عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Dec-2017

هانز جورج غادامير: بداية الفلسفة حقيقة مظلمة يصعب الكشف عنها

 القدس العربي-عثمان بوطسان

إن تاريخ الفلسفة جزء من تاريخ الإنسانية، لذا فأي محاولة لكتابة الفلسفة، أو التفلسف، أو التطرق إلى مفهوم من المفاهيم الفلسفية، هي محاولة لإعادة كتابة تاريخ الإنسانية. غير أن التطرق إلى ماهية الفلسفة دفعت بالعديد من الفلاسفة إلى التساؤل أيضا عن ماهية الإنسانية وارتباطها الوثيق بالفعل الفلسفي. فمن أولويات القراءة والتأويل وإعادة طرح المفاهيم، التوصل إلى أجوبة فلسفية أو لغوية مرتبطة أساسا بالوعي الإنساني والإنتاج الفكري للفرد بصفة خاصة، والتفاعل الجماعي من منظور عام. 
إن الذين اشتغلوا على الفلسفة في سياقاتها المتعددة ركزوا أساسا على المقاربات التاريخية والمنهجية للفكر الفلسفي، لذا وكما هو متعارف فقد رجح العديد من المؤرخين على أن الفلسفة بدأت مع طاليس، أو ربما مع ظهور الأدب الملحمي لهوميروس وهزيود. فالإرث الفلسفي، إرث عريق ويعتبر مرجعا أساسيا للتفسير العقلاني للحياة والكون والعالم، فبداية الفلسفة تظل دائما نقطة مظلمة يصعب تحديدها أو الجزم في أمرها بصفة نهائية. فما تزال مجموعة من الفلاسفة تحاول كشف الستار عن حقيقة بداية الفلسفة في محاولة إلى إعادة طرح مشكلة الثقافة السائدة. وكان هانز جورج غادامير من أبرز الفلاسفة الذين تطرقوا إلى هذه الإشكالية، إلى جانب كل من نيتشه وهيدغر. فالبحث في تاريخ الفلسفة وامتدادها عبر العصور يظل مغامرة فكرية تتسم بالغموض واللانهاية. فيستهل غادامير تأويله الفلسفي من مرحلة ما قبل سقراط، حيث كانت للفلسفة بداية مختلفة على عكس ما تداوله من تواريخ جعلت من طاليس، أو هوميروس وهزيود رواد الفلسفة اليونانية.
كان الهدف من محاضرات غادامير، التطرق إلى بداية الفلسفة اليونانية التي تلامس مشكلات الثقافة الغربية الراهنة، فهذه الثقافة لا تجد نفسها في حالة تغير جذري وحسب، إنما ثمة غياب أو انعدام الثقة بالنفس حسب تعبيره. وقد أدرج غادامير حالة غياب الثقة بالنفس ضمن تفسيره للثقافة الغربية، التي يتهددها ما يمكن تسميته هيمنة التنظيم التقني والعلمي، وتغلغل هذا في جميع أوصال الوجود الغربي، فضلا عن سيادة العناية المفرطة بالمنهج، التي قادت إلى انزراع ثنائية الذات الموضوع في تربة هذا الوجود. لكن كان لهيغل وشلايرماخر تصور خاص حول بداية الفلسفة، باعتبارهما رواد التأويل الفلسفي الألماني في الفلسفة ما قبل سقراط. فقد لعب هيغل دورا كبيرا في هذا السياق من خلال كتابه «محاضرات في تاريخ الفلسفة». فأعمال هيغل كان لها صدى كبير على جميع المستويات، بحيث تبين إلى حد بعيد كيف كانت الفلسفة قبل سقراط، وكيف حاول هيغل كشف حقيقة التفكير الفلسفي، عن طريق تناول المنطق والتطرق إلى مفاهيم جوهرية في المعتقد الفلسفي، كالوجود والعدم والصيرورة. تناول هيغل مجموعة من المقولات حول البداية التي تعتبر سابقة على مقولة اللوغوس. إلا أن التصورات الهيغيلية ظلت دائما غامضة، بحيث يصعب تحديدها رغم كونها متأسسة.
إن بداية الفلسفة جدل قائم على تحديد الولادة التاريخية الحقة لظهور الفلسفة كفكر إنساني، رغم أن هيغل حاول كشف هذا اللغز من خلال كتابه «ظاهرية الروح»، حيث كرس مجموعة من الفصول لدراسة تاريخ الفلسفة قبل سقراط. أما عالم اللاهوت فريدريك شلايرماخر، فيرى أن بداية الفلسفة له علاقة بالفردية والظواهر، فقد كان اكتشاف الفرد، الإنجاز الكبير، خاصة الإشعاع الكبير للثقافة الرومانسية. وحسب شلايرماخر، إن الفرد يفوق الوصف، وبالتالي ليس هناك إمكانية لإدراك فردية الفرد من الناحية التصورية، إنما هو تعبير انبثق في الحقبة الرومانسية. يجد القارئ في الفكر الفلسفي لشلايرماخر نظرة جديدة وجدلية للفلسفة الإغريقية والمسيحية.
كان لمحاولات شلايرماخر دور كبير في الكشف عن بعض إشكاليات بداية الفلسفة ما قبل سقراط، لذا، فالبداية لم تكن واضحة ولا تمثل الا مرحلة من مراحل أخرى لم تكشف بعد. وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى كتاب ديلتاي «مدخل إلى العلوم الإنسانية» حيث يتطرق ديلتاي إلى أصل الميتافيزيقيا العلمية وتطورها وانحطاطها. فالميتافيزيقيا العلمية حسب ديلتاي متناقضة بذاتها، لأنها تحرك الرغبة في التعبير عن جوانب الحياة العميقة تعبيرا علميا، على الرغم من أن هذه الجوانب لا تقع ضمن نطاق العلم. والهدف من دراسة الميافيزيقيا راجع إلى مسألة أن التاريخ الإنساني سادته ميتافيزيقيا تستند إلى فكر أفلاطون وأرسطو.
ولعل من بين الأسباب التي تحول دون الكشف عن البداية الحقيقية للفلسفة، هو إهمال التاريخ في مجموعة من المقاربات والمحاولات الفكرية. فالفلسفة باعتبارها نتاجا لوعي فردي أو جماعي، دائما ما كانت مرتبطة بالبحث عن أجوبة لتفسير الحياة والكون والوجود. وليس بالضروري أن يكون الباحث عن الجواب إنسانا عاقلا، فعادة ما تقود الأسئلة الجاهلة الى كشف حقائق لم تكن في الحسبان. لذا، فربط بداية الفلسفة بعقلانية التفكير والطرح الفلسفي، تعتبر من العوائق التي تجعل من بداية الفلسفة أمرا تشوبه الشبهات والأحكام الخاطئة التي تتخذ من الفرضيات أساسا لها. وقد تقاطع مجموعة من الفلاسفة في نقطة جوهرية، مفادها أن الفلسفة لا ترتكز على حقيقة منهجية، ولا نظام صحيح كليا، فكل الأنظمة لها جوانب مظلمة لا تكتمل بحكم النظرة الجزئية للأشياء.
إن مفهوم الفلسفة في حد ذاته مفهوم غامض وتصعب مقاربته من الجانب التاريخي والعلمي. فالوعي الإنساني يختلف باختلاف الألسنة والثقافات وهو أيضا مشروط بسياقات تاريخية ومذهبية دينية معينة. فإذا كان الإنسان جوهر الفكر الفلسفي، لابد من إعادة طرح إشكالية البداية، لأنها بكل بساطة يجب أن ترتبط أساسا بوجود الإنسان. فليس سقراط ولا أرسطو من قام بأول فعل فلسفي، لذا يجب أن نفترض أن للفلسفة بدايات أخرى لم تذكر في كتب التاريخ القديمة. إلا أن لغادامير تصور خاص، فهو يرى أن المدخل الفلسفي الوحيد لتأويل الفلسفة قبل سقراط إنما يبدأ بأفلاطون وأرسطو، وأي مدخل آخر يمثل نزعة تاريخية من دون فلسفة حسب تعبيره. فعبر هذين الفيلسوفين العملاقين وصلتنا أفكار فلاسفة ما قبل سقراط، وعبرها أيضا ارتسمت صورة ما لتلك الحقبة، ولكن هذه الصورة كانت تقتضيها حاجات التفلسف الأفلاطوني والأرسطي على التعاقب.
دائما حسب هانز جورج غادامير، ففعل الوجود وموضوعه يختلطان بدون الوجود، الذي يتلفظ بالفكر من داخله، لا يمكن أن نجد فعل الفكر، إذ لا يوجد ولن يوجد أبدا شيء خارج الوجود، نظرا لأن المصير قد قيده بطريقة أصبح معها وحيدا وثابتا. وهكذا إذن، فإن مسألة بداية الفلسفة لا بد لها أن ترتبط بالوجود الإنساني وأن تعكس تاريخه البعيد. فبداية الفلسفة تمثل بداية الثقافة الغربية. ففي كتاب «بداية الفلسفة»، يرى غادامير أن نوع قراءةِ تاريخ الفلسفة يميّز الفيلسوفَ عن مؤرخ الفلسفة. بطبيعة الحال، ليست ثمة مرتبة واحدة ينضوي فيها مؤرخو الفلسفة، ولكن المؤكّدَ أن الفيلسوفَ الذي يستحضرُ تاريخَ الفلسفة للكتابة عنه إنما يفعلُ ذلك، كما كان أفلاطون وأرسطو ومن جاء بعدهما من فلاسفة الغرب والشرق، لأغراضه الفلسفية الراهنة. إنها قراءة حوارية. فالفلسفة والأدب الإغريقيان، واللغة الإغريقية نفسُها، مازالت فاعلة في حوار كهذا، تُمِدُّ الفيلسوفَ الغربيَّ المعاصرَ بركائزَ للحوار، ومنطلقاتٍ للتفكير في آفاق ما كانت هي نفسها تَعِيها. كلّ ذلك يولّدُه الحوارُ الأصيلُ مع تراث أهمُّ سمةٍ فيه أنه منفتح للتأويل. وهي سمة لا تخصُّ الفكرَ الإغريقيَّ القديم، بل كلّ فكرٍ أصيلٍ على الإطلاق. وفي هذا الكتاب حوارُ آخر الفلاسفةِ الكبار بحقّ؛ حوار غادامير مع تراثه الإغريقيّ. (ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم).
كاتب وباحث مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات