عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Dec-2017

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )
 
دراسة وإعداد : الدكتورة هند أبو الشعر
الحلقة الخامسة
المدرسة الحربية في اسطنبول :
الراي - وصل تحسين قدري إلى اسطنبول عام 1911م ، وقضى فيها ثلاث سنوات ، فهو عند تخرجه من المدرسة الحربية ، كانت تركيا قد دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا عام 1914 م ، وتكشف ملحوظاته عن الفترة السابقة لتخرجه من المدرسة ، سوء الأحوال فيها ، يذكر أن والده كان يرسل له مصروفا شهريا يصل إلى جنيه ذهبية واحدة ، وكانت تصل تحسين عن طريق وكيل أعمال والده في اسطنبول ، في إشارة إلى وضع والده المالي الجيد ، وبالمقابل ، فإن تكلفة الدراسة كانت قليلة ، يقول تحسين قدري : ( في أيام الجمع وفي إجازتنا الأسبوعية كنت أشتري الكثير من الحلويات والوجبات ، وأغطي مصاريفي والنثريات ، وبعد كلّ ذلك يتبقى بعض الفائض من المال ) وكلّ هذا من الجنيه الذهبية الواحدة ، ويبدو أن أوضاع العائلة تغيرت في ذلك العام وهو عام 1914 م بشكل دراماتيكي ، فقد فجعت العائلة بوفاة الوالدة ، لكنها في جانب آخر شهدت تعيين الأخ الأكبر زكي بعد تخرجه من اسطنبول في وظيفة إدارية ممتازة ، وأصبح قائم مقام قضاء قطنه ، كما أن الدكتور أحمد تخرج من باريس وعاد إلى دمشق ، وافتتح عيادته الأولى لعلاج أمراض الجلدية والزهري في موقع ملاصق لدار والده في « الشابكليه « في ضاحية القنوات المحاذية لسوق الحميدية الشهير في دمشق ، ولم يبق في اسطنبول غير تحسين الأخ الأصغر .
التدريب العسكري العملي قبل التخرج :
يورد تحسين قدري مادة على جانب كبير من الأهمية ، يصف فيها الجانب العملي قبل تخرجه ، ويبين سوء الأوضاع المعيشية في المدرسة ، يقول : ( ومن مقررات الدراسة في مدرسة « القله لي « في « مقري كوي « في اسطنبول آنذاك ، القيام بالمناورات العملية ، وأذكر أن دفعتي ذهبت إلى منطقة « جتالجه « وبرفقة طلاب مدرسة الحربية « بانفلاتي « لإجراء المناورات لمدة شهر ، فأمضينا الشهر بطوله ننام في العراء ، ونتوسد الصخور ، ونمشي باليوم الواحد ثلاثين كيلومترا ، وكل منا يحمل من حوائجه ما وزنه ثلاثين كيلوغراما ، بالإضافة إلى بنادق الماوزر الألمانية الصنع ، وقد تمّ تكريم المجموعة المتدربة بأن دعاهم مدير المدرسة وهيب باشا إلى حفل ختان ابنه ، كما كانوا يأخذونهم أحيانا إلى أحد القصور السلطانية للنزهة .
كانت الظروف الأمنية التي تمر فيها اسطنبول صعبة للغاية ، فمع اشتداد أزمة حرب البلقان ، وهزيمة الأتراك التي وصفها تحسين قدري بأنها « فاجعة « وكان السلطان رشاد غير قادر على ضبط الأمور الأمنية ، كان على طلاب المدرسة الحربية أن يشاركوا في حفظ الأمن باسطنبول لحماية السفارات ، وكان تحسين قدري قد نجح بتفوق في الدروس الحربية ، وخاصة بإصابة الهدف بالعتاد الحي ، وكان يخطط للدخول في سلك الفرسان الخيالة ، فأجريت القرعة لاختيار طلبة الخيالة من بين الناجحين ، فكان تحسين من بين الذين أصابتهم القرعة ، وأصبح رئيس فرقة الخيالة بسبب غياب القوات العسكرية للقتال ضد البلغار والصرب ، وكان الفصل شتاء ، وشتاء اسطنبول شديد القسوة ، وقد وجد الضباط الخيالة الذين يمارسون عملهم للمرة الأولى أن خير ما يهزم البرد هو المشروب ، فكانوا يمزجون البيره مع قدح من الكونياك ، ورغم أن القوات العثمانية كانت تحارب على الجبهة البلقانية بكل قواها ، لكن الهزيمة كانت ساحقة ، ووصل الصرب واليونان والبلغار إلى مشارف اسطنبول « شتالجه « ، فتحمس طلبة المدرسة الحربية ، وطالبوا بالالتحاق بالجبهة ، ولكن القائد العسكري في اسطنبول حال دون مشاركة الطلاب في الجبهة ، بسبب النقص في الجهات العسكرية التي تحافظ على الأمن في اسطنبول ، وتمّ تكليف الطلبة بحماية السفارات .
 
ويبدو أن الحياة العامة في المدرسة الحربية كانت صعبة وغير مقبولة ، يذكر تحسين قدري أن الطعام كان شحيحا ورديئا ولا يمكن أكله ، ففي الصباح يعطى الطالب فنجانا من الشاي مع قطعة خبز سوداء اللون فقط ، أما ظهرا فلا يوجد غير طبق واحد يتكرر وهو الفاصوليا الخضراء ، وهذا الأمر كان يثير احتجاج الطلاب ، ويبدو أن النظافة كانت معدومة ، فقد اكتشف الطلاب فأرة في إناء الطبخ ، فقاموا بإرسال كتاب احتجاج إلى مدير المدرسة ، ويبدو أنه لم يأخذ إجراء ، وكانوا يكتشفون الصراصير أيضا في طعامهم ، وقد اعتادوا على رؤية الذباب فلم يعودوا يتذمرون منه ، وقد حمل تحسين قدري مهمة الاحتجاج لضابط الغفر ، فلم يبد أي اهتمام بدعوى أن على الجندي أن يتدرب للتحضير للمعارك ، وأسكته عندما قال له أن الجنود في الجبهة لا يأكلون طعاما ساخنا مثلكم ، يأكلون البقسماط الناشف مع الزيتون فقط ..! فما كان من تحسين إلاّ أن تراجع ، واعتمد على شراء المواد الغذائية الناشفة مثل الجبن والزيتون بما يصله من مخصصات شهرية من والده.
يبدو من مذكرات تحسين قدري دور العسكريين الألمان في التدريب العسكري ، فقد كان في مدرسة الفروسية مدير الإدارة الفون فريزه الألماني ، في حين كان رئيس المدرسة ناصر بك التركي ، ويصف التدريب في مدرسة الفروسية التي اختارها بأنه صعب وقاس ، فقد كان يجب على الطالب أن يقضي ثلاث ساعات يوميا على ظهر الجواد ، وهو يحمل عدته كاملة ، ومعه بندقيته محمولة على ظهره ، ويشكو تحسين قدري من ثقل الحمل الذي أثرّ فيما بعد على عموده الفقري ، وبعد التدريب الشاق ، تقدم تحسين قدري لامتحان الفروسية فنجح بدرجة « ممتاز « ونال المرتبة الأولى في مادة « الفنون الحربية « على مجموع المتقدمين وعددهم يزيد على الألف طالب ، وأعطي في الامتحان التأهيلى درجة التفوق ، وأصبح ( ضابط وكيلي ) ولم يبق عليه غير التدريب العملي ومدته ستة شهور ، في حين بدأت بوادر اشتراك تركيا في الحرب العالمية الأولى تبدو في الأفق .
تحسين قدري يشارك في ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى :
يقول تحسين قدري مفسرا سبب نشوب الحرب العالمية الأولى : ( كثرت الصراعات والخلافات السياسية بين الدول الأوروبية في مطلع القرن العشرين ، ثم تبلورت ساحة الصراع إلى معسكرين ، فهناك فرنسا وروسيا وحلفائهما من ناحية ، وألمانيا وحلفائها من ناحية أخرى ، ونظرا لحدة الصراعات وقرب الدول المتصارعة ، لم يكن في وسع الدولة العثمانية المحافظة على موقف الحياد لفترة طويلة ، ومما لا شك فيه أن من أهم العوامل التي دفعت بها للتحالف مع ألمانيا هو خوفها من مطامع روسيا في التوسع جنوبا ، والسيطرة على ممر الدردنيل ، وقد تجلتّ هذه الأطماع عام 1909 م حين عقد التحالف بين روسيا وإيطاليا ، حيث أطلق الروس فيه يد الطليان في احتلال ليبيا ، مقابل الوعد بعدم التدخل إذا ما أراد الروس احتلال الدردنيل . وبالرغم من وضوح الأطماع الروسية لم تتخذ الدولة العثمانية قرار الانضمام إلى المعسكر الألماني بسرعة أو سهولة ، فقد أصابها الوهن بعد خسائر حرب البلقان ، وكانت تريد استعادة قواها ، وكان لفرنسا أصدقاء ذوي نفوذ في اسطنبول ، ومنهم جمال باشا ، الذي سافر إلى باريس قبيل اندلاع الحرب ، واجتمع بوزير الخارجية الفرنسي ، طالبا منه المساعدة في إعادة البناء ، وضمان كيان الدولة العثمانية مقابل خروجها من الحياد وانضمامها إلى المعسكر الفرنسي ، ولكنه أجاب بأن عليه التشاور مع الروس خصوم تركيا التقليديين قبل إعطائه الرد ، وكان هذا الموقف من أهم العوامل التي أدت إلى معاهدة سريةّ بين تركيا وألمانيا في 2 أغسطس عام 1914 م ، ثم إلى دخول تركيا الحرب في منتصف نوفمبر من عام 1914 م ، وقد ابتدأت الهجمات الروسية من خلال أرمينيا وعلى بلاد الأرضروم الواقعة في شرق تركيا ، وكان على اسطنبول الإسراع في حماية هذه الجبهة) . هذا هو التحليل المباشر الذي قدمه تحسين قدري في مذكراته لمشاركة تركيا في الحرب العالمية الأولى ، والأهم من هذا ما سجله عن جبهة الأرضروم ، وكان شاهد عيان على الأحداث .
تحسين قدري في جبهة الأرضروم :
يبدو أن تركيا لم تكن على استعداد مسبق للدخول في العمليات العسكرية وزج شبابها وشباب الشعوب الخاضعة لها في ميادين القتال ، يقول تحسين قدري ( لم يكن في دفعتنا من صنف الخيالة أكثر من خمسين فردا ، وكان هذا الصنف في تقلص مستمرّ ، بحيث كنت أخشى أن يتمّ تنسيبي لصنف آخر كالمشاة أو المدفعية ، وكان يتمّ ذلك بالقرعة ، وسحبت القرعة لاختيار عشرة فقط من بين الخمسين خريج للانتساب لفرق الخيالة ، وكانت فرحتي كبيرة لسحب رقم الخيالة ...! )
نحن نتحدث عن حرب عالمية ، وعن ساحات معارك تحتاج لجهود الفرسان والخيالة ، ونتحدث عن جيش الإمبراطورية التي تضم شعوبا عديدة من العرب والصرب والأرمن والبلغار والأكراد واليونان ، فهل يمكن أن يكون عدد خريجي أكبر مدرسة حربية في اسطنبول خمسين فارسا وخيالا فقط ..؟ والأمر الذي يصعب تصديقه اختيار عشرة من بين الخمسين في سلك الفرسان ..؟ وهل يمكن لدولة هذه استعداداتها الحربية ، مهزومة في ساحات البلقان أن تجابه قوى عالمية جيدة التدريب والتسليح ..؟ دعونا نتابع ما شاهده تحسين قدري ، وما مرّ معه في ميدان الأرضروم .
يقول : ( صدر الأمر الإداري للتسفير إلى جبهة القتال في اليوم التالي لسحب القرعة ، وركبت الباخرة للتوجه إلى ميناء « سيواس « على البحر الأسود ، ومنها إلى أرضروم ، وقد عينت ضابطا نظاميا برتبة ملازم ثاني في لواء الخيالة الثاني في البلوك أو الفوج الثاني والسرية الثانية ، وكان آمر الفرقة يومها يوسف عزّ الدين الشهير وهو قائد معروف ، وآمر اللواء مرسل باشا ، وآمر الفوج يوسف ضياء ، وكان من أهالي دمشق ، أما آمر السرية وهو رئيسي المباشر فلم يكن من خريجي المدارس الحربية ، وإنما تدرج في الترقية ، ويطلق عليهم اسم ( الأيلي ) ، وكان هو ومن معه من رفاقه يهزءون من تعليمات الفروسية الألمانية الحديثة ، ويعاكسونني ، وأنا أشعر بالضيق من ذلك ، ولكنى رغم هذه المشاكل أمضيت أكثر من ثلاثة أشهر في إعطاء التدريبات والدروس في فنون الفروسية والحركات القتالية ، ونتيجة لنجاحي وإخلاصي في التعليم ، عينت مرافقا لآمر اللواء ، وهكذا تخلصت من مضايقات ضباط « الأيلي « ، واخترت حصانا عربيا ، وكان مرافقي أحد الجنود من مناطق أرضروم ) .
 
مثل هذه المعلومات لا نجدها لدى كتب التاريخ ، وهي الأمور المسكوت عنها ، والتي تعمل عملها في الداخل ، وتؤثر على تماسك الجبهة ، وهي الأمور التي لا يحسب لها حساب عند الحديث عن تخلخل الجبهة وعدم تماسكها ، وواضح أن هناك شرخ بين الفئات التي تلقت تعليما عسكريا حديثا في تركيا ، يعتمد على الخبرات الألمانية الحديثة ، وخاصة في موضوع الفروسية والخيالة ، وبين الفئات العسكرية التركية التقليدية في مجال الفروسية ، والتي لم تطلع على الأساليب الحديثة التي أدخلها الخبراء الألمان ، ومثل هذه الملحوظة لها أثرها في خط سير العمل ، ويبدو أن عدد اللذين تلقوا تدريبا حديثا على أيدي الخبراء الألمان كان محدودا ومنهم تحسين قدري ، وأن عدد اللذين يسيرون على الأساليب التقليدية هو الغالب ، إلا أن تحسين قدري أثبت حضوره في مرحلة التدريب قبل أن تبدأ المواجهة العسكرية مع الروس على جبهة أرضروم ، وهي الجبهة الخطيرة التي تدخل منها روسيا من خلال بلاد أرمينيا ، وكان الأتراك يتهمون الروس بأنهم هم الذين يحرضون الأرمن على الثورة على السلطة العثمانية ، ويثيرون النعرات لمصلحتهم ، فالعداوة بين روسيا وتركيا تقليدية على الوصول إلى مفاصل المناطق البحرية ، التي كان الروس يرونها قبل توجه الأتراك بفتوحاتهم نحوها والسيطرة عليها ، ملك تقليدي لهم ، وهو صراع استراتيجي واقتصادي لا ينتهي ، حيث كان الروس دائما يطمعون بالوصول إلى الممرات البحرية الدافئة للتخلص من تجمد المساحات البحرية التي يجوبونها ، والتي تعطل أسطولهم ، وتحدّ من قدراتهم العسكرية ، لذا كانت هذه الجبهة هي البداية التي فتحتها روسيا ، واختارت أن تبدأ الصراع مع تركيا في فصل الشتاء .. والأهم من هذا أنها ألقت بفرقة القوزاق العنيدة الشرسة في هذه الجبهة ، وهم الذين ترتجف القلوب خوفا من سيوفهم القصيرة الحادة ، ومن حركاتهم السريعة الرشيقة والقاتلة ، كما أن هذه الجبهة تنفتح على بلاد الأرمن الذين سرعان ما يختارون الروس على الأتراك .
فكيف واجه الأتراك هذا الوضع ..؟
كيف وصف تحسين قدري الجبهة التركية التي حارب فيها للمرة الأولى في حياته العسكرية ..؟
وكيف واجه أهالي أرضروم هذا الشتاء المرعب مع الهجوم الروسي العنيد ..؟
 
ننتظر إلى الحلقة القادمة لنقرأ تفاصيل هذا الصدام الذي خاضه تحسين قدري ممثلا لفرسان الجبهة الأولى التي فتحتها الدولة العثمانية باختيارها الدخول في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ، دونما استعداد ودونما تنظيم ، وكانت قد خرجت مهزومة من حروب البلقان ، تجرّ خسائرها ، التي أثارت غضب شعوب الدولة العثمانية ومنهم العرب ، الذين وجدوا أنفسهم في حرب عالمية واسعة لم يختاروا الدخول فيها ، وهم على علم يقين بأن أبناءهم سيكونون وقودها ..وأي وقود ..؟
إلى اللقاء .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات