عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Aug-2017

رواية «ذات رحيل» لعفاف الشتيوي: لعبة الحكي أمام المرآة

 القدس العربي-رياض خليف

 
تطالعنا رواية «ذات رحيل» لعفاف الشتيوي بانخراط في السرد الجديد وحرص على مغامرة سردية تنهل من مقومات ما يسمى بسرد ما بعد الحداثة، وتصرف أنظارنا مبدئيّا عن الحكاية وما تثيره من أسئلة اجتماعيّة ووجوديّة. فليست كتابة الرواية مجرد كتابة لحكاية جديدة أو صياغة لأخرى قديمة أو تراثية، ولكنها محاولة للكتابة خارج المنوال وصياغة مختلفة للخطاب. ولعل هذه الرواية تنهل من ضروب الكتابة الجديدة، فتطالعنا بلغة تهرب من اللغة اليومية، لغة الاستعمال العادي نحو لغة أدبية تحرص على الاقتراب من عوالم الشعر وتحفل بالمجازات الشعرية، وتنهج نهج الخطاب الشعري بما فيها من حرص على الكتابة بلغة الاستعارات والصور الشعرية. وتركب الرواية موجة السرد على طريقة تيار الوعي، فتطلق العنان للذاكرة والهذيان ويتدفق صوت الذات مرتحلا بين الذاكرة والحاضر ومقتربا من بواطن الشخصيات.
نسجل هذه الخصائص بعجالة، لأنها تلفت المتتبع للخطاب الروائي في هذا العمل، ولكن الظاهرة البارزة التي سنتوقف عندها هي ظاهرة السرد المرآوي… سرد المرآة الذي يسميه البعض سردا نرجسيا…وهو نمط من السرد يقدم خلاله السارد في آن، الحكاية وحكاية الرواية متحدثا حينا عن مرجعه ومواقفه، ومتابعا حينا آخر عملية السرد والكتابة، ومقدما للقارئ ملاحظات نقدية وشروحا مختلفة، جامعا بين وظيفتي الحكي والنقد. وهو ما يجعل «الميتا سردي» ينتشر في مساحات هائلة من الرواية. ولعل الكاتبة قد انشغلت بهذا الأسلوب واشتغلت عليه بعمق في روايتها وهو ما يتجلى في مظاهر مختلفة من الرواية.
التعاقد مع القارئ:
تشتغل الكاتبة على هذا الخطاب المرآوي مشددة على التعاقد مع القارئ حول ورقية الحكاية، محيلة بذلك إلى النقد الشكلاني والبنيوي الذي ينفي المرجع، ويعتبر الشخصيات مجرد كائنات ورقية، على حد تعبير رولان بارت. وبذلك تنقلنا عفاف الشتيوي من روايات تسعى لإيهام القارئ بصحة أحداثها إلى أخرى تتنصل من هذه الصحة، وتتمسك بورقية وخيالية مكوناتها السّردية، وتشهرها في وجه القارئ منذ البداية، منخرطة بدورها في تهميش الحكاية واعتبارها ثانوية فهي تقول: «ليست الشخصيات والمواضيع بذات أهمية… أن تتلفع برذاذ البحر فستغرقك ملوحته ثم تأتي على أوراقك فتمضي بين شد وجذب، متنقلا بشراسة بين تخوم الأسطر». وهي لا تتردد في مكاشفة القارئ بورقية شخصياتها وفضح خياليتها «خيل إليّ إنّه الكائن الورقي الذي انتظر كي أرمّم فصول هذه الرواية الكالحة التي استهلكت سنوات من الصمت». ولكن مكاشفة القارئ لا تتوقف عند هذا الحد، بل تعمد إلى تمكينه من مواكبة لعبة التخييل والكتابة، فهي تصور لحظات الكتابة والسرد، وتتوغل في الحكي عن علاقة الذات بالورق ولعبة السواد والبياض «كان الورق مستلقيا بعريه الفاضح وكنت أملأني ببياضه أتشرب لونه المحايد المخيف، كان من الضروري أن أسويني فأسوّي آخر ما تبقى مني وأقامر بهذا الليل الذي يناوئني». ويتابع القارئ لعبة الكاتبة مع شخصياتها ورواتها وهي لعبة مخاتلة ومختلفة، فالكاتبة تحاور شخصياتها حول مواقعهم ومصائرهم في الرواية محدثة خلخلة في مواقع الشخصيات.
التخييل بصوت عال
يخرج الحوار عن كونه حوارا بين الذات الكاتبة والورق، إلى حوار بين الرواة والشخصيات، ويتحول السرد مرارا إلى تخييل بالصوت العالي، فالكاتبة تحكي عن تخييل وتحريك شخصياتها وتتحاور معهم عن مصيرهم في الرواية، فهذه شخصية تتابع وضعها داخل الحكاية وتجد نفسها خارجها «قهقه الرجل القميء ثم أمعن النظر في يديها النحيلتين، هاتان اليدان اللتان قذفتا به خارج الحبكة. وها هو يعرض انضمامه إلى شبكة الشخصيات ويصبح إقحامه محل تساؤل حول بنية الرواية. إني أمنحك فاتحة النص على أن تسويني طرفا في القصة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية أكثر إحكاما إذا ما سويت من هذا الرجل القميء طرفا ثالثا في القصة». فالشخصية الورقية تصر على تعديل الحبكة، وهي بذلك تشارك السارد والمؤلف في وظيفتهما الأساسية: «هذا الرجل الثمل بحضوركما وغيابكما يريد أن يكون طرفا في القصة، بأية صيغة حتى إذا كانت صيغة بائسة. مصر هو على تعديل الفصول، مصر هو على أن يكون طرفا في هذه القصة». وفي هذا الإطار نفسه، إي الحوار مع الشخصيات يكون إعلام احمد العامري بما ينتظره في الفصل الأخير. «عفوا أحمد العامري أفلت النص وضاعت الحبكة أنت الآن خارج الفصل الأخير للدهشة الجريمة تسويك أنت القتيل القادم عفوا خاتلك النص، بل بالاسم هل ستنتهي بهدوء؟».
خلاصة القول إن الكاتبة تمارس لعبة السرد أمام المرآة فتختلط أسئلة الحكاية بأسئلة الكتابة وبأسئلة الحياة أيضا فليس هذا النص مجرد لعبة كتابة حديثة ولكنه يحمل افقه الاجتماعي ويطرح أسئلته الوجودية التي يجدر الانكباب عليها، وهو نص مخاتل يكشف عن وعي صاحبته بلعبة الكتابة واشتغالها على نموذجها الإبداعي الخاص.
 
ناقد تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات