عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-May-2017

الصورة «الأبوكاليبس» المغربية تكشف الهوية المضطربة للمجتمع

«القدس العربي» من عبدالله الساورة: ذات يوم على متن طائرة مغربية متجهة من مطار القاهرة إلى مطار محمد الخامس في الدار البيضاء عُرض فيلم «الرجل العنكبوت»، وبسبب قبلة في الفيلم كادت أن تحدث كارثة إنسانية بين وفد لحزب العدالة والتنمية ومسافرين مغاربة. وذات مرّة أخرج نبيل عيوش فيلماً عن الدعارة في المغرب وسمى الأشياء بمسمياتها، فقامت القيامة في المغرب وفي العالم العربي بين مؤيد ومعارض. ومؤخراً عرضت القناة الثانية لبرنامج عن العلاقات العاطفية المستشرية في المجتمع المغربي، فصاحب ذلك اتهام القناة ومنتج البرنامج بنعوت يندى لها الجبين. وذات يوم وذات يوم يحدث وسيحدث.
هل يخاف المغربي وهو على طائرة من قبلة افترضية على شريط فيلم؟ ما الذي يجعل المغربي يرتعب من صورة قبلة كاتب مغربي لزوجته، أو شابة رأت في تحررها منح قبلة لشاب أمام مقهى باليما في الرباط أمام مجلس النواب ودلالاته؟ لماذا كلما تعدت الصورة المحظور تقوم «الأبوكاليبس» المغربية؟
 
الصدمة
 
الصورة في تعريفها هي خزان قاتل، بئر حافل بالتأويلات يجد المتلقي والمشاهد ضالته فيها، الصورة كشافة للعيوب، تقف عند تجاوز عتبة المقدس والمحظور، الصورة تاريخ فيه الكثير من المفاجآت والقراءات. بهذا يصبح المغربي عاريا بالمعنى الرمزي للكلمة، ويغدو أمام هول من الصدمات، وهو المحب للستر والثقافة الشفهية.الصورة على صدمتها الكبيرة للمغاربة يتم (تحاشيها) نظراً لكونها تحمل لغماً قابلا للانفجار في أي لحظة، وعلى مدار تاريخي في نسق اجتماعي معقد يعاني الكبت والحرمان والعنف.
 
الثقافة الشفهية
 
وجه دعائي إعلاني وتجاري، وآخر فني، وأخير سياسي وتاريخي.. هذه الأوجه المتعددة للصورة في ظل مجتمع لم يتعود توثيق الأحداث بالصورة، وظل متشبعا بالثقافة الشفهية وثقافة الحكي. تأتيه الكارثة حينما ينتشر فيديو لمسؤول سياسي يتناول جعة في دولة عربية بعيدة، أو يرقص في ملهى ليلي، أو حينما يبكي شاب مغربي مغمور من مدينة مهمشة عن ضياع قناته في اليوتوب ويسجل رقم مشاهدات لا عهد لها في تاريخ المشاهدة في المغرب.
 
المس الشيطاني
 
حملت الصورة في المغرب منذ دخولها نهاية القرن التاسع عشر حالة من الخوف، وقد اعتبر المغاربة الصورة الفوتوغرافية بأنها «مس من الشيطان» في ظل اعتقاد ديني رسّخ أن المصور هو الله سبحانه وتعالى. بعد قرن وعشرة أعوام من الصور ما زال المغاربة يخشون قدسية الصورة، فتحولت الصورة بدلالاتها المتعددة إلى أيقونة ومقدس يخشى الكل التورط أمامه. مئة عام من عزلة الصورة في المغرب، ظلت بعيدة عن مخاطبتها من جوانبها السياسية والثقافية والفكرية والنفسية والاجتماعية.
 
السياسي
 
ما معنى أن تنتشر صورة وحيدة ويتيمة للملك الراحل الحسن الثاني وهو نائم يسبّح في حلمه، انتشار النار في الهشيم، بنقاش غير مسبوق أين مكان الصورة.. سرير سفينة أم سرير غرفة طائرة خاصة؟ لماذا يحمل مسبحة في يده وهو نائم؟ ولماذا لم ينظر الآخرون إليه كما ننظر له نحن في الصورة الآن؟ هذه الصورة اليتيمة خلقت ضجة إعلامية ونقاشا عاما غير مسبوق وهي صامتة بعد أزيد من ثلاثين عاما وأكثر، فما حسبك بالصورة وهي تحمل أنينها، تحمل صوتها معها، قريبة من هموم المغاربة. نحن أجيال لم نر المهدي بن بركة، ولكن نحمل سيرة زعيم، ولمجرد رؤية صورته تختلط خطوط الحكاية بألوانها، وهيبة الصورة الصامتة ونحن نرى الشهيد عمر بن جلون، مضرجا بدمائه. صورة بالأبيض والأسود تخلق التاريخ وتخرج قرى وأرياف وحواضر عن موت زعيم بطعنة غدر وسبق إصرار وترصد.
نأتي لعهد جديد أشاعه محمد السادس وهو يصافح الآف المغاربة داخل وخارج المغرب بحميمية حاكم لشعبه، بعيداً عن البروتوكولات المعلبة، وفي شبه قطيعة مع عهد مضى. وحدها صور محمد السادس مع مواطنين مغاربة وعرب ومشاهير، توحي بمسافة القرب بين الكائنات الإنسانية في صور التصاق الأجساد دون احتساب المسافات، ومدى تجاوز الأعراف في أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، هو وعي جديد لملك يعرف قيمة الصورة، وهذه العلاقات الإنسانية في شكلها الحميمي وفي ارتباطاتها الجماهيرية، وفي الوعي المسكون بمصافحة الزعيم وتخليد صورته على جدران المنازل والتباهي بها، هذا الوعي يترجم إقبال المغاربة على اعتراض الملك بأخذ صورة سيلفي معه قبل تحقيق مطالبهم التي رغبوا فيها.
 
الفصام
 
ما المعنى أن تنتشر الصورة انتشاراً لا حدود له، لماذا نبتغي استقبال الصورة والتلهف على سر كنهها وعورتها ونخشى مما تحمله إن كنا مَن تعبر عنه نحن؟ هذه الخشية، هذا الخوف المصبوغ بأننا نعرف مدى خطورتها، نعرف حجم التأثير الذي يمكن أن تلحقه.
البرنامج الذي حمل صورا عن العلاقات العاطفية أو صور الدعارة في نظر الكثيرين، أبشع من صور ناهبي المال العام، يتعلق الأمر بمجال أخلاقي مؤسس على العفة والوقار والصورة النمطية التي يجب عدم خدشها. سرقة المال العام عند بعض المغاربة أهون من خدش هذه الصورة، فكيف يكون الأمر إذا كان داعية وقائدا لحركة سياسية وجد بالقرب من شاطئ المحمدية وهو يمارس فعلا صباحيا بنشوة الإمتاع؟ لماذا تقسو الصورة بهذا الحد وتتساهل مع الآخرين على اعتبار أنها فعل شخصي وكينونة ذاتية وهامش للحرية يمكن أن تتصرف فيه كما تشاء، ولكنه دائما محاط بقدر من الخشية والريبة والفضيحة المشتعلة.
 
اضطراب الهوية
 
عبر سنوات طوال أشتغل على الصور، وجدت كيف يحضر مفهوم اللذة كتطبيق على ممارسات نشعر بالتعالي عليها. كم فاجآتنا صور بنكيران وهو يذرف الدموع على أحبة، أو تغالبه اللحظة؟ وكم يشعر الآخرون بتعبير سارتر بنشوة البكاء ونشوة الانزواء ونشوة الخذلان. كم هو قاس هذا التاريخ الذي يحمل صورا مؤلمة من فرح الانتصار ونشوته إلى بردوة الموقف ولحظة التنحي إعلانا عن موت زعيم.
تحضرني صورة ماثلة في عقلي في أغسطس/آب 1999، والإعلامي المغربي مصطفى العلوي وهو يغالب دموعه بعد موت الملك الراحل الحسن الثاني، التي تناقلتها الوكالات العالمية والقنوات الدولية. دموع تترجم نهاية عهد طويل من التكتم والاحتقار والسجون والعنف غير المشروع، لماذا بكى المغاربة صورة تحمل أكثر من دلالات لقهرهم؟ صورة مصطفى العلوي وهو ينهار حتى هذه اللحظة لها هيبتها ونوستالجيا الموقف الأكبر. إننا لم نكن مستعدين لهول الصدمة.. فالسلطة ومَن يحملها لا يمكنها أن تنهار في رمشة عين.
كلما تعمقنا في صورنا وجدنا هويتنا المضطربة، وجدنا وعينا المسكون بحرقة الأسئلة، كم نخاف صور الفضائح وكم نتلذذ بها في الوقت نفسه.
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات