عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Dec-2017

خرافتان عن الأتمتة

 الغد-باري إيشنغرين

بيركلي - يَعِد التعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، والربوتات  بتغيير طبيعة العمل بشكل جذري. ويعلم الجميع ذلك –أو يعتقدون على الأقل أنهم يعلمون ذلك.
يعتقد الناس أنهم على علم بأمرين. الأمر الأول، أن هناك وظائف مهددة أكثر من أي وقت مضى. وقد أعلنت شركة "فورستر بريدكتس"، أن "آلية الذكاء الاصطناعي سوف تقضي على 9 % من وظائف الولايات المتحدة في العام 2018". وأعلنت شركة "ماكينزي" أنه "من المحتمل أن يصبح ثلث العمال في الولايات المتحدة عاطلين عن العمل بحلول العام 2030 بسبب التشغيل الآلي".
تترك مثل هذه التقارير الانطباع بأن التقدم التكنولوجي وتدمير الوظائف في تسارع كبير. ولكن لا يوجد دليل على ذلك. وفي واقع الأمر، ظلت الإنتاجية الكلية للعامل، وهي أفضل مقياس موجز لوتيرة التغيير التقني، في حالة ركود منذ العام 2005 في الولايات المتحدة وفي البلدان المتقدمة.
وعلاوة على ذلك، وكما أشار مؤخراً الاقتصادي تيموثي تايلور، فإن معدل التغير في الهيكل المهني، الذي يعكس القيمة المطلقة للوظائف المضافة في المهن المتنامية والوظائف التي فقدت في المهن المتدنية، آخذ في التباطؤ، ولم يعرف أي تقدم منذ الثمانينيات. وهذا لا ينكر أن الهيكل المهني آخذ في التغير. ولكنه يثير التساؤلات حول الرأي السائد حول ما يوصف بسرعة وتيرة التغيير.
والأمر الثاني، أن الوظائف الآمنة سابقاً أصبحت الآن في خطر. في الماضي، كان من الممكن القول بأن الروبوتات ستحل محل العمال الذين يشتغلون في مهام روتينية، ولا يقصد بذلك ذوي المهارات العالية والمتعلمين -مثل الأطباء والمحامين والأساتذة. وحسب ما قيل، فاٍن الآلات ليست قادرة على الإلمام بالمهام التي يكون فيها التعاطف، والرحمة، والحدس، والتفاعل بين الأشخاص، والاتصالات، أشياء أساسية. ومع ذلك، فإن هذه الامتيازات آخذة في الانهيار. فقد أطلقت أمازون مؤخراً جهازاً جديداً يدعى "أليكسا"، والذي يمكنه التواصل. ويساعد جمع المصادر، جنباً إلى جنب مع التاريخ الرقمي للمرء، في استشعار عادات الشراء. ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لقراءة الأشعة السينية وتشخيص الحالات الطبية. ونتيجة لذلك، يجري حالياً تحويل جميع الوظائف، حتى وظائف الأطباء والمحامين والأساتذة.
لكن تحوّل الوظائف لا يعني أن الوظائف أصبحت مهددة. صحيح أن الآلات هي بالفعل أكثر كفاءة من المساعدين القانونيين في البحث عن السوابق القضائية. ولكن انسجام المحامية مع شخصية موكلها ما يزال يلعب دوراً لا غنى عنه في تقديم المشورة لشخص يفكر في الطلاق، سواء كان ذلك للتفاوض أو أو التسوية الخلاف، أو الذهاب إلى المحكمة. وبالمثل، يمكن الجمع بين معرفة المحامي لشخصيات المتقاضين في دعوى مدنية أو قضية جنائية والبيانات والتحليلات المهمة عندما يحين الوقت لاختيار لجنة التحكيم. وهكذا، فإن الوظيفة تتغير، ولا تختفي.
تشير هذه الملاحظات إلى ما يحدث حالياً في سوق العمل. ولا يتم استبدال مساعدي الممرضات بروبوتات الرعاية الصحية. بدلاً من ذلك، تتم إعادة تعريف عمل مساعدي الممرضات. وسوف تتم إعادة تعريف مهامهن باستمرار بينما تتطور قدرات الروبوتات من مساعدة المرضى على النهوض من السرير إلى تنفيذ جلسات العلاج الطبيعي وتوفير الدعم العاطفي للمكتئبين والمعاقين.
هذا الخبر سار بالنسبة لأولئك المهتمين بآفاق العمال الحاليين: سوف يستمر الطلب على العمال في المهن الحالية. وليس من الضروري أن يصبح كل مساعدي الممرضات مهندسي برمجة. فالخبرة التي يكتسبونها في العمل -كيف يتفاعل المرء مع المرضى، وكيف يتعرف على حالتهم المزاجية، وكيف يعرف احتياجاتهم- ستكون مفيدة وقيمة. وسوف يستخدمون تلك المعرفة للتوجيه والتعاون مع زملائهم الآليين.
وهكذا، فإن التحول التكنولوجي القادم لن يعيق التحولات المهنية على حساب الثورة الصناعية، مع إعادة التوزيع الشامل بين القطاعات الزراعية والصناعية. وعلى كل حال، فإن معظم الأميركيين يعملون بالفعل في قطاع الخدمات. ولكن، سيكون من المهم أكثر من أي وقت مضى أن يعمل الناس من جميع الأعمار على تحديث مهاراتهم وتجديد تدريبهم باستمرار، بالنظر إلى كيفية استمرار إعادة التكنولوجيا لتشكيل مهنهم.
في بلدان مثل ألمانيا، يتلقى العمال في قطاعات متنوعة التدريب كمبتدئين ومن ثم على مدى حياتهم العملية. وتستثمر الشركات في عمالها وتعيد تكوينهم، لأن العمال يمكنهم الإصرار على البقاء في وظيفتهم، ويمتلكون بذلك مقاعد في مجلس الإدارة نتيجة لقانون تحديد الأهلية للعام 1951. وتنضم جمعيات أرباب العمل إلى نقابات عمالية قوية لتنظيم وإدارة مخططات تدريبية على المستوى القطاعي. وهذه الخطط فعالة، جزئياً، لأن الحكومة الاتحادية تضع معايير لبرامج التدريب وتصدر مناهج دراسية موحدة للمتدربين.
وفي الولايات المتحدة، لا تشكل عضوية مجلس الإدارة لممثلي العمال، والنقابات القوية، والتنظيم الحكومي لتدريب القطاع الخاص جزءاً من الصيغة المؤسسية السائدة. ونتيجة لذلك، تعامل الشركات عمالها كأجزاء يمكن التخلص منها، بدلاً من الاستثمار فيها. والحكومة لا تفعل شيئاً حيال ذلك.
وهذه فكرة جيدة. فبدلاً من "الإصلاح الضريبي" الذي يسمح للشركات بفرض نفقات رؤوس أموالها على الفور، لماذا لا تُمنح للشركات امتيازات ضريبية لتغطية تكلفة التعلم مدى الحياة لموظفيها؟
 
*أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورني بيركلي، ومستشار كبير في مجال السياسات في صندوق النقد الدولي. كتابه الأخير هو "قاعة المرايا: الكساد العظيم، الركود الكبير، واستخدام-وسوء استخدام- التاريخ".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات