عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Apr-2018

اشتغال الرّمز زمانيّا وآنيّا

 القدس العربي-توفيق قريرة

لغتنا مليئة بالرّمز، وعلى كل لغة طبيعيّة متحرّكة أن تمتلئ به. نحن نحتاج الرّمز في كلامنا أكان عامّيا أم أدبيّا، بسيطا أم معقّدا. الرّمز حاجة وليس اختيارا ؛ والمرء مزوّد فطريّا بقدرة على صناعة الرّمز أو فهمه هي جزء من القدرة التي يسميّها العرفانيّون «القدرة التّصويريّة». صناعة الرمز تقتضي أن نستخدم العلامات في إطار تتنكّر فيه لشبيهها المرجعي وتنغمس في الاعتباط فتفقد أيّ رابط لها بما تمثّله. فإذا كان التشابه العلامي يصنع الأيقونية، فإنّ كسر المشابهة وهو على ما نزعم درجة أرفع، يصنع رمزيّة العلامة.
لتبسيط الصورة سنمثّل للأمر بالشيء وصورته في المرآة، في هذه الحالة تكون الصورة المنعكسة هي الرمز الإيقونيّ وكلّما حرّفت المرآة المرجع لعوج فيها أو لإشكال في الانعكاس ابتعدت العلامة عن أيقونيّتها. لكنّ المرآة مهما حرّفت صور الأشياء تظلّ محافظة على جزء من إيقونيّتها؛ وإذا كانت المرآة لا قدرة لها إلاّ على العكس؛ فللذّهن البشري قدرات أكبر على التّمثيل ومنها قدرة الترميز. ليست كل الأشياء قابلة لأن تُحاكى بآليّة ما من آليّات المحاكاة والتمثيل، فيمكن أن أرسم قطّا أو أن أحاكي صوته ويمكن أن أسمّي اسمه باسم محاكٍ لصوته (مُواء) هذا الضرب من التمثيل ممكن في الأشياء ذات المرجع الملموس؛ لكنّ الأشياء ذات المرجع المجرّد وغير الملموس لا تقبل تمثيلا من هذا النوع.أنا مثلا لا أستطيع أن أرى أيّة جزئيّة من شعوري في المرآة ولا تستطيع أيّة آلة تصوير أن تصوّر أيّة جزئيّة من انفعالي الآن وأنا أكتب ومن انفعالك أنت وأنت تقرأ؛ ستتعطّل الآلة وتتعطّل الصورة لكنّ الملكة التصويريّة ستتصرّف بأن تؤلّف من الأصوات أو الصّور المتاحة رموزا، فقط عليها أن تفقد علاقتها القديمة بما ترتبط به. 
يخرّب الرمز العلاقة القائمة والممكنة بين الدّال والمدلول لا لينشئ علاقة جديدة بل ليمحوها بتاتا ستكون علاقتهما ضروريّة لا معلّلة: لا يوجد الدّال الرمزي دون مدلوله الرمزي هذا معنى الضرورة، لكن أن تسأل عن العلاقة بين الدال والمدلول علّيّا فليس هذا بأمر ذي موضوع في الرمز كما هو عليه في الأيقونة. في الأيقونية أنفي الذي لي هو أنفي الذي في الصورة وصوت مواء القطّ يوحي بشيء من اسمه العربي؛ لكن أن تضع دولة ما شعارا لها سفينة وتقول إنّه رمز الحرّية فإنّ السؤال عن العلاقة المبرّرة بين السفينة والحريّة ليس ذا موضوع وأنّ السفينة تدلّ على كامل المعنى وأنّ جزءها لا يدلّ على جزء الرمز فهذا مبدأ أساسي في الرمز. 
الرمزية طبقات وما يعنينا ههنا هو اشتغال الرمز آنيّا في الكلام ويمكن أن ننطلق لبيان ذلك من بيت المتنبّي الشهير الذي يقول فيه: (وسِوَى الرُّومِ خلْف ظهْركَ رُومٌ * فَعَلى أيِّ جَانبيْكَ تميلُ). في هذا البيت رمز كثيف بعضه يشتغل زمانيّا وبعضه يشتغل آنيّا. اشتغال الرّمز زمانيّا يعني أنّه يرتكز على استعمال النّاس له في دلالة استقرّت لبعض الوقت في المجموعة اللغويّة أو الثقافية التي تستعمله. مثال ذلك الظَّهر الذي يدلّ رمزيّا على الإدبار وإذا ما اقترن بالعداوة دلّ على عدم مواجهة الأعادي للمُعَادَى وبالتالي كان لذلك معنى رديف للجبن. وبناء عليه استخدمت العبارة (طعنه في الظهر) ومثيلاتها رمزا مركّبا يدلّ على الغدر والخيانة والجبن. يشتغل الرمز زمانيّا مثلما تشتغل كلّ العلامات المركبة في سياق ثقافي مخصوص فتثبت دلالتها على معنى. الثّبات على هذا المعنى يكسبها معنى أسطوريّا، والأسطوريّة هنا تتأسّس على دلالتين مفارقتين: إن كنتَ عدوّا حقيقيّا وشجاعا واجهْني وهذه الدّلالة تقابل دلالة ثانية: إن طعنتني في ظهري فأنت عدوّ غير حقيقيّ وجبان. تنتج ثقافة المواجهة أسطورة البطولة وهي أسطورة تصنعها الوقيعة والنّزال والاستبسال والغلبة؛ وتكون الهزيمة فيها شرفا والبطولة استبسالا وشجاعة. 
رمزيّة القيمة ثابته بقطع النّظر عن الغالبيّة والمغلوبيّة. الأسطورة ههنا تصنعها الملاحم والوقائع والأيّام والحروب والغارات وتُعْلي من شأن الأفعال والصّفات؛ لكنّ الأسطورة النقيضة لها هي أسطورة الخديعة لا بطولة فيها ففي الغالب يكون الطّاعن من الخلف عدوّا غير محتسب الحركة يشبه فعله غدر النوائب وفي عالم البشر غالبا ما يكون من الغادرين وأقسى الغدر أن يكون من الأهل. الطّعن من الخلف رذيلة في ثقافة بطولتها تقوم على المواجهة. صنعت الأسطورة بطولة مثاليّة لا تُبنى على النتيجة بل على المسار المؤدّي إليها. الوقائع يمكن أن تصنع أبطالا في التّاريخ يطعنون من الخلف. لكنّ التاريخ الذي لا يهتمّ إلا بالانتصارات ولا تعنيه تفاصيلها هي لا تعني إلا الأسطورة.. الأسطورة تعشّش في أذهان الشّعوب والمزيفة منها يمكن أن تصنع التاريخ الرسمي ولا سيّما إذا كانت السياسة محكومة بالدسيسة والطعن في الظهر، والانقلابات لا تأتي من بين أيدي الساسة المغدور بهم بل من خلفهم.
أمّا الرمز الآنيّ في بيت أبي الطيب فهو في القدرة على شحن عبارة الرّوم بشحنة رمزيّة آنيّة تحوّلت بمقتضاها من الإحالة على الرّوم باعتبارهم جنسا تربطهم بالممدوح وقتها علاقة عداوة إلى جعلها دالة دلالة ثانية ووفق وضع مرتبط بالسياق على العداوة مطلقا؛ فروم صارت في استخدامها الثّاني لا تعني عدوّا بعينه بل عنت العدوّ مطلقا. أفرغت العبارة من مقولاتها الأولى وشُحنت بثانية ففقدت قوّتها التعيينيّة المخصوصة وصار لها قوّة اسم الجنس، وفقدت تعريفها وتحديدها لتصبح نكرة شائعة يمكن سحبها على غير ما تسمّت به. يمكن أن تكون عدوّا للمدوح غير روميّ (عربيّ مثلا) ومع ذلك تصبح روميّا بالرمز. أن تكون روميّا حقيقيّا وعدوّا، أقلّ من أن تكون روميّا رمزا (قريبا) وعدوّا؛ الرمزيّة لا تقلّل من عداوة العدوّ الأصلي (الروم) بل تقوّي من عداوة الحبيب. اشتغال الرمز آنيّا كان في البيت اعتمادا على ما يسمّيه القدامى بالعهد الذكريّ وما يسمّى اليوم ببساطة بالذاكرة السّياقية: يكفي أن يكون لكلمة قريبة في السياق دلالة حتى تستطيع أن توظفها رمزيا في تلك الدلالة افعل وسيُواضعك المتلقي على ذلك لكن سيواضعك عليها في سياق وقتيّ ومحدود وبعد ذلك تعود العبارة إلى أصل وضعها الأوّل كأنّها لم تخض تجربة الرمز الآني أو السّياقي. ليس الأمر كما في الرمز الزّماني هذا يحدث حين يصبح الرّوم رمزا للعدوّ في أيّ سياق وهذا مألوف في استعمالاتنا اليومية. 
أختم ممثّلا بنادرة حدثت في سبعينيات القرن الماضي لأستاذ تاريخ في قريتنا كان يشاع بين أهلها أنه شيوعيّ. وحدث أن دخل دكّان تاجر شيخ كان يحفظ القرآن يريد أن يبتاع منه شيئا، فرفض الشيخ أن يبيعه بتعلّة أنّه لا يبيع شيوعيّا بضاعته. سأله المرحوم وما معنى شيوعيّ؟ أجاب ببساطة: أي يهوديّǃ
يشتغل الرمز آنيّا وزمانيّا بقوّة العقيدة والإيديولوجيا ويشتغل بفعل وسائل الإعلام. ولم يكن للمتنبّي وسائل إعلام، لكن كان الشعر يقوم بهذا الدّور. كان من دوره صناعة الرمز آنيّا ولمَ لا يصنعه زمانيّا في عصر الشّعوبية التي لم تنته؟
 
٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات