عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-May-2017

هذه لحظة أمل لليبيا.. يجب أن لا نفوّتها

الغد-بوريس جونسون* - (ذا سبيكتيتور) 13/5/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
كنا في مركز اعتقال للمهاجرين في طرابلس، ووصلنا إلى بوابة كبيرة موصدة. كانت محكمة الإغلاق بطريقة لافتة. وتمتم أحدهم بأنه لم يتسن لنا الوقت لننظر في الداخل. لكنني شعرت بأنني ملتزم بفعل ذلك بشكل ما.
في الخارج في الشمس، كنت قد ألقيت التحية مسبقاً على نحو 100 مهاجر -كلهم تقريباً من غرب أفريقيا: غينيا-كوناكري، ونيجيريا. كانوا يجلسون على الإسمنت في صفوف وأيديهم فوق رؤوسهم: الرجال في مجموعة، ونحو نصف دزينة من النساء على مسافة قصيرة. بعضهم ما يزالون هنا منذ أشهر، وفي بعض الحالات أرادوا العودة إلى الوطن.
قال أحدهم: "أنا جائع". وقال رجل آخر: "هذا المكان ليس جيداً". وعندما قلت لهم أنني وزير الخارجية البريطاني ابتهجوا وصفقوا، لأن نقود المملكة المتحدة هي التي تساعدهم في العثور على طريقة للخروج. وبفضل دافعي الضرائب في المملكة المتحدة (جزئيا على الأقل)، كانت هذه المجموعة على وشك أن توضع في حافلات لنقلها إلى المطار.
كما قالوا لي، أرادوا أولاً الذهاب إلى أوروبا الغربية. وكانت خطتهم الوصول إلى "فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى". وكانوا قد دفعوا لمهربي البشر 1500 يورو عن كل شخص- وهو مبلغ ضخم، أكثر من أجر عمل سنة كاملة. ثم تم اعتراضهم واعتقالهم -أو إنقاذهم، اعتماداً على زاوية نظرك- وتم إرسالهم إلى هنا.
كان بفضل استثمار المملكة المتحدة أن هذا المركز بدا صحياً بطريقة غامضة، على الرغم من الضغط الممارس على الإنسانية. وقد عرضوا علينا المرافق الصحية الجديدة، وحتى على الرغم من أن إنشاءها لم يكن مكتملاً بعد، فإن بوسعك الشعور بأن ثمة جهداً يبذل. لكننا وصلنا الآن إلى سلسلة من الأبواب الموصدة، وشعرت بأن علي أن أفهم حجم المشكلة. ونصحني أحدهم: "أنظر فقط، لا تدخل إلى الداخل". وصلصلت المزالج وهي تنفتح.
كان ذلك أشبه بمشهد جهنمي من العصر الفكتوري عن حياة السجن. في الصف الأول من الغرف، كان المجرمون، رجالا -كانوا كلهم شباباً أفارقة من جنوب الصحراء الأفريقية- والذين ألقت القبض عليهم السلطات الليبية (مجموعة من المليشيات) واعتقلتهم بسبب اتجارهم بالمخدرات وارتكاب جنح وجرائم أخرى.
كانت الغرفة التالية واسعة -بحجم ملعب كرة القدم- وضمت نحو 500 شخص، يضجعون مكتظين على مناشف أو فرشات. شرعت في التحدث إليهم مرة أخرى بالفرنسية، لكن نوعاً من الاضطراب بدأ بالتكوُّن. وبدأ الناس بالانجراف نحونا. واقترح مرافقونا أن الوقت قد حان لكي نتحرك؟ كنتُ قد أردت رؤية ما خلف تلك الأبواب المغلقة- والحجم الحقيقي للمشكلة التي يتعامل معها هذا المركز- لأن الأعداد شرعت في الانتفاخ مرة أخرى.
أصبح موسم الهجرة وشيكاً. الريح هادئة، وعلى سطح البحر المستوي، يكثف مهربو البشر المقززون تجارتهم. ويصل مسبقاً نحو 1000 مهاجر في الأسبوع إلى إيطاليا بعد أن يكون عدد مجهول من الناس قد قضوا في البحر أو في الصحراء، أو في المراكز من نوع ذلك الذي شاهدته.
في كل أسبوع، سوف يضغطون على شبكة الطريق الأوربية لتأخذهم حيثما تذهب. وعلى متن الطائرة التي أقلتنا إلى طرابلس، أطلعني المبعوث الخاص للأمم المتحدة، مارتن كوبلر، على خريطة ديموغرافية تحبس الأنفاس -جذر المشكلة.
قبل عشرين عاماً، كنا ساذجين كثيراً لنعتقد بأن النمو السكاني العالمي في حالة تباطؤ. لكنه لم يعد كذلك -وبالتأكيد ليس في أفريقيا. مباشرة إلى الجنوب من ليبيا ثمة النيجر، حيث سيتضاعف عدد السكان أكثر من ثلاث مرات في غضون العقود الثلاثة المقبلة، ليرتفع من 20 مليون نسمة إلى 70 مليون. وإلى الشرق من النيجر ثمة تشاد، التي تشترك في حدود شاسعة أخرى مع ليبيا، والتي سيقفز عدد سكانها من 14 مليون إلى 35 مليون. وإلى الجنوب الشرقي، ثمة السودان الذي سيصل عدد مواطنيه إلى 80 مليون؛ وثمة مصر 152 مليون؛ وأثيوبيا 189 مليون نسمة.
أضف إلى ذلك خط الإنتاج البشري الضخم في غرب إفريقيا -حيث من المتوقع أن يصل عدد سكان نيجيريا إلى 400 مليون نسمة- لترى كيف يشكل هؤلاء المعتقلون رأس الحربة لما ستكون من أكبر التحديات التي نواجهها في حياتنا. ويبلغ عدد سكان أفريقيا حالياً نحو 1.2 مليار نسمة، لكنه ينمو بسرعة كبيرة جداً بحيث تستحيل رؤية الكيفية التي تستطيع القارة من خلالها توفير ما يكفي من الوظائف لسكانها.
لا غرابة والحالة هذه أن يتطلعوا إلى الشمال، حيث الازدهار الكبير لقارتنا الأوروبية العجوز -حيث السكان يتراجعون فعلياً (والتنبؤ أنهم سيتراجعون من 740 مليون نسمة إلى 707 ملايين مع حلول العام 2050). ووفق قاعدة أرخميدس للإحلال، فإن المد يتدحرج من الجنوب إلى الشمال.
بطبيعة الحال، لا يجب علينا أن ننتقص من قدر هؤلاء الناس -طموحهم وشجاعتهم في السعي إلى حياة جديدة. وفي عموم أوروبا التي تقل فيها نسب المواليد بعناد، ستكون كمية معينة من الهجرة موضع ترحيب. لكن سرعة وحجم ما يحدث غير قابلين للاستدامة على وجه التأكيد.
إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإننا سنشهد ضغوطاً مجتمعية متجددة في أوروبا وتداعيات سياسية خطيرة. ويجب علينا أن نساعد هؤلاء الناس للبقاء في بلدانهم، وفي إيجاد وظائف ويجب علينا أن نساعد الاقتصادات الإفريقية لرفع سلسلة القيمة. (إنها تتأرجح، بعد أربعين عاماً من أول مرة زرت فيها منطقة جنوب الصحارى الأفريقة، لأجد أنه لا يوجد هناك فعلياً أي صناعات إنتاجية حقيقية فيما عدا دولة جنوب أفريقيا).
علينا أن نتعامل مع الأدوات الاقتصادية لأزمة الهجرة. لكن علينا أيضاً إدراك أن هناك مشكلة معينة على الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، أزمة سياسية فتحت المجال أمام مبتزي الأموال.
هذه الأزمة هي ليبيا. وهذه هي فجوة الخروج التي تتسع باطراد والتي يشق المهاجرون من خلالها طريق رحلاتهم، وما لم نشفي الجرح هناك، فإن النزيف الدماغي للإنسانية سوف يستمر.
عند النظر إلى ليبيا، يجد المرء المكان غارقاً في الفوضى فيزيائياً -بنايات نصف منتهية وسيارات محترقة، وتعصف المكان برمته النفايات والأكياس البلاستيكية السوداء التي ترفرف مثل الطيور فوق كل سياج.
لكن الفوضى السياسية تظل أسوأ بكثير. على مدى 42 عاماً ظل الليبيون تحت حكم القذافي. وكان ذلك الحكم شريراً واستبدادياً وغريباً وفاقداً للكفاءة -لكنه استطاع إبقاء البلد متماسكاً غير مفكك. واليوم، لم يعد يوجد أي عمود واحد للسلطة -ولم يكن هناك منذ الإطاحة بالقذافي من سدة السلطة في العام 2011، قبل أن يتم جره من ماسورة تصريف وقتله في ظروف منفرة.
ليبيا غنية بالنفط بشكل مدهش -لكن تلك الثروة لا تستخدم لما فيه صالح الليبيين. فكيف يمكن ذلك؟ على مدى السنوات الست السابقة، استعرت الحرب بين الشرق والغرب. ويبذل رئيس الوزراء الجديد إبراهيم السراج –الرجل الذي تعترف بسلطته المجموعة الدولية- قصارى جهده، لكنه يكافح في واقع الأمر من أجل بسط سلطته خارج طرابلس.
تتنافس على الحكم حفنة من المليشيات -بعضها إسلامية متطرفة أكثر من الأخريات- في مقابل الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال حفتر. وإلى حد ما، فإنها معركة من أجل النفط والأموال. لكنها أيضاً فصائلية ومناطقية وعشائرية. وكان قبل 15 شهراً حين جاءت الأطراف إلى اجتماع في الصخيرات في المغرب، حيث وافقت على إطار عمل سياسي جديد.
منذ ذلك الحين، ما يزال الجمود سائداً، حيث يرفض أحد طرفي السياسة الاعتراف بالطرف الآخر. وثمة القليل مما يشبه دولة ليبية -بالتأكيد لا تستطيع أي هيئة أو جهة احتكار الاستخدام المشروع للعنف- وفي هذا الفراغ للسلطة، تستطيع العصابات ومهربو البشر ممارسة أعمالهم.
في الفترة الأخيرة، تناولت طعام الغداء في طرابلس، في مطعم جميل في قلب المدينة الرومانية القديمة، والذي يطل على قوس ماركوس أوريليوس، الذي لطالما هيمن على على الكاردو، شارع التسوق الرئيسي. وقد سألت سياسياً ليبياً السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه -كل أولئك منا الذين ينتمون إلى البلدان التي شاركت في إزاحة القذافي.
افترض أن الحالة الأمنية سمحت لنا بعمل تصويت شعبي؛ وافترض أننا نزلنا إلى الشوارع وسألنا عن التغييرات منذ العام 2011 وعن الربيع العربي، فماذا سيقول الناس؟ فقال: "أخشى أن الكثيرين منهم سيقولون إن الأوضاع كانت أفضل بكثير في ظل القذافي".
الآن، كان القذافي وحشاً، رجلاً انهمكت دولته في التعذيب والقمع من كل الأنواع. ولا يمكن تصور أن أحدا يريد عودته. لكن ذلك مقياس لعمق الفوضى الراهنة هي التي جعلت حكمه يستمتع بأي نوع من المقارنة المحبذة.
يجب أن يكون هناك خيار أفضل لليبيا؛ ولذلك، من الجميل أن نسمع -أخيراً- أننا نشهد بصيص أمل. في الأيام القليلة الماضية، كانت هناك اجتماعات مهمة: بين رئيس الوزراء السراج والجنرل حفتر.
يظهر الشرق والغرب على حد سواء علامات على الالتقاء معاً: فقد سافر عجيلة صالح، الرئيس المخضرم لمجلس النواب المتمركز في طبرق، للاجتماع مع عبد الرحمن صويلحي، رئيس المجلس الأعلى للدولة. ويعود الفضل في ذلك إلى الدبلوماسيتين، المصرية والإماراتية على وجه الخصوص. وثمة إجماع شرع في الظهور، ليس بين الساسة الليبيين وحسب، بل أيضاً -وعلى نحو حاسم- بين القوى الخارجية التي لها مصالح في ليبيا.
في قلب ذلك الإجماع، ثمة تفاهم على أن بالإمكان تحسين اتفاقية الصخيرات بحيث تكسب دعماً أكثر في عموم ليبيا. كما يجب العثور على طريقة للمحافظة على السيطرة المدنية على الجيش، بينما يتم الاعتراف أيضاً بدور وأهمية الجنرال حفتر. وهناك شعور بالزخم وإحساس منتشر على نطاق واسع بأن الوقت قد حان لتساعد الأمم المتحدة الليبيين على التمسك بهذه العملية السياسية.
هذه هي اللحظة المواتية بالنسبة للاعبين الرئيسيين في السياسة الليبية -الذين يمكن عدهم بأصابع اليدين- للاجتماع معاً بروح ناضجة وكريمة لصناعة تسوية جديدة لبلدهم. وتدل المؤشرات على أنهم قادرون على فعلها.
المملكة المتحدة منخرطة بقوة في دعم ذلك الجهد، ليس بسبب دورنا في العام 2011 فقط، بل أيضاً لأن ليبيا تظل حاسمة بالنسبة لمستقبلنا. وفي الدولة عديمة القانون حالياً، يشكل هذا البلد مترامي الأطراف جهاز إطلاق أو منجنيقاً قادراً على قذف أعداد ضخمة من الناس عبر البحر الأبيض المتوسط.
إذا استمرت ليبيا في وضعها الحالي، فإننا نواجه خطر خلق دولة فاشلة –تكون ملاذاً للإرهابيين ومهربي الأسلحة والبشر- على بعد أميال قليلة وحسب من الشواطئ الأوروبية الجنوبية. أما إذا اغتنم قادة ليبيا هذه اللحظة، فإنها ستكون عظيمة. وإذا استطاعوا تنحية خلافاتهم جانباً وإضفاء الاستقرار على ليبيا، فلن يصبح هذا البلد الذي يؤوي ستة ملايين إنسان قادراً على صنع استخدام معقول للإرث المدهش من الهايدروكربونات لديه، فقط، وإنما سيستطيع أيضاً فتح بعض من المواقع السياحية الأعظم في العالم، بما فيها موقع لبتيس ماغنا -الذي تعد زيارته راهناً خطيرة جداً.
في شوارع طرابلس، تستطيع مشاهدة الناس وهم يشرعون في الاسترخاء، ويحتسون القهوة والمشروبات في دور المقاهي. فقد مضت حتى كتابة هذه السطور ستة أسابيع منذ سقطت قذيفة دبابة على أحد الفنادق الكبيرة، وحيث المعنويات في ارتفاع. وإذا أغلقت عيناً عن مشاهدة السفن الحربية الغارقة في الميناء -التي أغرقتها طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني في العام 2011- فإنك تستطيع أن تشاهد كيف قد تصبح هذه بلدة منتجعات جيدة.
الشواطئ رملية بيضاء؛ مدهشة. والفنادق تنتظر من يملؤها. والبحر أزرق ومحبب يضج بالسمك الطازج. وكانت ليبيا قد شهدت في السابق ولادة أباطرة، وكانت مركزاً يعج بالنشاط في عالم البحر الأبيض المتوسط. ويمكن أن يكون لها مستقبل عظيم. وكل ما تمس الحاجة إليه الآن هو الإرادة السياسية والشجاعة للتوصل إلى تسوية.
 
*محرر سابق لصحيفة "ذا سبكتيتر"، وهو الآن وزير الخارجية البريطانية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 This is a moment of hope for Libya. We can’t afford to miss it

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات