عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jul-2018

عبارة «السيدات السادة»: التّأسيس لأنوثة معطوبة

 القدس العربي-يوسف رحايمي

 عنوان هذا المقال قد يثير حفيظة البعض وخاصة أولئك الذين تثيرهم العناوين وتشدّهم العتبات، أما الذين يبتغون معايشة السطور إلى آخر المقال فأولئك لهم فضل القراءة التي يتقاطع فيها اللّغوي بالحضاري من أجل تفكيك جملة كثيرا ما تلتقطها آذاننا ضمن الملتقيات والندوات العلميّة، وهي جملة «السيدات السادة الكرام»، وهي علامة على بدء الحديث وافتتاح موضوع الحوار. 
اللافت للانتباه في هذه الجملة هو تقديم «السيدات على السادة»، وهذا ما لم تألفه الذائقة الذكوريّة عندنا، فقد احتكر الذكر على امتداد التاريخ السيادة ضمن الثقافة العربية وحتى ضمن الثقافات الأخرى، ولسنا في هذا السياق موضع دفاع عن منطق الذكورة أو تحامل ضدّها وإنّما تحركنا رغبة البحث وتحريك ما هو راكد في مستنقعات الثقافة وكيفية تغييرها بما يساهم في دفع حركة التفكير، نستأنس في تفكيك هذه الجملة بمقاربة العرفانيين، ونقتصر في هذا الإطار على أبعادها اللّغوية دون الغوص في تفاصيلها الحضاريّة.
يحدثنا العرفانيون عن منظور اسمه «التوجّه أنا أولا» ويختزل هذا التوجه فكرة أن يكون العضو الطرازي هو الموجّه لتصوراتنا، أي ما يطلق عليه «بالشخص المثال canonical الذي يشكل نقطة المرجع التصوريّة» على حدّ اعتبار لايكوف وجونسون. وبشكل برقي يعتبر الشخص المثال أو الشخص الطرازي بمثابة الأساس الذي يوجّه نسقنا التصوري، وقد تكوّن ذلك نتيجة التراكم التاريخي حيث أنّنا دائما نرى أنفسنا فوق وليس تحت، ونرى أنفسنا جيدين وليس سيئين ونرى أنفسنا في الأمام وليس في الخلف، وهذا هو ما يطلق عليه كوبر و روس cooper and Ross التوجّه «أنا أولا».
وإن حاولنا تطبيق هذا التوجّه الذي نراه ينسحب على لغتنا المستعملة على جملة من قبيل «السيدات السادة» فإنّنا واجدون ضربا من الاختلال في المرجع التصوّري، فالذائقة التي استأنست بتقديم المذكّر على المؤنث ضمن خطابها ستجد صعوبة في قلب الأدوار، ويعود ذلك في نظرنا وحسب مقاربة العرفانيين إلى أنّ نسقنا التصوّري يختزل هذا الترتيب الخطي في الذهن حيث يسيطر علينا في نظم الكلام وفق هذا البناء النفسي وهو بدوره ينعكس في مستوى النطق والكتابة، وعليه فإنّ المتكلم مُسيّر بجبرية لغوية ذهنية ترى المذكر هو الشخص الطرازي الذي على أساسه يصاغ الخطاب. 
ولئن ترك لنا الاستعمال فسحة أمل في قلب الأدوار أحيانا بأنّ نُقدّم المؤنّث على المذكّر من باب التأسيس لمنطق ثقافي جديد فإنّنا نرى الارتداد سريعا، فالمتكلّم ورغم التخيير الذي مكنته منه اللّغة يتلعثم في تقديم المؤنّث وهذا ما نعاينه في كثير من المناسبات.
هذا الاختلال في المرجع التصوري ألقى بظلاله على الكثير من المسائل حيث تابعنا كثيرا من التعليقات ضمن مواقع التواصل الاجتماعي حول هذه القضية وقد اتخذت في ثنايا تصوراتهم مناحي عدّة تقاطعت فيها الحجج، فمنهم من استدعى آيات من الذكر الحكيم وتعلّل بكون المؤنث لم يتقدّم على المذكّر في القرآن إلاّ في موضع واحد «الزانية والزاني» وفيما عدا ذلك دائما ما يتصدّر المذكر الخطاب. وعلّل آخر أنّ الرجال قوامون على النساء. والثابت في كلّ هذه التعليقات أنّها تنبع من تصوّر معين وليس اعتباطا، وفي اعتقادنا هذا التصوّر هو المنطق الذكوري الذي صاحب نشأتنا حيث تحوّل إلى مرجع تصوّري يوجّه خطابنا وذوقنا وقياسنا للأشياء، فكأننا بلغة كوبر وروس أمام الشخص المثال عنوانه «الذكورة» وعلى أساسه نقيس الأشياء ونعللها ونبني اللغة.
أرى أنّ تقديم السيدات على السادة فيه نوع من القهر اللّغوي مضّر بالخطابي الجندري أكثر مما هو نافع، حيث يمارسه القائل – وفي أغلب الأحيان – تحت ضغوط الأنوثة المعطوبة في مجتمعنا، ففي أغلب الأحيان يستبطن المتحدّث الذكورة ولكنه يخفيها، وهذا ما يجعل تقديم المؤنث شكلا لا مضمونا مما يساهم في تحقير مضاعف للأنثى في ثقافتنا، فكأنّنا أمام ممارسة فيها استبلاه للأنثى، فحري بنا أن نتقدم بالخطاب الأنثوي مضمونا ونحترمها بما هي عنصر فاعل في المجتمع وليس من باب «البرتوكول» والضحك على الذقون. 
إنّ تصدّر الذكر ومسكه بزمام الفعل اللغويّ وتحكّمه في صياغة الثقافة جعل ذائقتنا ترفض مثل هذا القلب للأدوار، ولا يعكس هذا التحليل انتصارنا للذكر على حساب الأنثى وإنّما هي دعوة إلى تجاوز قشور الخطاب إلى تأسيس خطاب صادق بعيدا عن التشدّق، فكم من مرّة تكشف لنا زلات اللسان (lapsus) هذا التأسيس للأنوثة المعطوبة، وكم من مرة تتعثّر شفاه رئيس الجلسة ضمن جلسة علمية في تقديم المؤنث السيدات على المذكّر السادة، وهذا التعثّر يعكس عمق الخطاب الذكوري المعشش في الذاكرة الجماعية وفي البنية الذهنية للمتكلمين.
 
كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات