممولة، أن دعم إسرائيل هو دعوة لمقاطعة هذه المؤسسات أيضاً.
يجب أن تدرك القيادات السياسية في بلداننا أن عزمنا الجماعي سيرتب عليها ثمناً سياسياً لتدفعه لقاء طاعتها العمياء لإسرائيل. كما أن الأكاديميين والعلماء والفنانين الزائرين الذين يفشلون في تحدي نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، والاحتلال والتطهير العرقي، يجب أن يفهموا أيضاً أن بيع أرواحهم لن يكون شيئاً نشتريه نحن.
قبل وقت ليس بالطويل كثيراً، اجتمع المجتمع الدولي، ككيان واحد، من أجل قصم ظهر نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ولم يحدث ذلك بين عشية وضحاها. ولم يتحقق من خلال منظور وجهة نظر واحدة أو استراتيجية سياسية شاملة واحدة، أو من دون تضحيات شخصية كبيرة.
إن المقاومة تتطلب التنوع في الفكر والعمل. وهو درس تعلّمه -وعلّمه- أولئك من بيننا الذين قطعوا طريقاً طويلاً، وصعباً في أغلب الأحيان، في مسيرة الحرية في جميع أنحاء العالم. ولا يختلف تحدي إسرائيل اليوم عن ذلك.
لقد أثبت التاريخ أنه لولا صوت مالكولم إكس الحاضر دائماً، لكان إرث مارتن لوثر كنغ شيئاً مختلفاً تماماً عن الإرث الذي نكرِّمه الآن.
إن أولئك الذين يجدون السلوى في الاسترشاد بمسيرة الملح -مسيرة غاندي السلبيّة- ويستخفون بحقيقة أنه فهم طيلة رحلته أن المقاومة النشطة كانت، في بعض الأحيان، وسيلة ضرورية للتحرير، لا يعرفون حقيقة الخطوات التي قطعها على الطريق.
ومانديلا.. بعد منحه فرصة لإنهاء سجنه بعد 17 سنة فقط إذا نبذ العنف كوسيلة شرعية لمحاربة نظام الفصل العنصري، رفض ذلك العرض وعاد إلى زنزانته لعشر سنوات أخرى.
ليست هذه بأي شكل من الأشكال دعوة إلى حمل السلاح أو نداء لاستخدام العنف. لكنها، مع ذلك، آية من التضامن والمحبة لإخواننا وأخواتنا الفلسطينيين الواقفين على الخطوط الأمامية في فلسطين المحتلة.
إنهم، في أحلك ساعاتهم، ليسوا وحدهم.
اليوم، في جميع أنحاء العالم، تقف عائلتهم، عائلة المقاومة، معهم، ولهم، وهم يناضلون من أجل نيل حريتهم -بأي وسيلة ضرورية.
 
*محام وناشط سياسي أميركي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Selective Outrage
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات