عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jul-2018

فيلم «بره الدنيا»… معالجة تتعاطف مع الناسين والمنسيين

 القدس العربي-كمال القاضي

ثمة معالجات كثيرة قدمتها السينما المصرية بأساليب مختلفة عن مرضى الزهايمر، الناسين والمنسيين من أصحاب المرض العضال، ربما تمثلت التجربة الكبرى في فيلم عادل إمام الذي يحمل عنوان المرض نفسه « زهايمر « بشكل مباشر، ولكن للأسف غلب على الأحداث الطابع الكوميدي ففسدت المعالجة وضاعت الرسالة دون جدوى، وفي الإطار ذاته جاء فيلم روائي قصير آخر يحكي مأساة رجل مسن وحيد يداهمه المرض فيعجز عن حماية نفسه ويتحول إلى ضحية، التجربة القصيرة قــــدمها السيناريست والمخرج مخـــتار حسين قبل سنوات عدة تحت اسم «عــــم حســن الساعاتي». وقد جسد شخصية البطل المريض الفنـــان القدير الراحل حسن عبد الحميد فلفت النظر لخطورة الحالة وموقف المجتمع السلبي منها.
وبعد أكثر من عشر سنوات جاءت السيناريست والمخرجة الشابة نهى المعداوي لتعيد تقديم الحالة بحساسية تناسب الحالة الموجعة وتكشف الغطاء عن تفاصيلها الدقيقة جداً من خلال تسجيل حي لبعض العينات من المرضى المساكين متضمنة شهادات ذويهم وأهلهم والمحيطين بهم، فالمخرجة لم تعتمد على خيال مكتوب ولا افتراضات ذهنية عن تصورات غيبية للمرض والمرضى، وإنما تحرت الدقة وعايشت الأجواء ورصدت كل ما يتعلق بها، ولأنها عانت كثيراً وأفنت وقتاً طويلاً جراء ما نشدتة من مصداقية، فقد جعلت من مقدمة الفيلم مضموناً لمعاناتها في البحث والتقصي عن أبطالها المنسيين والغارقين في النسيان، ولهذا كان للمقدمة وقع مهم على المتلقي في إدراك المأساة والإحاطة بالخلفيات المتعلقة بالمرضى وظروفهم النفسية والاجتماعية وبداية ظهور أعراض المرض عليهم وهو ملمح بالغ الأهمية في مسألة التوثيق لحالات الزهايمر المتفشية في مجتمع المئة مليون مواطن.
وتضع نهى المعدواي خطوطا بينية في السيناريو تفصل بها بين ضعف الذاكرة والمرض اللعين من خلال شهادات أطباء متخصصين وباحثين عكفوا على تسجيل الحقيقة العلمية كي لا يحدث الخلط بين حالات النسيان العابرة والطارئة وبين أوجه وسمات المرض التي تتنامى تدريجياً حسب الحالة وظروفها والتي تبدو في السلوك المتغير للمريض واتجاهه للشك كعلامة دالة على مرضه، فضلاً عن دخوله في أطوار اكتئابية حادة تبين مدى ما وصل إليه المستوى التصاعدي للمرض، ولا ترتكن نهى وهي كاتبة السيناريو والمخرجة للدراسات العلمية فقط ولكنها تضع الشهادات الواقعية للأهالي والأصدقاء والمعارف في اعتبارها للوصول إلى درجة عالية من المصداقية كي تحصل من المشاهد على أعلى مستوى من التفاعل وهو ما تحقق بالفعل، حيث أثرت الحالات الإنسانية المقدمة في إحداث التعاطف المطلوب دون الإغراق في التراجيديا الفجة ويعد هذا في مقياس الفن والإبداع والتوظيف نجاحا في الوصول بالمعنى المستهدف إلى أعلى معدلات التأثير التلقائي الطبيعي بعيداً عن المبالغات. 
ولعل ما ساعد على ذلك الثراء الكامن في الحالات ذاتها وأدوات المخرجة التي استخدمتها من غير زيادة فصنعت حــــالة صادقة وواعية بكل أبعادها، حيث التوظيف الموسيقي والإضاءة الملائمة للجو العام للفيلم والمونتاج والتصوير، لا سيما مشاهد الدوامات في البحر وهي صورة موازية في معناها ومغزاها لدوامات العقل الذي أنهكه الزمن ونالت منه الشيخوخة فصار معطلاً على نحو مثير للشفقة وباعث على الاحتواء والتعاطف.
لم يكن هناك من ديفوهات في البناء الفني والإنساني غير بعض المشاهد القليلة الخارجة عن السياق المحكم وبالتحديد مشهد الاحتفال بالمرضى أو مع المرضى وحالات المرح المبتذل والركيك التي جاءت في غير موضعها وبدت نشازاً صارخاً وغير منسجم مع السمترية الفنية التي صنعتها نهى المعداوي في طرحها بشكل فني مؤثر، ولا يمكن أن ننسى الجهة المنتجة وهي إدارة الإنتاج التابعة لقطاع القنوات المتخصصة في التليفزيون المصري والتي قدمت الفكرة وتحمست لها بعيداً عن الربحية فجاء الدعم لائقاً بالتجربة وراعياً لها فخرج الفيلم في الصورة المقبولة شكلاً ومضموناً.
 
٭ كاتب من مصر
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات