عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jul-2018

جمال ناجي .. تشيخ الذئاب ولا تشيخ الكلمات

 الدستور-ياسر العبادي

بدعوة من وزارة الثقافة، ورابطة الكتاب الأردنيين، والمركز الثقافي العربي، أقيم مساء يوم أمس الأول، في المركز الثقافي الملكي، حفل تأبين الأديب الراحل جمال ناجي، بمشاركة: وزيرة الثقافة السيدة بسمة النسور، والأستاذ محمد داودية رئيس مجلس إدارة جريدة الدستور، وسعد الدين شاهين نائب رئيس رابطة الكتاب، والأديب جمال القيسي رئيس المركز الثقافي العربي، والروائي هاشم غرايبة، والناقد فخري صالح، وقدم كلمة نيابة عن آل الفقيد نجل الراحل مهند جمال ناجي، في حفل مهيب أداره الفنان زهير النوباني، وتخلله فقرات موسيقية قدمها نجل الفقيد حسان جمال ناجي وعزف مقطوعة عالمية للفنان الإيطالي جولياني، وقدمت الفنانة أمل ابراهيم أغنية «إني أحبك»، وهي من كلمات الروائي جمال ناجي وألحان فتحي الضمور وقام بتوزيعها الموزع بهاء داود.
وزيرة الثقافة: وعي عميق بالحياة:
وقالت الوزيرة النسور: «نستذكر اليوم قامة إبداعية كبيرة بذلت روحها المتقدة على مدى عمر من القلق، جمال ناجي الذي رحل عنا صامتًا قبل أن يرتب أوراقه الاخيرة قابضًا على آخر مفردات البوح.
وأضافت: «لم يكن جمال ناجي مبدعا عابرا، بل امتلك وعيا عميقا بالحياة ومعاركها المتصلة، وبأن الإبداع رهان الحاضر لمستقبل أكثر اشراقًا في قادم العمر، حين تحقق شرط امتلاك الحرية والتعبير الصادق، والاتكاء المعرفي والوجداني على الجذور والهوية، لرسم معالم المدنية والمؤسساتية وديمقراطية الحوار،  لم يمارس التنظير، أو الخواء الحكائي، ولم  يتعال مكابرا بذريعة التفوق، كان يجسّد أفكاره النضالية في مجمل أعماله الروائية والقصصية، كما في «ليلة الريش» و»عندما تشيخ الذئاب» بلغة موحية وسرد متصل بشرايين الدفق، والنبض، والتجارب الحياتية التي تمده بضوء خفي.
جمال ناجي كان من الفاعلين في وزارة الثقافة على مدار الحلم والحنين، في العديد من لجانها العاملة، وقد ترأس فيها تحرير مجلة أفكار، ليعمل بجد وإخلاص نحو إطلاقها في فضاء حر، والعمل الصبور مع هيئات تحريرها لترسيخ الإبداع العالي والمضي نحو الدولة المدنية، التي تُعلي من شأن الإنسان وتحقق العدالة والمساواة، وتناهض التطرف وأحادية الرأي، وظلاميات التفكير. وكان نقابيا عتيقا، منافحا عن حقوق المثقفين، مؤسسا لحالة إبداعية أصيلة، لا زيف فيها، في كل ما تقلد من مناصب، وبالأخص حينما ترأس رابطة الكتاب الأردنيين لدورات عديدة، استطاع حينها أن يرسخ الفعل النقابي كحالة من الديمومة والنشاط الذي يفتح النوافذ على الحرية والجمال».
وأشارت الوزيرة، حينما نستذكر مشروع جمال ناجي الإبداعي، لن نمر عابرين، ونكتفي بالحزن والكلام المجاني، بل سنعود في وزارة الثقافة إلى منجزه السردي قراءة وتحليلا، لنسلط الضوء على أعماق تجربته الإبداعية لاكتشاف المزيد من الأفكار التنويرية، وأساليب السرد الجميل، وسنعقد العديد من الندوات حول هذه التجربة الرائدة، التي شكلت حضورها الجمعي محليا وعربيا، ولعل إطلاق العدد الخاص من مجلة أفكار حول تجربة الراحل يأتي في هذا السياق من المحبة والوفاء».
 داودية: الكاتب المبتكر والعملاق
من جانبه قال الأستاذ داودية: عرفت جمال ناجي منذ 40 عاما، صديقا طيبا وقورا هادئا، صديقا تقدميا وازنا، كاتبا مثابرا متحررا من المراوغة والمراوحة بين الخلق والاختلاق، كان ملهما خلاقا وابتكاريا وذا عزم ودأب، متأنيا أناة الصائغ والنحات فبذرة الفنان في جمال قادته مبكرا إلى الفنون التي درسها في معهد معلمي عمان، لم يكن مفرطا في طاقته لكنه كثفها في أعمال حملت شكله وطبعه وموقفه التقدمي الجلي».
وأضاف داودية، هذا الودود المتأمل كان إنسانا رائقا بعيدا عن الصخب غير مدو. وكان مجددا دقيقا في ما تعاملت معه فيه، عملنا معا في تأسيس البنية الفكرية والأخلاقية والوطنية والقيمية لوزارة التنمية السياسية عامي 2003 و2004، وكان مستشارا يستشار قدم للوزارة جملة من الآراء والأفكار والمقترحات السخية التي مكنتني من الحفاظ على وتائر جادة وعلى منهجية عمل علمية وعلى إيقاع متزن مستقل للوزارة التي شهدت حربا ضارية من يومها الأول.
وأضاف داودية: «لقد ظل جمال نعم السند النزيه الموثوق في كل ما احتجته من قضايا وخاصة في طلبي رأيه والتمني إليه مراجعة « السيرة الروائية» التي أكتبها كل يوم أربعاء في الدستور فقدم لي آراء أدهشتني في أهميتها وحين تولى رئاسة تحرير «افكار» بث فيها روح العصر والحداثة والثقافة المدنية الضرورية. نتحدث عن الحياة الجميلة التي إنحاز لها جمال مقاوما أعداءها فيما كتب، أما الموت فقد مسه كالخدر والنعاس وفي أمثالنا نقول عن الشخص الوثير الكثير الوفير «بفوت فيك زي النعاس»، لقد فات فينا جمال مثل النعس، كان دافئا كل عمره وكان دافئا على عادته حينما سحبته من ثلاجة مستشفى حمزة قبلت جبهته فوجدته دافئا متأملا مندهشا صامتا وحزينا كعادته وأظنني لمحته مرتاحا، ولا أظنه سئم الحياة كما فعل زهير بن أبي سلمى الذي قال: «سئمت تكاليف الحياة ومن يعش.. ثمانين حولا لا أبا لك يسأم»، لم يكرر جمال نفسه لكنني أرجو أن يتكرر في المستقبل هذا الكاتب الفذ العملاق الذي ظل ينتقل صعودا صعودا إلى أن انتقل النقلة الأخيرة، لقد خسرت الثقافة الحداثية التقدمية العربية أحد أبنائها المخلصين.
 سعد الدين شاهين: فقيد الحرف والأدب
وقال سعد الدين شاهين: لقد كان جمال يأتلف ويختلف كعادة المرهونين بعمارة الحياة وهندسة الكون وتزويقه بطرقته الإبداعية المشهود لها، وها هو يغادرنا الآن، استطاع أن يجعلنا في هذا الجمع الكريم نأتلف ولا نختلف على شخص فقيد الحرف والأدب والعمل النقابي الرشيد كرئيس سابق لرابطة الكتاب الأردنيين.
ومع أنك كنت تسعى بثبر الروائي إلى ترميم حالة الخراب العامة باحثا عن أدواتك بين الأنقاض لتخلق ما يشبه حالة الرفض لكل المعطيات التي تستفحل بيننا وتؤسس إلى خواء لا نهائي والتي دفعتك إلى كتابة رواياتك ومجموعاتك القصصية من مخلفات الزوابع الأخيرة حتى غريب النهر إلى أن جاءك هادم اللذات زائرا غير رفيق يطلب أوراق اعتمادك الأخيرة.
 هاشم غرايبة: التنوير بالكلمة والفن
وقال هاشم غرايبة: «أتحدث إليكم باسم العقل والإرادة الحرة، وباسم الفن والسرد الجميل أحيي جمال، وباسم غالب هلسا وتيسير السبول وجمال ابو حمدان ومؤنس الرزاز ومريديك من الروائيين الشباب أقف من أجلك يا جمال وكل من ناهض التطرف وخطاب الكراهية ومن يخوضون حرب التنوير بالكلمة والفن الراقي بالصدور العارية وهنا أعلن حزني، فآخر حديث مع جمال كان حول روايته «موسم الحوريات» وطلب رأيي فيها وقلت: تمتاز بسلاسة اللغة والحوار فاللغة سهلة ومتينة لم أتعثر في ملاحقة صفحاتها والأحداث سريعة ومتلاحقة؛ ما يجعل الرواية أشبه بعرض متوال لأحوال المنطقة سرعان ما يأخذنا السرد للتعمق بالقضية المركزية للرواية: التنوير في مواجهة التكفير واليأس..».
 جمال القيسي: مثقف شمولي مستقل
وقال جمال القيسي: لقد عاش جمال ناجي مبدعا فذا، رمحت خيوله في براري الرواية بعيدا، فكان فارسا لا يشق له غبار، وبرحيله فإن الرواية الأردنية والعربية أمام امتحان عسير لن ينجح فيه إلا ما تبقى من جيل قليل من المبدعين المخلصين للكتابة، القابضين على جمرة الرواية، فقد عاش مثقفا شموليا مستقلا في السلوك والموقف ولم يحبس نفسه في الأبراج العاجية الواهنة التي اختارها كثير من الكتاب هروبا من الواجب الأخلاقي، مستبسلا في الدفاع عن مبادئ قيم الحق والخير ومن خلال الثقافة المتراس الأخير لمواجهة مغول العصر والانتحار المؤدلج المنبعث من جمود التفكير ورفض الآخر.
 نجل الفقيد: أقرب من صديق وأكثر من أب
وفي كلمة نيابة عن آل الفقيد ألقى مهند نجل الراحل جمال ناجي، كلمة شكر فيها وزارة الثقافة ورابطة الكتاب والمركز الثقافي العربي على تنظيم مراسم هذا التأبين والحضور الوفي لروح والده وقال: كنا كثيرا ما نعيش الحياة كأننا نعيش فصول روايات جمال ناجي بما فيها من عوالم مدهشة وفاتنة وقد توزعت علينا، نحن زوجته وأبناءه الخمسة، أدوار بطولية متعددة باختلاف مراحل حياتنا فكانت دروس الحياة تتخللنا دون أن نشعر بها ودون أن يكون والدي -يوما- المنظر الساعي لدور الرقيب المتسلط علينا، لقد علمنا مبكرا الجمع بين العقل والقلب واحترام الإنسان والوقت وحب الحياة وكان وعينا المبكر في هذه الأمور مصدر قوة لنا، فلم يكن المال ثروتنا يوما أو مبلغ همنا بل كانت ثروتنا الحقيقية المعرفة والثقافة والأخلاق. ولم تثن والدي يوما انشغالات الحياة عن وطنه أو قضاياه الإنسانية ولا عنا بحكم الحب وبحكم تلك القدرة الاستثنائية التي أمتاز بها في سبر أغوار النفس، فدون أن ندري كنا نحدثه كأنما نحدث أنفسنا فكان لنا أقرب من صديق وأكثر من أب.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات