عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Aug-2016

ذكريات لاتنسى لحافلات وسرفيس الأردن
 
كتبت  روز نصر - عندما التقيت بأبو أيمن، ومعي مجموعة من الأسئلة عن واقع النقل في العاصمة عمان سأطرحها على عدد من سائقي الحافلات العامة والسرفيسات، لم أكن لأعلم أن ذاكرة شوارع عمان وحكايات النقل فيها منذ خمسين عاما مضى ستزدحم في كلمات هذا العجوز المنتظر للركاب داخل سرفيس على خط جبل الحسين منذ عام 1964.
سيارة أبو أيمن حينها كانت واحدة من أحدث السيارات في عمان، يتذكر كيف وصى عليها; من ألمانيا، مرسيدس 190 من موديل عام 1962، دفع مقابلها 1500 دينار أردني، وشحنها إلى الأردن وبمجرد وصولها واستكمال معاملاتها، توجه إلى دائرة الترخيص التي كانت تمنح المواطنين نمرة بمثابة " كرت الجوكر " ثمنها 9 دنانير و90 قرشا لا غير، يتذكرها حتى اليوم، مبلغا وقدره، في وقت يبلغ فيه متوسط رواتب الموظفين 18 دينارا، يستطيعون وضعها على أي سيارة مهما كان نوعها أو لونها، وتسمح لهم باستخدام سياراتهم كسرفيس في أي منطقة يرغبون بالعمل فيها.
اختار شوكت المنير، أبو أيمن، مهنة سائق سرفيس، بعد عمله في شحن البضائع، لأسباب تتناقض تماما مع واقعنا اليوم، كانت مهنة نادرة ولها تقديرها، وكان من يعمل فيها مهمّا بالمنظور الاجتماعي، أو له هيبته بوصف أبو أيمن، حيث يدرك أن شريحة كبيرة من المجتمع اليوم تعامله بدونية غير مبررة، ويرجع ذلك برأيه إلى تغير الطبقة الاجتماعية التي تستقل السرفيس.
لم يكن لدى الأردنيين في ذلك الوقت توجه لشراء سياراتهم الخاصة، جميع فئات المجتمع،بحسب أبي أيمن، تستقل السرفيس ومنهم التجار والأغنياء وأبناء العائلات المرموقة.ليست ذاكرة المكان وحدها التي ازدحمت لدى أبو أيمن، فالأسئلة كانت بمثابة وسيلة نقل زمنية أرجعته للماضي حيث تختلط رائحة عبق المدينة ما بين عمان والقدس.
وفي نظرته للماضي بحنية يروي تفاصيل دقيقة لمعالم ووجه المدينة مقارنة بحاضرها، والذي يود لو أن الزمان توقف ولم يمضي ليصل الى الحد الذي أغلقت بوجهه الحدود ولم يعد يستطع تحميل طلباته الى القدس والشام وبيروت .
يقول أبو أيمن أنه لم يكن يمضي أسبوع واحد حتى يحمل طلباً من عمان الى القدس أو جنين أو نابلس مدة يوم واحد مقابل خمسة دنانير انذاك والتي كانت تساوي مقداراً جيداً يقضي حاجات بمقدار مئة دينار في وقتنا الحالي على حد وصفه.
ويضيف أن احد العائلات كانت تطلب منه الذهاب الى القدس فيأتي صباحاً بعد تعبئة بنزين للذهاب مشيرا الى سعر التنكة كان يساوي 80 قرشا انذاك ، ويمضي الى منزل العائلة ويقلهم ومن لحظة الانطلاق حتى الوصول تفصله ساعو وربع في طريق خالية من الحواجز وحتى السيارات حيث كان فيها عدد محدود.
ويصل أبو ايمن الى القدس وتذهب العائلة للصلاة في المسجد الأقصى ثم يمر ببيت لحم لزيارة كنيسة المهد ومن ثم التنقل الى الأسواق القديمة وتناول الطعام في مطعم نعوم بالقدس.ولم يمضي أبو أيمن أوقاتاً في فلسطين لوحدها فلا حدود كانت تمنع من تحميله طلبات لدمشق وبيروت حيث يستذكر أن طلباً دائماً كان مكلفاً به وهو الذهاب الى بيروت لاقلال زوجة وابنة احد الأشخاص من الجامعة الأمريكية هناك.
ويشدد أبو أيمن على الثقة والشعور بالأمن في ذلك الوقت قائلاً في حد بأمن لسايق تكسي يروح يجيب بنته ومرته من مسافة بعيده الان ، الدنيا تغيرت.وفي زمن لن يعود يوماً يقولها أبو أيمن بحسرة ويشير الى أنه لم يكن هناك في منطقة جبل الحسين حسبما يستذكر نحو 15 سياراة خاصة يملكها تجار وأغنياء المنطقة ، فيما كانت تملك شركتين وهما شركة الاتحاد والعاصمة كل منهما ما لا يزيد عن 5 حافلات نقل عام .
ويؤكد أبو أيمن أن خط جبل الحسين وجبل عمان واللويبدة من أقدم الخطوط في المنطقة لوجود مؤسسات تعليمية كمدرسة الكلية العلمية الاسلامية في جبل عمان وتراسانطة في اللويبدة .
يومية أبو أيمن كانت تتراوح ما بين 3-4 دنانير فيما يتضاعف في الشتاء أحياناً والأجرة كانت قرشين.
الشوق للعبور الى الضفة الغربية دون حدود للخيال أو للحدود الأرضية، شعور تجلى لدى عدد من الأردنيين عندما شاهدوا حافلة العواصم العربيةوالتي كتب على جانبيها أسماء جميع العواصم، تجوب شوارع عمان في نيسان الماضي، لم تكن مجرد حافلة فهي حلم يسير على الأرض وأمنية لا بد من تحقيقها يوماً ما حسبما عبر المواطن عيسى العدوان على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي تويتر.
ليس عيسى فقط من عبر عن حنينه لماض لم يعشه وإنما سمعه من روايات الآباء والأجداد، فالشابة روان خلف تمنت لو أنها عاشت في الزمن الجميل; لتتاح لها فرصة التنقل دون حدود او قيود في أرض واحدة قسمت بفعل الاحتلال لتصبح المحتلة فلسطين.
الحنين الى تلك الأيام بدا واضحاً من خلال ما يمكن وصفها بدمعة الشوق للماضي والتقاط أبو أنس لأنفاسه وهو يحدثنا عن عمله كرقيب للسير في تلك الفترة.أبو أنس وهو من سكان الخليل في فلسطين المحتلة، والذي كان قد قدم للأردن والتحق بصفوف الشرطة في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل للعمل كرقيب سير براتب 14 دينار ونصف الدينار وهو ما كان يعتبر ذو قيمة كبيرة انذاك بحسبه.
ويكمل الحاج عبد الحميد أبو أنس حديثه ويروي لنا عن تفاصيل عيشه في الأردن وعودته بالعطل الرسمية لزيارة أهله في الخليل حيث كان يستقل حافلة من عمان الى الخليل والتي كانت تقف في مجمع بالقرب من المسجد الحسيني في وسط البلد.يستذكر أبو أنس أجرة الحافلة التي كانت بحسبه 15 قرشاً للصغار و20 قرشاً للكبار، وهو ما يعتبر أجراً مرتفعاً.
وعند سؤال الحاج أبو أنس عن قيمة العشرين قرش في ذلك الوقت أجاب بأنه كان يذهب لأحد المطاعم في وسط العاصمة فقد كان يشتري طبقاً من الأرز واللحم بالإضافة لشرب فنجان من القهوة بعد تناوله الطعام بما قيمته 6 قروش لا غير.
وعن تعامله مع سيارات الأجرة السرفيس يقول أبو أنس أن سائق هذه السيارة كانت له هيبة وكانت مهنة مميزة ولها وزنها ليست كما هي عليه الان.ويضيف أن القانون كان يسمح بوقوف عدد محدد من السيارات للتحميل وهي 5 على حسب
ذاكرته وفي حال وقوف سيارة أخرى يتم تحرير مخالفة بحق سائقها تحت بند عدم الانصياع لأوامر الشرطي بقيمة 15 قرشاً بحسبه.
من جهة أخرى يروي ضيف الله المومني الذي عمل في سبعينيات القرن الماضي مفتشاً في مؤسسة النقل العام الحكومية التي كانت تشغل نحو 250-300 حافلة. وكانت وظيفة المفتش الذي كان يوجد على الخطوط بنحو 50 مفتشا تقتضي أن يراقب على الحافلات وينظم عملها من حيث وقوفها على الدور وتحميلها.
ويصف المومني الحركة في المدينة الجبلية حيث يبدأ انتشار الركاب صباحاً من الجبال باتجاه الى المجمعات بعكس المساء حيث تنعكس الحركة .
ولم يكن في ذلك الوقت وحتى عام 1993 يوجد إلا حافلات النقل العام الكبيرة التي كانت تتسع لعدد كبير وقوفاً وجلوساً من 52 الى 75 شخص بحسب المومني .ويشير المومني الى ان الإقبال على حافلات النقل كانت كبيرة جداً حيث ان الطلاب كانوا يستخدمون وسائل النقل ويعتمدون عليها بشكل كبير مقابل الإقبال على سيارات التكسي الخاصة.
وحول تاريخ النقل في الأردن يقول مدير عمليات النقل والمرور في أمانة عمان المهندس عبد الرحيم الوريكات أنه وفي عام 1993 خصخصت المؤسسة النقل بحيث يدفع المالك بدل استثمار ومنحها عقود لمدة 15 عاما ، وفي عام 1998 تم انشاء وحدات استثمارية جديدة تم بناء عليها شراء باصات ركوب صغيرة ومتوسطة وتم منحها امتياز لمدة 10 سنوات تنتهي في 2008 حيث انتهت كافة العقود المبرمة .
وفي عام 2001 صدر قانون هيئة تنظيم قطاع النقل العام ونقلت اليها صلاحيات مؤسسة النقل العام وصلاحية وزارة الداخلية ، والتي بدأت تجدد عقود لشركات من تاريخ انتهائها وحتى عام 2018.أما تكسي السرفيس لم تزد اعداده أبدا منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الان والمقدرة بنحو 3 الاف سيارة بحسب الوريكات.
اما سيارات التكسي في عمان لغاية عام 1999 كانت نحو 5 الاف تكسي وتضاعفت حتى يومنا هذا لتصل الى نحو 10 الاف و600 تكسي .
وفي سبيعينيات القرن الماضي بدأ تنظيم خطوط النقل لسيارات الأجرة وذلك بتحديد الخط الذي تعمل عليه سيارة الأجرة أما قبل ذلك فكانت السيارة تأخذ نمرة عمومي وتعمل بها ويمكن وضعها على اي سيارة وغير محدد خطها بحسب الوريكات.
وفي عام 1974 انشئت مؤسسة النقل العام المعنية بتشغيل الحافلات في العاصمة ، فيما كانت دائرة السير تعطي صلاحية السرافيس والتكسي أما وزارة الداخلية ممثلة بلجان السير كانت تعطي قرار لتشغيل حافلات بين المحافظات اضافة خطوط في عمان ، وفي نهاية 2001 انشئت هيئة تنظيم قطاع النقل لتعنى بكافة خطوط النقل في المملكة ،الى أن انتقلت الصلاحية داخل المدينة لأمانة عمان في عام 2008 .وضمن اختصاصها في النقل قامت الأمانة خلال السنوات الماضية بوضع استراتيجية لتطوير النقل وخدماته المقدمة للمواطنين.
ووفقاً لتصريح سابق للمدير التنفيذي للنقل في الأمانة أيمن الصمادي فإن الأمانة تسعى لرفع نسبة الرحلات اليومية التي تستخدم وسائط النقل من 13% إلى 40% من خلال تشغيل خدمة باصات التردد السريع الـ BRT وربطها لاحقاً بخط مترو الأنفاق.بالشراكة مع وزارة النقل سيربط الباص السريع الممول من المنحة الخليجية العاصمة عمان بالزرقاء، وسيلتقي مع الباص السريع في مجمع الشمال بعمان ثم تقاطع عين غزال وصولا إلى مجمع المحطة.
وبدأت الأمانة مؤخراً باستكمال الأعمال الإنشائية من الحزمة الثالثة لمشروع الباص السريع على تقاطع الدوريات الخارجية كواحد من الحلول المهمة للنقل العام في المدينة وفقاً للأمانة.ووفقاً لأرقام الأمانة فان العاصمة التي وصل عدد سكانها الى نحو 4 ملايين ونيف وفق آخر احصائية تعداد سكاني العام الماضي، يوجد فيها مليون مركبة ويدخلها في ساعات الذروة ما يزيد على نحو ثلاثمئة مركبة.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات