عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jan-2017

رحيل رفسنجاني رجل فلسطين في إيران*د. سعيد الشهابي

القدس العربي-في الاسبوع الماضي رحل رئيس مجلس مصلحة النظام في إيران، آية الله الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني نتيجة إصابته بأزمة قلبية. وبعد يومين شيع إلى مثواه الاخير بجانب قبر الامام الخميني. وبرحيله خسرت جمهورية إيران الإسلامية وثورتها واحدا من اقوى اعمدتها، ودفع للتساؤلات عن «قادة المستقبل» في هذا البلد الذي يختلف عن بقية دول المنطقة برمزيته الدينية وسياساته المناكفة للنفوذ الغربي في المنطقة ورفضه الاعتراف بالكيان الاسرائيلي.
وبدا الحزن واضحا على قائد الجمهورية، آية الله السيد علي خامنئي، الذي كان الفقيد رفيق دربه، برغم ما اعترى تلك العلاقة من تصدع في السنوات الاخيرة. رفسنجاني دخل ميدان الصراع ضد نظام الشاه منذ اكثر من نصف قرن، وقضى حوالي خمسة اعوام في سجون السافاك، بينما كان يتلقى تعليمه الديني على ايدي فقهاء كبار من بينهم الامام الخميني.
وبعد سقوط نظام الشاه قام بادوار عديدة اولها رئاسة البرلمان لدورتين ثم رئاسة الجمهورية لدورتين ايضا، حسب نص دستور الجمهورية الإسلامية التي تحدد رئاسة الشخص بدورتين فقط. وما اكثر ما كتب حول شخصية رفسنجاني، وادواره العديدة قبل الثورة وخلال الحرب العراقية ـ الإيرانية ودوره في ما سمي قضية «إيران ـ كونترا» في 1985. وكانت الازمة التي صاحبت الانتخابات الرئاسية في العام 2009 آخر المحطات المهمة في تاريخ الرجل الذي دار اللغط حوله بسبب ما ظهر من انحيازه لتيار الاصلاحيين. وبرغم تداعيات تلك الازمة فقد استطاع العودة إلى الحياة العامة وكأن شيئا لم يكن.
يمكن القول ان من بين السمات المهمة التي كانت جلية في شخصية هذا المسؤول الإيراني الكبير ارتباطه بالقضية الفلسطينية قبل الثورة وبعدها. وهنا من الضرورة بمكان ان يبادر علماء الامة ومثقفوها لاعادة السجال حول هذه القضية التي ستبقى محورية في حياة امتي العرب والمسلمين، برغم محاولات تهميشها وابعادها عن الاضواء والاهتمام الشعبي. رفسنجاني بدأ رحلته بشكل جاد مع هذه القضية في منتصف السبعينات، بعد ان تابعها شابا وقرأ عنها في ما كان متيسرا من مصادر خبرية آنذاك. في تلك الفترة قام بزيارة إلى لبنان والتقى عددا من القيادات الفلسطينية واللاجئين في المخيمات، بالاضافة لعدد من الإيرانيين الذين سبقوه لها، مثل مصطفى جمران الذي اصبح وزيرا للدفاع لاحقا ثم لقي مصرعه على جبهات الحرب. يومها كان الزعيم اللبناني، السيد موسى الصدر قد أسس حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) وكان على تواصل مع الفلسطينيين نظرا لتقاطع شؤون الطرفين خصوصا في الجنوب اللبناني. رفسنجاني احتضن القضية خصوصا بعد ان التقى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيروت. وكما جاء في كتابه «حياتي» الذي أرخ فيه تاريخه النضالي، فقد اصبح اكثر وعيا للخطر الصهيوني في المنطقة واعمق شعورا بضرورة اطلاع الرأي العام الإيراني عليها. في تلك الفترة كان نظام الشاه حليفا للكيان الاسرائيلي، يزوده بالنفط ويتيح له فرص الاستثمار والتعامل التجاري. كما كان جهاز الموساد يعمل بنشاط في الساحة الإيرانية، يتابع المعارضين ويثير الفتنة المذهبية بشكل واضح. وكثيرا ما اشار المفكر الإيراني، علي شريعتي، الذي توفي في ظروف غامضة في 1977 إلى دور القوى الغربية خصوصا الاسرائيلية في اثارة الفتنة المذهبية لالهاء المسلمين عن فلسطين واشغالهم داخليا.
ما بين منتصف الستينات ونهاية السبعينات تصاعد وعي الإيرانيين الوطنيين والثوريين وتضامنهم مع المقاومة الفلسطينية. فحاول عدد كبير من الشباب المنتظمين في مجموعات سرية ثورية أو كأفراد متعاطفين مع الثورة الفلسطينية الذهاب إلى اماكن وجود الفلسطينيين للالتحاق بصفوف المقاومة، وساهم مثقفوهم في تثقيف الرأي العام الإيراني واطلاعه على نضال الشعب الفلسطيني ودعمه إعلامياً وعسكرياً ومادياً وثقافياً. واختلط الدم الإيراني بالدم الفلسطيني حيث عمل وقاتل بعض الإيرانيين إلى جانب الفلسطينيين في الأردن ولبنان. اما داخل إيران فقد اكد احد رؤساء وزراء الشاه، أسد الله علم، في مذكراته التي نشرت قبل اكثر من 15 عاما المحاولات الكثيفة لكشف علاقة الشاه بالكيان الاسرائيلي ومنها ما يلي: الزيارات السرية التي قام بها مسؤولون اسرائيليون مثل ليفي اشكول وغولدا مائير واسحاق رابين، والاتفاق على مشروع مشترك لبناء انبوب نفط بين إيران والاراضي المحتلة، وتكريم رئيس اركان الجيش الاسرائيلي، دافيد أليعازر، في طهران، ومنح ميدالية التارج لممثل «اسرائيل» في إيران المدعو «عزري». وفي أيلول/ سبتمبر 1969 دوت الشعارات المنددة بـ»اسرائيل» أثناء مباراة بين الفريقين الإيراني والاسرائيلي. وخرجوا بعدها في شكل تظاهرة نادرة في إيران الشاه. وبعد سقوط الشاه كان الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية عارما، فتم اغلاق السفارة الاسرائيلية واستبدالها بسفارة منظمة التحرير الفلسطينية
رفسنجاني كان سياسيا من نمط خاص. في البداية رأى ان مهمته تتطلب بث الوعي في المجتمع الإيراني تجاه القضية الفلسطينية. واعتبر ان الاهم بث ذلك الوعي في الاوساط الدينية خصوصا بين الفقهاء في مدينة قم. وكان متأثرا بمواقف الامام الخميني الذي التفت لقضية الفلسطين مبكرا، وبدأ في الستينات باصدار البيانات والمواقف حول القضية. فاصدر نشرة للتوعية تناول فيها الحركات التحررية خصوصا الفلسطينية، وبثها في اوساط العلماء، الامر الذي ادى تدريجيا إلى تصاعد اهتمامهم بتلك القضية. كان يعتقد ان فلسطين يجب ان تحظى باهتمام القادة الدينيين القادرين على توجيه الجماهير نحوها وتعبئة طاقاتهم لدعم نضال شعبها. وكان يرى ان جهاز الموساد كان وراء الكثير من خطط تمزيق الامة لمنع التلاحم بين الشعب الإيراني مع الشعوب العربية وحرمان القضية الفلسطينية من وحدة مواقف المسلمين وتصديهم بشكل جماعي للاحتلال. وفي العام 1965 ترجم كتابا عن تاريخ فلسطين للسياسي الاردني (من أصل فلسطيني) أكرم زعيتر وعنوانه: «القضية الفلسطينية» إلى الفارسية، طبع سنة 1955 وترجمه موسى خوري إلى الإنكليزية سنة 1958. وقد اعتقل رفسنجاني بسبب ذلك ولكنه بقي مناصرا للقضية الفلسطينية قبل الثورة. وما ان سقط نظام الشاه في العام 1979 حتى كان ياسر عرفات اول من استقبل في طهران. وتظهر صور تلك الزيارة الزعيم الفلسطيني محاطا بالمسؤولين الإيرانيين خصوصا الشيخ رفسنجاني. ولم يعد خافيا ان السياسة الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية، التي ساهم رفسنجاني في بلورتها من اهم اسباب القطيعة بين الدول الغربية وإيران، ولولا تلك السياسة لما استهدف المشروع النووي الإيراني بالطريقة التي حدثت.
وفي مقابلة مع وكالة انباء تسنيم في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2013 قال آية الله رفسنجاني ان تاريخ قيام كيان الاحتلال الصهيوني يدعو للتأمل والاعتبار، وقال: «ان المستعمرين الغربيين ومن اجل ان يريحوا انفسهم ازاء اليهود، قد رموا نار هذه الفتنة في احضان المسلمين، للابقاء علي اليهود وهم في منتهى الراحة». ووصف اية الله رفسنجاني «عصبة الامم» سابقا ومنظمة «الامم المتحدة» حاليا بانهما اداة قانونية لممارسة الظلم ضد الشعب الفلسطيني، وقال: رغم ان احد مندوبي الامم المتحدة قتل في طريق العدالة وفي الدفاع عن الشعب الفلسطيني من قبل فرق الاغتيال الصهيونية إلا انه جعل بريطانيا وصية على فلسطين، كانت البداية لجريمة تاريخية مازالت مستمرة في الاراضي المحتل». لقد كان رفسنجاني «فلسطينيا» في هواه وتوجهاته وسياساته. وتناغم في ذلك مع بقية رموز الثورة الذين لم يتأرجحوا في مواقفهم ازاءها، بل ما تزال إيران لا ترفض الاعتراف بـ «اسرائيل» او ترفض اقامة العلاقات معها فحسب، بل انها لا تخفي أملها في زوال دولتها. الخطاب الإيراني قد يبدو غريبا في عالم تحكمه انظمة الهيمنة الغربية وحكومات الاستبداد العربية، ولكن هناك من رمز التحرر الوطني من يهتف باسم فلسطين وحريتها. ففي الاسبوع الماضي طلب السيد جاكوب زوما (رئيس جنوب افريقيا) من مواطنيه عدم زيارة «اسرائيل» وذلك لكي يظهروا التضامن مع الفلسطينيين. كان رفسنجاني مناضلا حقيقيا من اجل فلسطين، فيما لاذ الكثيرون بالاستسلام للمحتلين بدون خشية او خجل. أما حان الوقت لصحوة ضميرية تحرر الاقصى وتضفي على القدس جمالها وجلالها كعاصمة للاديان جميعا؟
 
٭ كاتب بحريني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات