عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2018

الناقد عبد علي حسن: الرواية العراقية المعاصرة تعيش عصرها الذهبي

 القدس العربي-حاوره: علي لفته سعيد

عبد علي حسن، ناقد عراقي يكتب النقد منذ عام 1973، كما أصدر عدة مؤلفات مهمة، منها .. «الدراما والتطبيق» عام 2010 وكذلك «تحولات النص السردي العراقي» عام 2012، «سرد الأنثى» عام 2016. «الشاهد والمشهود» وهي مجموعة مسرحية كانت موضوعا لنيل شهادة الماجستير في جامعة البصرة 2017 وله تحت الطبع كتاب نقدي بعنوان «سلطة القراءة». وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وعضو رابطة النقاد والأكاديميين ونقابة الفنانين العراقيين.
عن سيرته ومسيرته كان الحوار التالي..
 
■ ماذا عن بدايات وتحولات مسيرتك النقدية؟
□ كانت سنوات السبعينيات من القرن الماضي سنوات حراك ثقافي متسع، شمل مجمل الأنشطة الثقافية، كما تشكلت بعض المؤسسات الثقافية التي جمعت شمل الأدباء والفنانين، ففي مدينتي بابل تشكلت (ندوة عشتار) وقد أسهمت في بعض جلساتها شاعرا، إلا أن علاقتي الوطيدة بالمسرحيين جعلتني على مقربة من فن المسرح، الذي اكتشفت أسراره في ما بعد، وقد وجدت اهتمامي ينصب على المسرح نقدا عبر تبني منهج النقد الاجتماعي، الذي يهتم بالمضمون دون الشكل، بعده مستتبعا للتحول في المضمون، وبذا بدأت خطواتي النقدية الأولى عبر بوابة المسرح إلى جانب نشاطي في مجال الشعر، وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وبعد دخول المناهج النقدية الحديثة كالبنيوية وما بعدها، صار الاهتمام بتلك المناهج درسا وتدبرا، ما مهد الطريق لدخول ميدان النقد الأدبي عبر تبني منهج البنيوية التكوينية، التي وجدتها قريبة من الفكر الماركسي وتطويرا للمنهج الاجتماعي الذي أرسى قواعده بليخانوف ولوكاتش، ونتج عن اهتمامي بالنقد المسرحي صدور كتابي النقدي الأول «الدراما والتطبيق» .
■ النص أم المنهج هو المحفز النقدي؟
□ كما في المنجزات الإبداعية الأخرى كالشعر والقصة والرواية وغيرها، فإن النص النقدي هو نص إبداعي يتضمن رؤية أو وجهة نظر، وهنا يحضر اختيار المنهج النقدي الذي يفتح الأبواب واسعة أمام الناقد، ليتمكن من طرح رؤيته النقدية والفكرية والجمالية، وبهذا الصدد ممكن عد النص المنقود ذريعة لطرح رؤية الناقد بعده قارئا مثاليا يستدعي كل مرجعياته الفكرية والجمالية في تفاعله مع النص تأويلا. فالنقد يتجاوز متابعة أثر الآخر انطباعا او تذوقا، إلى تفعيل المنهج باتجاه تخليق رؤية الناقد عبر تحليل النص وفق ما تسمح به موجهات المنهج المتبع. وقد أتاحت تعددية المناهج النقدية الحديثة وما بعد البنيوية بشكل خاص، الحرية أمام النقد في اختيار المنهج المناسب لمقاربة أي نص إبداعي، بسبب من أن تلك المناهج تشترك في قاسم واحد وهو الاهتمام بالمتلقي – وهنا الناقد بعده قارئا- عبر التفاعل مع النص الإبداعي للمساهمة في إنتاجه عبر فعالية التأويل، لذا فإن اختيار المنهج يستتبع إمكانية تحقق رؤية الناقد، وأجد أن الحالة الثانية هي الأقرب إلى تشكل الرؤية النقدية.
■ وما هي مواصفات الناقد؟ وهل النقد حكر على أهل الحقل الأكاديمي؟
□ تنبع أهمية هذا السؤال من شيوع مفهوم احتكار النقد عند الحاصلين على شهادة أكاديمية، ماجستير أو دكتوراه، وهذه النظرة يحاول البعض من الأكاديميين تكريسها، وهي بالتأكيد نظرة قاصرة وغير صحيحة، إذ أن إمكانية إنتاج نص نقدي لا توفره الدراسة الأكاديمية التي توفر له شروط كتابة البحث الأدبي فقط، وهنالك فرق كبير بين الباحث والناقد، إذ أن شيوع المناهج النقدية ومصادر دراستها متوفرة في كل المكتبات، وبإمكان أي ناقد الحصول عليها ودراستها بتدبر، يدعم الموهبة النقدية التي يتمتع بها الناقد، والدليل أن هنالك المئات بل الآلاف من الرسائل الجامعية وأطاريح الدكتوراه الممنوحة بفلسفة النقد وسواها، إلا أن من حصل على تلك الشهادات لم يكن له دور فاعل في المشهد النقدي، والعكس هو الصحيح، إذ أننا نجد من يمتلك الرؤية النقدية السليمة المدعمة بالمنهج والموهبة هو خارج أسوار الجامعة، ويقوم بدور فاعل ومؤثر في الجهد النقدي المعاصر، ذلك لحيازة هذا الناقد المواصفات التي جعلته في منطقة التأثير، ومن هذه المواصفات المعرفة الدقيقـة بالتوصيفات الإجناسية للنصوص الإبداعية وقــــواعد كتابتها القارة في النظرية الأدبية، فضلا عن معرفته بتأريخـــية الأجناس الأدبية وأنواعها، ومحايثته لكل ما هو جديد في ظهور هذه الأجناس والإضافات المقترحة لها، وكذلك قدرته على استخدام اللغة وأسرارها التعبيرية البلاغية وسواها، وفوق كل ذلك حضور الموهبة النقدية التي توفر له التقاط ما هو مبتكر ومؤثر في النص المنقود.
■ وماذا عن الصراع بين النقاد أنفسهم؟
□ ليست القضية قضية صراع بين النقاد حول الحيازة المنهجية، بقدر ما هي التسليم بضرورة حضور المنهج في أي مقاربة نقدية، إذ أن أفول نجم النقد الانطباعي والنقد الاجتماعي اللذين سادا الساحة النقدية حتى ثمانينيات القرن الماضي، وظهور البدائل المنهجية الحديثة البنيوية وما بعد البنيوية، قد فرضا وضعا جديدا يحتم على الناقد أن يتجه صوب الجديد من هذه المناهج التي أتاحت أكثر من زاوية نظر إلى النص الإبداعي، وعلى الرغم من مثول هذه الحقيقة التي لا يمكن التغافل عنها أو إهمالها، فإننا نجد صحفنا الثقافية وحتى الدوريات الثقافية تضج بالعديد من النصوص النقدية المشتغلة، وفق موجهات النقد الانطباعي/الذوقي والنقد الاجتماعي/السياقي، وفي ذلك ضرر وخلل في ظهور تصور حداثوي واحد ينطلق من الإمكانيات الكبيرة التي وفرتها المناهج النقدية الحديثة، وأرى أن فرص التحدي – بديلاً عن الصراع ـ تدور حول قدرة هذا الناقد أو ذاك على تفعيل المنهج إبداعيا، للوصول إلى قراءة جديدة تسهم في إعادة إنتاج النص من جهة، وإثراء الذائقة المعرفية والجمالية لمتلقي النص النقدي، والأمر بحاجة الى موهبة نقدية لتنقل الاشتغال النقدي من منطقة التقويم إلى منطقة التحليل وفق المنهج المتبع، وبذا سيكتمل بناء النص النقدي بحضور المنهج والموهبة النقدية، وهذا ما نلمسه في العديد من الدراسات النقدية الأكاديمية الزاخرة بالجهد التنظيري الحاضر والجاهز، في العديد من المصادر والمراجع، إلا أنها تفتقر إلى الموهبة النقدية في استخدام المنهج، للوصول إلى أبعد نقطة في ثنايا النص الإبداعي.
■ في كتابك «تحولات النص السردي العراقي» هل توصلت إلى تحديد ملامح هذه التحولات؟
□ لقد كان الكتاب دخولا إلى بنائية النص السردي العراقي المعاصر رواية/ قصة قصيرة/قصة قصيرة جدا، وقد تمكنا في هذا الرصد للتحولات الجارية في النص السردي من تكريس ظهور تجارب سردية جديدة على سبيل تجاوز المنجز الموضوعي، الذي ساد في حقبة سابقة، ووجدنا أن ملامح تلك التحولات قد تمظهرت في اعتماد النصوص السردية الآليات الحديثة في السرد والمتجاوزة للسائد، ففي المجال الروائي وجدنا خرقا للبنى التقليدية والمستهلكة في بناء الرواية كخرق التتابع الكرونولوجي واللعبة الميتاسردية وتحقيق الهوية السردية لعدد من التجارب المهمة للروائيين العراقيين، كالروائي أحمد خلف وحنون مجيد وعلي بدر وسواهم. وقد كان للمنجز السردي الأنثوي حصة في كتابنا، حيث تم تحليل النماذج السردية لعدد من القاصات والروائيات العراقيات كالروائية لطفية الدليمي وإلهام عبد الكريم وفليحة حسن وسواهن وفق موجهات النقد النسوي المعاصر.
■ وماذا عن مصطلح (الرواية الإفصاحية) الذي أطلقته مؤخراً وتباينت ردود الأفعال حوله؟
□ المناهج ليست نصوصا مقدسة تحرّم الإضافة والتطور من خارج المنظومة النقدية المؤسسة – الغرب ـ وهذا ما حصل لي عند اطلاعي على ما تيسر من الروايات العراقية الصادرة بعد عام 2003 وحتى 2017، فوجدت أن عددا من هذه الروايات تشترك بخصائص متشابهة، فكان ظهور ما سميته (الرواية الإفصاحية) وطرحته من خلال بحث مطول نشر ضمن الكتاب الخاص بمؤتمر السرد الثاني في بغداد في مايو/أيار 2017 تنظيرا وتطبيقا على ثلاثة نماذج روائية هي «ملوك الرمال» لعلي بدر و«يا مريم» لسنان انطون و«فندق كويستيان» لخضير فليح الزيدي، وهنالك عدد كبير من الروايات العراقية تقع ضمن هذا التوصيف، الذي يشير إلى أن الرواية الإفصاحية تتكون من نصين متداخلين الأول تخيلي يتمثل الواقع واقعيا، أو عجائبيا. والنص الثاني إفصاحي يكشف عن حدث أو أحداث حصلت فعلا على أرض الواقع ومستقرة في الذاكرة الجمعية، وتشكل هذه الروايات عبر هذا المنحى البنائي جسرا مع المتلقي استفادة من الأحداث المعاصرة التي يعيشها المتلقي العراقي، وربما هو أحد شخوصها، وقد أيد من أيد من المشاركين في المؤتمر هذا الجهد. أما المعارضون فهم لم يدرسوا البحث دراسة جيدة تمكنهم من الوقوف على صحة ما ذهبنا إليه، متصورين أننا ندعو إلى رواية وثائقية خالية من الإبداع الفني الروائي، متغافلين الفرق الكبير بين الرواية الوثائقية الجديدة والرواية الإفصاحية.
■ كيف تـــرى الرواية العراقية المعاصرة؟ خاصة روائيي الداخل الذين يعانون عدم الانتشار العربي والعالمي؟
□ الرواية العراقية المعاصرة تعيش عصرها الذهبي مقارنة بموقعها خلال الحقب السابقة، واستطاعت من أن تحول بوصلة اهتمام المتلقي العراقي إلى ناحيتها، وتمكنت من أن تحول المقولة المعروفة بأن الشعر ديوان العرب إلى الرواية ديوان العرب، وتمكنت هذه الرواية أن تحقق حضورا عربيا لافتا للنظر خلال مدة وجيزة لا تتعدى سنوات عشر من خلال حضورها في الجوائز العربية للرواية كالبوكر وكتارا، كما أنها حققت حضورا عالميا، كما جرى مؤخرا بصعود رواية «فرنكشتاين في بغداد» في القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر العالمية. وأرى ان الرواية العراقية في حاجة إلى فك الحصار الإعلامي عنها حكوميا وتوجه المترجمين العراقيين إلى ترجمة الروايات العراقية المهمة، وتوجه دور النشر العراقية والعربية إلى المساهمة في المعارض العربية والعالمية للكتاب لتأخذ الرواية العراقية المعاصرة موقعها الذي تستحق.
■ ما الذي ينقصنا لتكون لدينا هوية نقدية عربية؟
□ تتمتع المناهج النقدية بخاصية عالمية، والدليل هو ترحيل هذه المناهج التي أنتجت في أوروبا إلى كل المجتمعات الإنسانية التي هي الأخرى أضافت عليها تبعا لما يطرح في المنجز المحلي، الذي يتمتع بهوية مجتمعية خاصة، وهنالك جهد نقدي عربي مزج بين ما يزخر به التراث النقدي العربي والنقد الجديد، وهنالك من اجترح آلية مجتزأة من منهج ما ليستثمر موجهاته في مقاربته النقدية، إنه جهد إنساني فتح أبواب الاجتهاد والإضافة لمن يمتلك قوة الاجتهاد، ليسم به الجهد النقدي المحلي الذي لم يجد في سكونية الدرس البلاغي العربي القديم ما يعينه على مقاربة النص الإبداعي المعاصر، وأي إضافة في هذا الخصوص تعد رسم ملامح لهوية نقدية عربية تنبع من تأكيد هوية المنجز الإبداعي.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات