عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Apr-2017

هل نقاطع أميركا؟

الغد-بيتر سنجر
 
ملبورن- باتت النتائج الكارثية التي انتهت إليها الانتخابات الرئاسية التي جريت في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي واضحة تماماً الآن. إن الرئيس دونالد ترامب لا يبالي بخطر تغير المناخ، ومن المرجح أن تُفضي التدابير التي يتخذها بسبب عدم اكتراثه إلى عواقب تتضاءل أمامها خطورة الأمر التنفيذي الذي أصدره بشأن الهجرة، وترشيحه لأحد كبار المحافظين لرئاسة المحكمة العليا، وأخيراً إلغاء قانون الرعاية الصحية الميسرة، المعروف باسم "أوباما كير"، إذا تمكن من ذلك.
من الصعب أن نتخيل أي قرار صادر عن رئيس أميركي، باستثناء اتخاذ القرار بشن حرب نووية، والذي ربما يُفضي إلى إلحاق الأذى بعدد أكبر من الناس مقارنة بالأمر الذي أصدره ترامب الشهر الماضي، والذي يقضي بإلغاء الأحكام الصادرة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما بتجميد بناء محطات توليد الطاقة الجديدة التي تعمل بإحراق الفحم، وإغلاق عدد كبير من المحطات القديمة. وقد جاء أمر ترامب في أعقاب تعهده بإلغاء معايير كفاءة الوقود الأكثر صرامة للسيارات والشاحنات، وإعلانه عن رغبته في خفض الإنفاق على علوم المناخ.
على الرغم من أن ترمب لم يعلن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، فمن المرجح أن تتعارض تصرفاته مع تعهد حكومة الولايات المتحدة بخفض انبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي إلى 26 % دون مستويات العام 2005 بحلول العام 2025. وقد شكل اتفاق باريس، الذي وقعت عليه 195 دولة، آخر فرصة حقيقية لدينا لمنع الانحباس الحراري الكوكبي من رفع حرارة الأرض بما يتجاوز درجتين مئويتين فوق مستويات عصر ما قبل الصناعة. وفي الحقيقة، يتجاوز حتى ارتفاع درجات الحرارة بما يعادل درجتين مئويتين قدرة تحمل سكان الدول الجزرية المنخفضة. حتى أن العديد من هذه الدول تنادي بخفض الحد إلى درجة مئوية ونصف الدرجة -وهو الحد الذي يعني تجاوزه اختفاء بعض هذه الدول تحت مياه المحيط.
إن أي زيادة في درجات الحرارة الكوكبية بما يتجاوز درجتين مئويتين، كما يتفق العلماء، من شأنها أن تؤدي إلى نشوء حلقات ارتجاع سلبية كفيلة بإحداث مستويات أعلى كثيراً من ارتفاع درجات الحرارة، وربما تجعل أجزاء كبيرة من كوكب الأرض غير صالحة لسكنى البشر. وعلى سبيل المثال، ربما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى إلى إطلاق كميات كبيرة من غاز الميثان -وهو أحد الغازات المسببة للانحباس الحراري الأشد قوة من ثاني أكسيد الكربون- نتيجة لذوبان الجليد الذي يكسو الأراضي دائمة التجمد في سيبيريا، بحيث يؤدي ذلك إلى المزيد من الانحباس الحراري، والمزيد من الذوبان، والمزيد من غاز الميثان في الغلاف الجوي. وعلى نحو مماثل، يتسبب الانحباس الحراري في خسارة الجليد في القطب الشمالي، وهذا يعني ارتداد قدر أقل من حرارة الشمس وامتصاص المحيطات لقدر أكبر منها.
خلال حملته الانتخابية، وصف ترامب تغير المناخ بأنه "خدعة" من عمل الصينيين تهدف إلى تدمير الصناعة الأميركية. وفي الشهر الماضي، قال سكوت برويت، الذي عينه ترامب لرئاسة هيئة الحماية البيئية، إنه لا يعتقد أن ثاني أكسيد الكربون هو المساهم الرئيسي في تغير المناخ. وأضاف: "نحن لا نعلم ذلك بعد، نحن في حاجة إلى مواصلة المراجعة والتحليل".
وسارعت جمعية الأرصاد الجوية الأميركية إلى الكتابة لبرويت قائلة إن كون ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي هي السبب الرئيسي في ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، هو أمر "لا جدال فيه"، وأنها "ليست على دراية بأي مؤسسة علمية ذات خبرة في هذا الموضوع توصلت إلى أي استنتاج مختلف".
وهذا صحيح تماماً. لكن ما لم ينتبه إليه العديد من المعلقين هو أننا حتى لو قبلنا -على الرغم من كل الأدلة- بيان برويت بأننا "لا نعرف" ما إذا كان ثاني أكسيد الكربون هو المساهم الرئيسي في تغير المناخ، فسوف تظل تصرفات إدارة ترامب متهورة مع ذلك. فما لم يكن احتمال كون ثاني أكسيد الكربون المساهم الرئيسي في تغير المناخ ضئيلاً للغاية، فمن الخطأ أن نجازف بمستقبل كوكب الأرض وأرواح مئات الملايين من البشر من أجل خفض تكاليف الطاقة لصالح الأميركيين والحفاظ على بضعة آلاف من فرص العمل في صناعة الفحم. (الواقع أن الوظائف في قطاع الفحم تختفي بسبب الأتمتة والمنافسة من الغاز الطبيعي الأرخص، وليس بسبب القواعد التنظيمية التي تقضي بخفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون).
على الرغم من كل هذا، ربما لا يرى ترامب أن سياسته متهورة، لأنه كما أعلن مراراً وتكراراً يضع "أميركا أولا". والواقع أنها أميركا حقاً هي التي يضعها أولاً بين الوقت الراهن وموعد الانتخابات المقبلة، على حساب مصالح الأميركيين في الأمد الأبعد، ومصالح الجميع من غير الأميركيين أيضا. وفي الأمد القريب، لن يكون الأميركيون هم الأشد معاناة من تغير المناخ، وإنما أولئك الذين يعيشون عند خطوط العرض المدارية، وخاصة الفقراء الذين لن يجدوا ملاذاً عندما تهطل الأمطار عليهم بغزارة أو عندما تحرق الحرارة محاصيلهم. وعندما ترتفع مستويات سطح البحر، فسوف يكون سكان الدول الجزرية، الذين يعيشون على ارتفاع متر أو مترين فوق مستوى البحر، أول النازحين من أراضيهم، ثم يتبعهم عشرات الملايين من البشر الذي يزرعون قطعاً صغيرة في مناطق دلتا الأنهار الخصبة في بنغلاديش، وجنوب شرق آسيا، ومصر.
لا يشمل اتفاق باريس للمناخ أي آلية لفرض العقوبات على الدول التي لا تفي بتعهداتها. وتتخلص الفكرة هنا في "التشهير علناً" بمثل هذه الدول. ولكن، قبل انتخاب ترامب رئيساً بفترة طويلة، عندما أذيع على الملأ مقطع الفيديو سيئ السمعة الذي تباهى فيه بتحسس أجساد النساء، كان من الواضح أنه محصن ضد الشعور بالخجل. ماذا إذن تستطيع أن تفعل دول أخرى أو أفراد، سواء في الولايات المتحدة أو خارج حدودها، إزاء حقيقة أن ترامب يعرض مستقبلنا جميعاً للخطر، لأجيال عديدة قادمة؟
إذا استخدمت الولايات المتحدة أرخص أنواع الوقود المتاحة لإنتاج الطاقة، بصرف النظر عن الضرر الذي قد يلحقه إحراق هذا الوقود بالآخرين، فإنها بذلك تعطي شركاتها ميزة غير عادلة على الشركات في أماكن أخرى، والتي تبذل جهوداً مخلصة لخفض انبعاثاتها من الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي، والوفاء بتعهداتها بموجب اتفاق باريس. ولا بد أن يكون هذا كافياً لحمل منظمة التجارة العالمية على السماح لدول أخرى بإقامة الحواجز التجارية ضد السلع الأميركية. ولكن، إذا لم تكن منظمة التجارة العالمية تتمتع بالقدر الكافي من الشجاعة لاتخاذ مثل هذه الخطوة، فإن العلاج يُصبِح في أيدي المستهلكين الأجانب، الذين ينبغي لهم أن يُظهِروا لإدارة ترامب رأيهم الصريح في سياساتها من خلال اختيار عدم شراء السلع الأميركية.
من المؤكد أن المقاطعة تظل أداة فظة، ومن المؤسف أنها كفيلة بإلحاق الأذى بالعديد من العمال الأميركيين الذين لم يعطوا أصواتهم لترامب، ولم يكونوا مسؤولين على الإطلاق عن سياساته. ولكن، نظراً لمصالح البشرية كلها التي أصبحت على المحك، وفي ضوء الوسائل المحدودة لتغيير سياسات ترامب، فماذا قد يكون بوسعنا أن نفعل غير ذلك؟
 
*أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون، وأستاذ فخري بجامعة ملبورن. من بين مؤلفاته كتب:
"تحرير الحيوان"، "الأخلاق العملية"، "الأخلاق فيما نأكله"، (مع جيم ماسون)، "مراجعة للحياة والموت"، "من منظور الكون"، بالاشتراك مع كاتارزينا أزاري-راديك. ومؤخراً، "عالم واحد الآن" و"الأخلاق في العالم الحقيقي". في العام 2013، صنفه معهد جوتليب دوتوايلر ثالث "أكثر المفكرين المعاصرين تأثيراً" في العالم.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات