عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Feb-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكرات تحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الخامسة عشرة
أعضاء العربية الفتاة في جبل الدروز :
الراي - تصلنا روايتان من المسافرين في القافلة المتجهة إلى جبل الدروز ، الأولى من قائد القافلة العسكري تحسين قدري ، والثانية من ممول القافلة ومؤسس جمعية العربية الفتاة شقيقه الدكتور أحمد قدري ، وسنعرض لهما لنستكمل الحدث من كل أطرافه ، ونتذكر هنا أن تحسين قدري يرصد الحدث من وجهة نظر عسكري يقود قافلة مكلف بحمايتها والسير فيها إلى برّ الأمان ، في حين كان هاجس الدكتور أحمد قدري تحقيق ما يريده كمؤسس للجمعية السرية التي يطاردها الاتحاديون ، ويعتبرونها عدوهم الأول ، بسبب توجهاتها القومية ، ودعوتها للتحرر والاستقلال .
المحطة الأولى للقافلة في جبل الدروز :
يقول الدكتور أحمد قدري : ( لبثنا يومين في خلخلة ، ندعو إلى انضواء العرب تحت راية الأمير فيصل ، ومنها قصدنا في طريقنا إلى القرية المجاورة « الحلبية « ، ولما كان شيخها يتظاهر بالصداقة للسلطة التركية ، فقد تحاشى الاجتماع بنا ، ولم يضيفنا ، فأوجس زملائي أن يتكاثر علينا أهل القرية فيتعذر علينا الدفاع ، ثم يسلموننا للحكومة التي كانت قد أعلنت على أنها تمنح لمن يأتي بأحدنا حيا أو ميتا مكافأة قدرها 500 ليرة ذهبية ، فرأيت أن لا خلاص لنا إلا بالإقدام ورباطة الجأش ، وهنا تقدمت من ابن الشيخ زاعما أنني صديق حميم لسليم الأطرش ، وكان بحكم حاكم الجبل في نظر أهاليه ، كما أنني أخ لنسيب الأطرش ، ولم أقم بهذه الرحلة إلاّ بعد الاتفاق معهما ، وإنني على استعداد لمغادرة القرية وإخبارهما بهذه المعاملة الشاذة التي لا يليق أن يعامل بها الضيوف ، فتغير الوضع آنئذ ، وذبحت لنا ذبيحة ، وأتانا منشد القرية ينشد على ربابته أناشيد في تمجيدنا ، ولما لاح الصباح غادرنا القرية قاصدين « عنزة « ، قرية حسين الأطرش ، إلاّ أننا بتنا ليلة في الطريق قبل الوصول إليها ، وكنا نلقى كلّ ترحاب ممن نصادفهم ، كما أن لقاء حسين لنا كان لقاءا كريما ، ثم واصلنا السفر إلى « القريةّ « مقرّ سلطان الأطرش ، ورغم تغيبه يومئذ ، فإننا بتنا في المضافة ، وأصبحنا آمنين .. ومكثنا هناك بضعة أيام لاستكمال عدتنا ، واستأجرنا بعض الأدلاء والمتطوعين من عرب السردية ، واجتمعنا بعيد اللطيف العسلي ولطفي العسلي وحكمت العسلي ، ولما أن استوفينا ما أردنا من العدة ، وكان عديدنا قد غدا وفيرا بانضمام الكثير ممن يرغب الالتجاء إلى مصر ، إلى أقاربهم من اللبنانيين ومن الأرمن ، ممن كانوا مختبئين في جبل الدروز ، والذين أعلن فيصل أخذهم تحت حمايته ، وكان بينهم عدد من النساء أيضا ، فسارت القافلة بتنظيم عسكري بطريق البادية ، وبتنا بالخلاء ، ثم حللنا للأزرق للارتواء ، فباغتنا عن بعد غزو ، إلا أنه لم يجرؤ على مهاجمتنا ، وفي أثناء انحدارنا نحو أحد الوديان ، أراد سعيد الباني أن يسرع ويتقدم غيره ، فمنعته راجيا أن تكون النساء في المقدمة ، ولم أكد أتمّ كلامي حتى انطلقت علينا عدة طلقات نارية ، فاتجه عندها نحوي وقال لي : هذا هو السبب الذي كنت من أجله أود الإسراع في النزول ، وللحال اتخذت حاميتنا خطة الدفاع ، وفتحت النار بشدة على المهاجمين ، وأحضرت أنا آلات الإسعاف ، وكان رستم حيدر مكلفا بجلب الماء للجرحى إذا ما أصيب أحد ، إلا إن تنظيمنا العسكري ووفرة النيران التي قابلنا بها المهاجمين ، إذ كان لدينا رشاش ، كل ذلك جعلهم يرتدون بسرعة ، ثم واصلنا السفر بعدها إلى بير بيرين مقرّ عودة أبو تايه .. )
رواية تحسين قدري للأحداث
وبالمقابل سنورد رواية تحسين قدري قائد القافلة العسكري لهذه الأحداث لحين وصول القافلة لعند عودة أبو تايه ، في الطريق إلى معسكر الأمير فيصل الذي أصبح قريبا من ديار أبو تايه ، يقول تحسين قدري : ( كان أخي احمد دائم الاتصال مع شيوخ جبل الدروز ، ونزلنا ضيوفا عند شيخ القرية ، وتنفست الصعداء لمرورنا بسلام من خلال منطقة الخطر ، وعبورنا من مخفرين في منطقة الحدود بين دمشق وجبل الدروز ، تابعنا مسيرتنا لثاني يوم في جبل الدروز عابرين مركز لواء الجبل السويداء ، وقد أخذت مسيرتنا في الجبل أكثر من خمسة أيام ، ثم وصلنا قرية الحلبية ، وحين وصولنا ، وإذ بقوة من الجندرمة التركية تهاجم بيت الحلبية ، وقررت الدفاع بالسلاح وعدم الاستسلام ، وكان أهل الحلبية موالين للأتراك ، وكانت التعقيبات تجري بحقنا منذ أن تركنا دمشق ، وكانت هذه القوة قد أرسلت لكي تلقي القبض علينا ، وبدأ أخي يلقي الخطابة على المختار شيخ القرية وزعيم عائلة الحلبية ، وأثرنا فيهم النخوة في الشهامة والقواعد العربية الأصيلة ، أي أن من المعروف حين يحلّ الضيف عند أحد العشائر من العرب ، لا يجوز أن يسلمّ الضيف حتى لو كان قاتل ابنه أو أباه ، وهكذا قضينا الليلة بقلق زائد ، ولم أنم طوال الليل حيث لم يرغب الشيخ الحلبي أن يوافقنا على ثورتنا العربية ، ويقول إن الأتراك هم آباءنا وأولياء نعمتنا ، فكيف نثور عليهم ..؟
وعبثا حاولنا إقناع آل الحلبي ، ولكن الشيخ قال لنا أنه من العيب أن يسلمنا إلى القوة التي هي في داره ..! ولكنه يرغب أن نترك داره بأسرع وقت ممكن ، وتركنا منزل الحلبية تحت ضغط شديد ورعب وخوف ، ووصلنا لأول قرية لبيت الأطرش ، وطبعا تبدل الموقف تماما ، لأننا كنا قريبين من الزعيم سلطان باشا الأطرش ، وهذه القرية تقع في آخر الجبل ، وهي قرية حصينة ، وبعدها تأتي الحرةّ وعرب اللجا وقلعة الأزرق ، وكان سلطان باشا الأطرش زعيم حركة الجبل الاستقلالية العربية ، وباتصال معنا ومع الشريف فيصل بن الحسين ، ولقد بالغ في إكرامنا ، وكلّ مساء كان يضيفنا بالمنسف العربي الشهير ، وهذا المنسف كان يحمله أكثر من ستة أشخاص ، ويتكونّ من الرز وفوقه أربعة خرفان وكباب واللبن ، وكنا نتلذذ في أكله .
ويضيف تحسين قدري : التحق بنا شخصان من آل العسلي وبعض الأشخاص الذين اقتفيناهم لينضموا إلينا ، ووجدت أحد الجنود ومعه مدفع رشاش « متراليوز « ، وهناك أعلنا استقلال جبل الدروز ، وطلب إلينا أن نخلص مائتين من أسر الأرمن ونوصلهم إلى مقرّ الشريف ، وكان الشريف فيصل يعطي ليرة من الذهب لكل أرمني يصل إلى العقبة لغرض تسفيره إلى القاهرة ، وبهذه الصورة تخلص الكثير من الأرمن من بطش الأتراك ، وكنت رئيسا للقافلة ، لأنني كنت الوحيد المدرب على الفنون العسكرية ، والمسئول عن حياة المئات من الأشخاص ، وكنا نسير ليلا لكي نتجنب شدة الحرّ ، وخوفا من مداهمة القوات التركية ) .
ويبدو أن هناك عدم اتفاق بين رواية الدكتور احمد ورواية شقيقه تحسين قدري بخصوص اللقاء بسلطان باشا الأطرش ، فأحمد قدري يذكر أن سلطان الأطرش كان غائبا حين وصلوا « القريةّ « وأن ابنه هو الذي استقبلهم وأكرمهم ، في حين يفهم من تحسين أنه كان حاضرا ، لكنهما اتفقا على إكرامهم واستضافتهم بمظاهر الكرم العربي ، وخاصة بالمنسف المشهور والذي يمثل قمة الكرم في الضيافة في كل منطقة حوران والجبل .أما تفاصيل رواية أحمد قدري التي لا تنفق تماما مع رواية تحسين قدري ، فهي عند الوصول إلى الأزرق ، يذكر تحسين قدري ما يأتي : ( أذكر حين وصولنا إلى قلعة الأزرق ، فوجئنا بهجوم من بعيد ، وحصل تلاسن في القافلة ، وأسرع الجميع بالسير من القلعة ، وأخذوا حصان الدكتور أخي ، أما أنا فكنت راكبا على هجين ، وطبعا بقيت من أخي الذي كان حانقا على أفراد القافلة ، وأخذ يشتم لأخذهم حصانه وتركه وحده بالخلف .. وكان أخي هو الذي أنفق على إحضار القافلة ، وصرف حوالي الألفين من الجنيهات الذهبية ، والتي تعادل أكثر من عشرين ألفا من الجنيهات الاسترلينية الورقية ، وبقيت طبعا مع أخي ، وأخذته أمامي على الهجين بعدما تيقنت أن جميع القافلة قد مشت ، وكنت أهدئ من أعصابه وقد جرحت يده من قبضة الهجين ، وبعد خلاصنا من منطقة الخطر ، وجدنا حصانه وانحلت المشكلة ..! ) .
المرور بعمانّ ومنطقة بني صخر توجد تفاصيل في مذكرات تحسين قدري لم يتناولها أحمد قدري ، وسنوردها لحين توقفهما في ديار الحويطات عند عودة أبو تايه ، يقول تحسين قدري : ( مررنا من عمانّ صباحا ، وكانت في ذلك الحين مجرد قرية صغيرة يقطنها الشراكسة ، ولا يوجد فيها سوى حوالي الخمسين بيتا من الطين ، والشراكسة كانوا مزارعين ، ولم يكونوا موالين للقوة التركية ، بل كانوا يهتمون فقط بزراعتهم ، وهم فرسان أقوياء ، ومنهم قسم قد شكلّ قوة خيالة « سرية « كانت في حلب في مقرّ جمال السفاح للمظهر ، وآمر هذه السرية من عمان ، وكان تحت إمرتي ، ومن الغريب أنه في خلال السنين 1923 إلى 1926 م كان هو وصحبه في مقرّ المرحوم الملك عبد االله ، وكنت ألاطفه خلال زياراتي المختلفة إلى عمانّ في وقت ولاية الملك فيصل ، وكان قسم من هذه القوة من الأرمن ولا يزالون إلى الآن ( 1964 م ) في المقرّ ) . هذا ما ورد عن عمانّ عند تحسين قدري ، وهي معلومات تحتاج إلى بعض التوضيح ، لأن عمان عام 1918 م عند مرور القافلة فيها كانت أكبر من خمسين بيتا بكل تأكيد ، وتقديرات تحسين قدري ليست دقيقة تماما ، ونحن هنا نعتمد على توثيق دفاتر الطابو العثمانية لعمان عام 1918 م ، حيث كانت تضم حارات الشابسوغ والقبرطاي والمهاجرين والغرباء ، ونحن نعتمد على إحصاء الدولة للمهاجرين الشراكسة الذين وصلوا عمان عام 1878 م وبلغ عددهم حسب إحصائية سالنامة ولاية سورية 500 عائلة ، ولو افترضنا أن عدد العائلة الواحدة يصل ستة أشخاص تقريبا ، فيكون هناك 500 بيت ، وعدد الأهالي سنة 1899م يصل إلى 3000 فرد ، وهذه معلومات لا يرقي إليها الشك ، وقد سجلت سجلات الطابو العثمانية التي اطلعنا عليها أن بعمان في محلة الشابسوغ 120 أسرة وتضم المحلة سفوح جبل القلعة ومناطق المدرج الروماني ، ومحلة القبرطاي وفيها 139 أسرة وتتجمع حول الجامع العمري / الحسيني لاحقا ، ومحلة الأبزاخ وفيها 53 أسرة ، في حين كانت محلة المهاجرين الذين وصلوا عمان سنة 1910 م و عدد المهاجرين إليها أكثر من 800 شخص ، فضلا عن منطقة المحطة التي ذكر مندوب صحيفة المقتبس الدمشقية أنها تضم عام 1910 م 72 أسرة ..وهنا لا بد لنا من ملاحظة أن المرور بعمان مرورا عابرا لا يشكلّ مصدرا دقيقا للمعلومة ، وهذا لا يعني التشكيك بما يورده تحسين قدري ، لكنه كان يقيس عمان بدمشق واسطنبول بالتأكيد ..!
ويستوقفنا في مذكرات تحسين قدري ما ورد بعد مرور القافلة بعمان من معلومات عن المنطقة ، وهو يعبر منها عبورا سريعا ، يقول : ( وعند وصولنا منطقة بني صخر ظهرا ، فوجئنا بطلقات نارية من التلال والوديان المحيطة بنا ، وكنت أعلم أن بدو المنطقة كانوا موالين للأتراك ، لذلك كنت متأكدا أن هذا الرمي قد جاء من بني صخر ، أوقفت القافلة وأخذت ترتيبات الربائب خوفا من الوقوع في فخ مباغت ، وأخذت المدفع الرشاش والجندي الذي يحمله ، وصعدت ومعي بندقيتي إلى أعلى التل ّالذي يأتي منه اتجاه الرمي ، وطلبت من الجندي أن يطلق النار من مدفعه الرشاش ، وأراد الجندي أن « يتعقل « فسألني أين العدو ..؟ وما هي المسافة ..؟ وكنت أعلم أن البدو كانوا يخشون كثيرا من المدفع الرشاش ، ولم يكن عندهم في حينها أي مدافع رشاشة ، لأنه كان سلاحا جديدا آنذاك ، لذلك رغبت أن يطلق الرصاص كيفما شاء ، ولا حاجة للمسافة ، وبعد إطلاق الرشاش انقطعت الطلقات علينا ، ورأيت البدو وقد تراجعوا للوراء . .. ثم واصلنا السير ، وعلمت فيما بعد من تقارير ومذكرات قادة الأركان ، بأن جمال باشا قد أغرى البدو لكي يأتوا بي حيا أو ميتا بمكافأة مقدارها خمسمائة جنيه من الذهب ، ولميكن في تقديري أن حياتي تساوي فقط خمسمائة من الجنيهات .. ولو كان الأمر كذلك
فالمسألة رخيصة ..! ) .
هذه هي رواية تحسين قدري لرحلة القافلة التي يقودها والتي دخلت في حدود وادي السرحان وعرب الحويطات وزعيمها وشيخها عودة أبو تايه .. نتوقف عند هذه الحدود ، ونتركها للحلقة القادمة التي ستصل فيها القافلة الكبيرة إلى عرب الحويطات .. فكيف قابلهم عودة أبو تايه ..؟
وما الذي سيحدث لعائلات الأرمن المرافقة للقافلة ..؟ ومن سيتولى مهمة توصيلهم إلى العقبة حيث كان الأمير فيصل يعد كل أرمني يصل إلى العقبة بجنيه من الذهب ، وما دور الشريف الحسين بن علي في الإنفاق على توصيل أسر الأرمن آمنة إلى مصر ..؟
و كيف اقتربوا من معسكر « أبو غازي « الأمير فيصل بن الحسين .. هذا ما سنسرده في الحلقة القادمة .. فإلى اللقاء .
 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات