عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jul-2017

"كلا، إسرائيل ليست ديمقراطية": فصل من كتاب إيلان بابي الجديد "عشر خرافات عن إسرائيل" (2-2)

الغد-إيلان بابي
 
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
تقول دار "فيرسو" العالمية للنشر عن كتاب إيلان بابي الجديد "عشر خرافات عن إسرائيل" Ten Myths About Israel الذي صدر عنها مؤخراً في نيسان (أبريل) 2017:
"في هذا الكتاب الرائد، الذي نشر في الذكرى السنوية الخمسين للاحتلال، يدرس المؤرخ الإسرائيلي الصريح إيلان بابي الأفكار الأكثر جدلية فيما يتعلقبأصول وهوية دولة إسرائيل المعاصرة. تعمل ‘الخرافات العشر’ التي يستكشفها بابي -التي تتكرر بلا نهاية في وسائل الإعلام، والتي فرضها الجيش، وتقبلها حكومات العالم بلا مساءلة ولا استنطاق- على تعزيز الوضع الراهن الإقليمي. وفي سياق رحلته، يستكشف بابي الادعاء بأن فلسطين كانت أرضاً فارغة في وقت إعلان بلفور، بالإضافة إلى مسألة تشكيل الصهيونية ودورها في العقود الأولى لبناء الدولة. ويطرح بابي السؤال عما إذا كان الفلسطينيون قد تركوا وطنهم طوعاً في العام 1948، وما إذا كانت حرب حزيران (يونيو) 1967 حرب "عدم اختيار" حقاً. وبالتحول إلى عرض الخرافات المحيطة بفشل اتفاقات كامب ديفيد، والأسباب الرسمية للهجمات التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، يشرح بابي كيف أن حل الدولتين لم يعد قابلا للتطبيق الآن".
فيما يلي، تنشر "الغد" في جزأين ترجمة أحد فصول الكتاب، والذي يفكك فيه الكاتب خرافة وصف إسرائيل بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وسوف تصدر الترجمة الكاملة للكتاب لاحقا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
 *   *   *
الاحتلال ليس ديمقراطياً
بالنظر إلى موقفها من مجموعتين فلسطينيتين -اللاجئين والمجتمع الفلسطيني في إسرائيل- فإن الدولة اليهودية لا يمكنها، حتى بأي قدر من الخيال- أن تكون ديمقراطية.
لكن أكثر التحديات لذلك الافتراض وضوحاً هو الموقف الإسرائيلي الصارم الذي لا يرحم تجاه مجموعة فلسطينية ثالثة: أولئك الذين يعيشون تحت حكمها المباشر وغير المباشر منذ العام 1967، في القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة. فمن البنية التحتية القانونية التي تم وضعها في بداية الحرب، مروراً بالسلطة المطلقة التي لا تُستنطق للجيش الإسرائيلي داخل الضفة الغربية وخارج قطاع غزة، وحتى إهانة الملايين من الفلسطينيين وإذلالهم كروتين يومي، فإن "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط تتصرف كدكتاتورية من أسوأ الأنواع على الإطلاق.
كان الرد الإسرائيلي الرئيسي، الدبلوماسي والأكاديمي، على الاتهام الأخير هو أن كل هذه الإجراءات مؤقتة -وسوف تتغير إذا تصرف الفلسطينيون، أينما كانوا، بشكل "أفضل". لكن المرء إذا أجرى قليلاً من البحث فقط، ناهيك عن العيش في المناطق المحتلة، سوف يفهم مدى سخافة هذه الحجج.
كما رأينا، يبدو أن صانعي السياسة الإسرائيليين مصممون على إبقاء الاحتلال حياً طالما ظلت الدولة اليهودية سليمة ومتماسكة. ويشكل هذا جزءاً مما يعتبره النظام السياسي الإسرائيل الحالة الراهنة، التي تظل دائماً أفضل من دون أن يطرأ عليها أي تغيير. سوف تسيطر إسرائيل على معظم فلسطين، وبما أنها ستضم دائماً عدداً كبيراً من السكان الفلسطينيين، فإنها تستطيع تحقيق ذلك فقط بوسائل غير ديمقراطية.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من كل الأدلة المتوفرة على عكس ذلك، تزعم الدولة الإسرائيلية أن احتلالها هو احتلال متنور. وتقول الأسطورة هنا إن إسرائيل جاءت إلى هنا بنوايا طيبة ولممارسة احتلال خيِّر، لكنها وجدت نفسها مُجبرة على اتخاذ موقف أكثر صرامة بسبب العنف الفلسطيني.
في العام 1967، عاملت الحكومة الإسرائيلية الضفة الغربية وقطاع غزة على أنهما جزء طبيعي من "أرض إسرائيل"، وما يزال هذا الموقف مستمراً منذ ذلك الحين. وعندما ينظر المرء في الجدال الدائر بين الأحزاب اليمينية واليسارية في إسرائيل حول هذه القضية، فإن نقطة الخلاف بينها هي الكيفية التي يتم بها تحقيق هذا الهدف، وليس حول صلاحيته.
مع ذلك، دار في أوساط الجمهور الأوسع جدال حقيقي بين من هم الذين يمكن أن يسميهم المرء "المخلِّصين" وبين "الأوصياء". واعتقد "المخلِّصون" أن إسرائيل استعادت القلب القديم لوطنها وأنها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة في المستقبل من دونه. وعلى النقيض من ذلك، قال "الأوصياء" بوجوب مبادلة الأرض بالسلام مع الأردن في حالة الضفة الغربية، ومع مصر في حالة قطاع غزة. ومع ذلك، كان لهذا النقاش العام القليل من التأثير على السياسة التي كان صانعو السياسات الرئيسيون يحاولون التقرير بشأنها حول كيفيات حكم الأراضي المحتلة.
كان الجزء الأسوأ من هذا "الاحتلال المتنور" المفترض هو أساليب الحكومة لإدارة المناطق المحتلة. في البداية تم تقسيم المنطقة إلى أماكن عربية وأخرى "يهودية" محتملة. وأصبحت المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين تتمتع بحكم ذاتي؛ حيث يديرها متعاونون محليون تحت الاحتلال العسكري. وتم استبدال هذا النظام بإدارة مدنية فقط في العام 1981.
أما المناطق الأخرى، المجالات "اليهودية"، فقد احتلتها المستعمرات اليهودية والقواعد العسكرية الإسرائيلية. وكان الهدف من هذه السياسة هو وضع السكان الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة في جيوب منفصلة، بلا أي مساحات خضراء ولا أي إمكانية للتوسع الحضري.
ثم أصبحت الأمور أكثر سوءاً فقط عندما شرعت حركة غوش إمونيم، مباشرة بعد الاحتلال، بالاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، مدعية بأنها تتبع خريطة توراتية للاستيطان بدلاً من الخطة الحكومية. وحينما اخترق المستوطنون المناطق التي يقطنها الفلسطينيون بكثافة، تقلص الحيز المتروك للسكان المحليين أكثر.
إن ما يحتاجه أي مشروع استعماري هو الأرض، وقد تم تحقيق هذا الهدف في المناطق المحتلة فقط من خلال المصادرة واسعة النطاق للأراضي، وترحيل الناس من المناطق التي أقاموا فيها لأجيال، وإجبارهم على العيش في جيوب بظروف سكنية بالغة الصعوبة.
عندما تطير فوق الضفة الغربية، فإنك تستطيع أن ترى بوضوح النتائج الخرائطية لهذه السياسة: ثمة أحزمة المستوطنات التي تقسم الأرض وتقطِّع أوصال المجتمعات الفلسطينية إلى وحدات صغيرة منعزلة ومنفصلة. كما تفصل أحزمة التهويد القرى عن القرى، والقرى عن المدن والبلدات، وفي بعض الأحيان تقسم القرية الواحدة.
هذا ما يدعوه الباحثون كارثة جغرافية، على الأقل منذ تبين أن هذه السياسات تصنع كارثة بيئية أيضاً؛ حيث جففت مصادر المياه ودمرت بعضاً من أكثر المناطق جمالاً في المشهد الطبيعي الفلسطيني.
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت المستوطنات بؤراً استطاع التطرف اليهودي أن ينمو فيها بطريقة خارجة على نطاق السيطرة -وكان ضحاياه الرئيسيون هم الفلسطينيون. بهذه الطريقة دمرت مستوطنة إفرات موقع التراث العالمي في وادي الولجة بالقرب من بيت لحم، وقرية جفنة بالقرب من رام الله، التي كانت مشهورة بقنوات المياه العذبة، لكنها فقدت هويتها كموقع سياحي. وهذان مجرد مثالين صغيرين من بين مئات من الحالات المشابهة.
هدم منازل الفلسطينيين ليس ديمقراطياً
ليس هدم منازل السكان المحليين ظاهرة جديدة في فلسطين. فكما هو حال الكثير من الأساليب الوحشية للعقاب الجماعي التي استخدمتها إسرائيل منذ العام 1948، تم ابتكار هذا الأسلوب وممارسته على يد حكومة الانتداب البريطاني خلال الثورة الفلسطينية الكبرى في الأعوام ما بين 1936-1939.
كانت تلك أول انتفاضة فلسطينية ضد سياسة الانتداب البريطاني المؤيدة للصهيونية، واستغرق الأمر الجيش البريطاني ثلاث سنوات لقمعها. وفي العملية، قام جيش الانتداب بهدم نحو ألفي منزل خلال جولات العقاب الجماعي المتعددة التي مورست ضد السكان المحليين.
هدمت إسرائيل المنازل منذ اليوم الأول من احتلالها العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة. ونسف الجيش مئات المنازل كل عام رداً على أعمال مختلفة يكون قد قام بها فرد واحد من الأسرة.
من الانتهاكات البسيطة لقوانين الحكم العسكري إلى المشاركة في أعمال عنيفة ضد الاحتلال، كان الإسرائيليون سريعين إلى إرسال جرافاتهم، وليس لمجرد هدم مبنى مادي، وإنما أيضاً لمسح رمز للحياة  والوجود. وفي منطقة القدس الكبرى (كما في داخل إسرائيل) كان الهدم أيضاً عقاباً على التوسيع غير المرخص لبيت قائم أو لعدم دفع الفواتير.
وثمة شكل آخر من أشكال العقاب الجماعي، والذي عاد مؤخراً إلى ذخيرة الأسلحة الإسرائيلية، هو إغلاق المنازل. تخيل أن يتم إغلاق كل أبواب ونوافذ منزلك بالإسمنت والحديد والحجارة، بحيث لا يمكنك العودة إليه لاستعادة أي شيء تكون عجزت عن إخراجه منه في الوقت المناسب.
سحق المقاومة الفلسطينية ليس ديمقراطياً
وأخيراً، تحت "الاحتلال المتنور"، سُمح للمستوطنين بتشكيل عصابات حراسة لمضايقة الناس وتدمير ممتلكاتهم. وقد غيرت هذه العصابات نهجها على مر السنين.
خلال الثمانينيات، استخدم أفراد هذه العصابات الإرهاب الحقيقي -من إصابة القادة الفلسطينيين (أحدهم فقد ساقيه في هجوم من هذا القبيل)، إلى التفكير في نسف المساجد في الحرم القدسي.
وفي هذا القرن، انخرط المستوطنون في المضايقة اليومية للفلسطينيين: باقتلاع أشجارهم، وتدمير حقولهم، وإطلاق النار بشكل عشوائي على بيوتهم ومركباتهم. ومنذ العام 2000، تم التبليغ عن مائة هجوم من هذا القبيل كل شهر تقريباً في بعض المناطق مثل الخليل، حيث يقوم الخمسة آلاف مستوطن هناك، بتعاون صامت من الجيش الإسرائيلي، بمضايقة السكان المحليين الذين يعيشون في الجوار بطريقة أكثر وحشية.
منذ البداية الأولى للاحتلال في ذلك الحين، أُعطي الفلسطينيون خيارين: القبول بواقع الحبس الدائم في سجن ضخم لفترة طويلة جداً؛ أو المخاطرة بمواجهة بطش أقوى جيش في الشرق الأوسط. وعندما قاوم الفلسطينيون فعلاً –كما فعلوا في الأعوام 1987، 2000، 2006، 2012، 2014 و2016- استهدفتهم الحكومة الإسرائيلية باعتبارهم جنوداً ووحدات من جيش تقليدي. وبذلك، تم قصف القرى والبلدات الفلسطينية كما لو أنها قواعد عسكرية، وتم إطلاق النار على المدنيين العزل من السلاح كما لو أنهم كانوا عدواً مقاتلاً في ميدان المعركة.
اليوم، أصبحنا نعرف الكثير عن الحياة تحت الاحتلال، قبل وبعد أوسلو، بحيث لا نعود نأخذ على محمل الجد المزاعم بأن عدم مقاومة الفلسطينيين ستضمن قدراً أقل من القمع. وتشكل الاعتقالات من دون محاكمة، كما شهدها الكثيرون على مر السنين؛ وهدم الآلاف من المنازل؛ وقتل وجرح الأبرياء؛ وتجفيف آبار الشرب- تشكل كلها شهادة على واحد من أكثر الأنظمة الحديثة قسوة في هذا الزمن.
عادة ما تقوم منظمة العفو الدولية "أمنستي" بتوثيق طبيعة الاحتلال بطريقة شاملة. وفيما يلي مقتطف من تقرير المنظمة في العام 2015:
"في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ارتكبت القوات الإسرائيلية عمليات قتل غير قانونية ضد مدنيين فلسطينيين، بمن فيهم أطفال، واعتلقت الآلاف من الفلسطينيين الذين يحتجون، أو يعارضون استمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي، واحتجزت المئات في الاعتقال الإداري. وما يزال التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة منتشرة وترتكبها السلطات بحصانة كاملة من العقاب.
واصلت السلطات تعزيز المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، وقيدت بشدة حرية المواطنين في الحركة، وزادت من تشديد القيود وسط تصاعد للعنف منذ تشرين الأول (أكتوبر)، والذي شمل هجمات شنها فلسطينيون على مدنيين إسرائيليين وإعدامات نفذتها القوات الإسرائيلية خارج نطاق القضاء في حق فلسطينيين. كما هاجم المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية الفلسطينيين وممتلكاتهم بحصانة فعلية من العقاب. وبقي قطاع غزة تحت الإغلاق العسكري الإسرائيلي الذي فرض عقاباً جماعياً على سكانه. وواصلت السلطات هدم منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي داخل إسرائيل، خاصة في القرى البدوية في منطقة النقب، بعد أن أخلت سكانها منها بالقوة".
دعونا نأخذ هذا في مراحل. أولاً، الاغتيالات -ما تسميه منظمة العفو الدولية "القتل غير القانوني": قتلت إسرائيل نحو 15 ألف فلسطيني "خارج نطاق القانون" منذ العام 1967. ومن بينهم 2.000 طفل.
سجن الفلسطينيين من دون محاكمة ليس ديمقراطياً
ثمة ممارسة أخرى لما يسمى "الاحتلال المستنير" هي السجن من دون محاكمة. وقد تعرض واحد من كل خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لمثل هذه الخبرة.
من المثير للاهتمام مقارنة هذه الممارسة الإسرائيلية بسياسات أميركية مشابهة في الماضي والحاضر، بينما يدعي منتقدو حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أن ممارسات الولايات المتحدة أسوأ بكثير. في الحقيقة، كان أسوأ مثال أميركي هو سجن مائة ألف مواطن ياباني من دون محاكمة خلال الحرب العالمية الثانية، مع احتجاز ثلاثين ألف شخص لاحقاً فيما تدعى "الحرب على الإرهاب".
لا يقترب أي من هذه الأرقام حتى مجرد اقتراب من عدد الفلسطينيين الذين مروا بهذه العملية: بمن فيهم أطفال صغار جداً، ومسنون، بالإضافة إلى السجناء لفترات طويلة جداً.
إن الاعتقال من دون محاكمة هو تجربة مؤلمة. فعدم معرفتك للتهم الموجهة ضدك، وعدم وجود أي اتصال لك مع محام وبالكاد أي اتصال مع عائلتك، هي مجرد جزء فقط من المخاوف التي ستؤثر عليك كسجين. ولعل الأكثر وحشية هو أن العديد من هذه الاعتقالات تُستخدم كوسائل للضغط على الناس من أجل دفعهم إلى التعاون مع السلطات. كما أن نشر الإشاعات التي تجلب العار للناس بسبب توجههم الجنسي الحقيقي أو المزعوم هو طريقة تستخدم في كثير من الأحيان لإجبار الناس على التعاون.
أما بالنسبة للتعذيب، فقد نشر موقع "ميدل إيست مونتيور" الموثوق مقالاً مروعاً يصف المائتي أسلوب التي يستخدمها الإسرائيليون لتعذيب الفلسطينيين. وتستند القائمة إلى تقرير للأمم المتحدة، وتقرير من منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسيليم". ومن بين أساليب أخرى، تشتمل الطرق على جولات الضرب، وتقييد السجناء بالأبواب أو المقاعد لساعات، وصب الماء البارد والساخن عليهم، ونزع الأظافر وليّ الخصيتين.
إسرائيل ليست ديمقراطية
مع ذلك، فإن ما يجب أن نتحداه هنا ليس فقط ادعاء إسرائيل بأنها تمارس احتلالاً مستنيراً، وإنما تظاهرها أيضاً بأنها ديمقراطية. وتعري هذه الأفعال التي تمارسها تجاه ملايين الناس هذا الخداع السياسي.
مع ذلك، وعلى الرغم من القطاعات الكبيرة من المجتمعات المتحضرة في كل أنحاء العالم التي تنكر على إسرائيل تظاهرها بالديمقراطية، فإن النخب السياسية لتلك المجتمعات ما تزال تعاملها، لطائفة مختلفة من الأسباب، على أنها عضو في النادي الحصري للدول الديمقراطية. وبالعديد من الطرق، تعكس شعبية حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات إحباط تلك المجتمعات من سياسات حكوماتها تجاه إسرائيل.
بالنسبة لمعظم الإسرائيليين، تُعد هذه الحجج المضادة غير ذات صلة في أحسن الأحوال وخبيثة في أسوئها. وتتشبث الدولة الإسرائيلية بفكرة أنها محتل خيِّر. وتقترح أطروحة "الاحتلال المستنير" أن الفلسطينيين، وفقاً للمواطن اليهودي العادي في إسرائيل، هم أفضل حالاً بكثير تحت الاحتلال من عدمه، وليس لديهم سبب في العالم ليقاوموه من الأساس، ناهيك عن فعل ذلك بالقوة. وإذا كنتُ نصيراً غير منتقد لإسرائيل في الخارج، فإنك تقبل بهذه الافتراضات أيضاً.
مع ذلك، ثمة أقسام من المجتمع الإسرائيلي تعترف بعدم صلاحية بعض الادعاءات المطروحة هنا. وفي التسعينيات، وبدرجات مختلفة من القناعة، أعرب عدد كبير من الأكاديميين والصحفيين والفنانين اليهود عن شكوكهم في تعريف إسرائيل كديمقراطية.
مع ذلك، يتطلب تحدي الخرافات التأسيسية لمجتمع المرء وحكومته الخاصَّين بعض الشجاعة. ولذلك تراجع عدد قليل منهم في وقت لاحق عن هذا الموقف الشجاع وعادوا إلى الخط العام.
مع ذلك، ولفترة من الزمن خلال العقد الأخير من القرن الماضي، أنتج هؤلاء أعمالاً تحدت فرضية اعتبار إسرائيل ديمقراطية. وصوروا إسرائيل على أنها تنتمي إلى مجتمع مختلف: مجتمع الدول غير الديمقراطية. ووصف أحدهم، وهو الجغرافي أورين يفتاشيل من جامعة بن غوريون، إسرائيل بأنها "إثنوقراطية"؛ وهو نظام يحكم دولة متعددة الأعراق، وإنما بتفضيل قانوني ورسمي لجماعة عرقية واحدة على الآخرين. وذهب آخرون شوطاً أبعد، فوصفوا إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري (أبارتايد)، أو دولة استعمارية-استيطانية.
باختصار، مهما تكن الأوصاف التي قدمها هؤلاء المفكرون المنتقدون لإسرائيل، فإن "ديمقراطية" لم تكن من بينها. (انتهى).
 
*مؤرخ إسرائيلي بارز وناشط اشتراكي. وهو أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والدراسات الدولية في جامعة إكستر. ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية بالجامعة، والمدير المشارك لمركز إكستر للدراسات العرقية والسياسية. من كتبه، "التطهير العرقي في فلسطين"؛ "غزة في أزمة: تأملات في الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين"؛ "خارج الإطار"، وآخر كتبه "عشر خرافات عن إسرائيل" الذي اقتطف منه هذا الفصل.
 
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات