عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jun-2018

كتاب «السيف والمرآة» للسوري علي كنعان: الحكاية مفتاح للسر الياباني

 القدس العربي-بوشعيب الساوري

إن الصفة العامة المميّزة لرحلة علي كنعان إلى اليابان «السيف والمرآة رحلة في جزر الواق واق» هي كونها تتخلق من معطفي المرئي والملتقط أثناء الاحتكاك مع الآخر، بدون أن ننسى المقروء والمسموع من الحكايات والأساطير اليابانية، ناهيك عن المحكي التاريخي الخاص باليابان الذي يتخذه الكاتب سندا لتفسير الكثير من الخصوصيات اللافتة والمميّزة للثقافة اليابانية. لذلك اختار علي كنعان، في تحويل سفره ومقامه في اليابان إلى محكي سفر، الحكاية كاختيار جمالي، مكننا من خلاله السفر معه في اليابان والغوص في ثقافتها ماضيا وحاضرا من أجل رصد خصوصياتها اللافتة. ونعتقد أن هذا الاختيار كان موفقا، لأنه كان وليد الثقافة المرتحل إليها ويعكس الخصوصيات اليابانية المغرقة في التقليد الذي لا يدير ظهره لكل ما هو معاصر وجديد.
فمما يثير قارئ هذا المحكي هو أن كل خصوصية من الخصوصيات اليابانية المميزة واللافتة للرحالة، كانت وراءها حكاية تسلط الضوء عليها وتطلع بمهمة تفسيرها. إذ عمل الكاتب على تسريد كل الخصوصيات اليابانية المميزة، من خلال حكاية أو أسطورة أو حدث تاريخي، يقدم تفسيرا لها، انطلاقا من مسلمة، وهي أن كل سمة أو ملاحظة أو خصوصية يابانية وراءها حكاية أو أسطورة تفسرها. 
قبل ذلك يطرح علي كنعان أسئلة حول الخصوصيات اللافتة للثقافة اليابانية؛ الإيجابي والسلبي منها، على جميع الأصعدة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وبعده يستحضر حكاية تاريخية أو أسطورية مفسرة لها. فيغدو وراء كل شيء حكاية، انطلاقا من الاسم اليابان الذي يرجعها القراصنة إلى «واكو واكو» التي تعني «قرصانا أو قراصنة»، حين كان العرب يسافرون في سفن صينية، وحين كانوا يلمحون مركبا للقراصنة اليابانيين كانوا يصيحون: «واكو.. واكو» ومن هنا جاءت كلمة الواق واق، التي نسج حولها الرحالون العرب القدامى الكثير من الأساطير منها جزيرة الواق واق.
الأمر الذي يجعل من رحلة علي كنعان تجميعا للكثير من الأساطير اليابانية بطريقة عفوية، بدون أن تكون له نية مبيتة في ذلك. وإنما جاء ذلك بإيعاز من فعل السفر الراغب في المعرفة، إذ أن سلوكات اليابانيين المغرقة في الخصوصية، جعلتها مغرقة في الأصالة، نظرا لارتباطها بأساطير يابانية مغرقة في القدم، فيجد الكاتب نفسه مضطرا للبحث عن حكاية تسلط الضوء عليها وتفسرها. من ذلك مثلا تمثال الكلب هاتشيكو، الذي يعد مثالا للمودة والوفاء، إذ كان يرافق صاحبه إلى محطة القطار وينتظره هناك حتى ينهي عمله، وحين مات صاحبه ظل صديقه الوفي ينتظره بالمحطة، فاعتبر رمزا للوفاء، وتخليدا لوفائه أقامت له الحكومة تمثالا من البروزنز أمام المحطة قبل سنتين من موته، وصار معلمة شهيرة مميزة لليابان إلى جانب مئات من الخصوصيات التي يكشف الحديث عنها العديد من الحكايات.
يعمل علي كنعان على تفسير الكثير من الظواهر الثقافية والحضارية لدى اليابانيين مثل الأبراج وعيد الحب ورياضة السومو وغيرها، انطلاقا من سعيه إلى إزالة اللبس عن المختلف ثقافيا. من ذلك تفسيره لشعر الهايكو: «في تقديري إن طبيعة اليابان الجبلية، بأنهارها القصيرة وجمالها الفطري العجيب الغامض، وكثرة الزلازل والأعاصير، والنزعة الصوفية لدى الشاعر الياباني، وهو في الغالب كاهن بوذي جوال، هذه العناصر كلها أوحت بابتكار هذا الشعر المكثف المدهش. إنه ابتهال آسر كإيماضة البرق في محراب الطبيعة أمّنا الخالدة.»
هناك أمر لافت في هذه الرحلة شأن الرحلات التي قام بها كتاب، من أمثال صبري حافظ ويوسف القعيد، في الغالب ما لا يكتفي بالمرئي، بل يعمل على تدعيمه وتأكيده بالمقروء الذي يكون حافزا ومفسرا فيجمع بين التاريخ والواقع؛ إذ يمهد بالتاريخ ليقدم للقارئ نظرة عن المكان وخصوصياته وتأصيلها، كل ذلك من أجل فهم السر الياباني؛ من ذلك حديثه عن نكو وكيوتو: «يحكى أن المنطقة كانت في العصور القديمة مركزا لعبادة الجبال، وكانوا ينظرون إليها بهيبة وإجلال، لأنها ملتقى الآلهة والقوى الغيبية والكائنات الخارقة. وفي سنة 766 دخلت التاريخ بفضل الكاهن البوذي شودو». ما يجسد سعي الرحالة إلى المعرفة التي يكون دافعها اللافت والمدهش.
لعل السمة الطاغية على كل الرحلات التي توجهت إلى اليابان منذ مطلع القرن العشرين هي النظر إلى اليابان انطلاقا من اصطدام الذات بالتفوق الياباني، الذي يكون مرجعه نقد الذات وما تعيشه من قهر وقمع للحريات في ظل واقع سياسي عنوانه الاستبداد، فكانت الرحلة بالنسبة للكاتب خروجا من القهر إلى الحريــــة: «كانت كلماتهم الحميمية تهنئني بالخلاص الوشيك من أجواء القهر والترصد وكتم الأنفاس، لأسرح طليقا في فضاء الحرية». انسجاماً مع عنوان هذا المحكي رحلة في جزر الواق واق، لم يكتف علي كنعان بالوقوف عند حدود الغريب والمدهش والطريف عند الآخر الياباني، وإنما عمل على التقاطه من سلوكات الناس فيقوده إلى استحضار حكاية مفسرة تكشف عن أسرار الآخر الياباني. وقد تأتى له ذلك من خلال مجموعة من الاعتبارات:
إقامته الطويلة في اليابان لأزيد من ثلاث سنوات حين كان يشتغل أستاذا جامعيا لتدريس الأدب العربي هناك،
مخالطته لكثير من اليابانيين؛ طلبة وأساتذة من الجنسين ومن فئات عُمرية واجتماعية مُختلفة،
اطلاعه على أدب وتاريخ اليابان، 
تعلّمه اللغة اليابانية،
أسفاره الداخلية في اليابان وتجواله في طوكيو وغيرها من المدن والمعالم السياحية التي سمحت له بالاقتراب أكثر من الثقافة اليابانية.
فلا يتأتى التـــقاط الطريف إلا لرحالة خبر، بما يكفي، المجتمع الياباني وخصوصياته الثقافية والحضارية، قــــراءة ومعايشة وتفاعلا، وذلك مرتبط بمدة الرحلة كما يقول: «هي رحلة في وليست رحلة إلى، لأن المقصود ما خبرته في ذلك المكان، وليس المكان ذاته». فقد دام مقامه في طوكيو ثلاث سنوات.
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات