عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Dec-2017

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )
 
 
دراسة وإعداد : الدكتورة هند أبو الشعر
الحلقة الرابعة
دمشق عام 1908 م وتحسين قدري في مكتب عنبر :
الراي - استطاعت والدة تحسين قدري أن تنجح بمساعيها ، لنقل زوجها قدري من البصرة إلى دمشق ، ولا يذكر تحسين قدري كيف فعلت هذا ، وبمن استعانت ، لكنها بالتأكيد امرأة شجاعة ، وتريد أن تجمع شمل عائلتها التي تفرقت بسبب عمل زوجها العسكري الملتزم ، وكلّ ما سجلته المذكرات أن العائلة عادت إلى دمشق ، وتركت الأم وابنها وابنتها اسطنبول ، وعاد الوالد قدري إلى بيت العائلة في دمشق ، ومع هذه العودة تمّ تسجيل تحسين قدري في مكتب عنبر ، الذي يعتبر في ذلك الوقت المكتب الأقوى والذي يحلم الطلبة من كلّ أنحاء بلاد الشام للدراسة فيه ، ويضمّ قسما ليليا اجتذب أهالي شرق الأردن وفلسطين ، وأصبح تحسين قدري أحد طلبته .
كان تحسين قدري في الصف الخامس ، ومع انه ذكر أنه كان في بغداد في المدرسة الإعدادية ، إلا ّ انه في تأريخه لعودتهم لدمشق ودخوله لمكتب عنبر الإعدادية أيضا ، قال بأنه أدخل إلى الصف الخامس ، ونفهم من هذا أنهم اجروا له امتحان قبول وقبلوه في هذا الصف ، وربما كان هذا بسبب غيابه ودراسته في اسطنبول ، وكان معه في نفس الصف نسيب البكري وهو ابن عطا البكري ، الرجل الدمشقي الوجيه الذي كان ينزل عليه الأمير فيصل ضيفا كلما زار دمشق ، وابنه نسيب هذا أصبح عضوا في جمعية العربية الفتاة ، ولازم فيصلا وعمل للقضية العربية بإخلاص .
وذكر تحسين بأنه كان الطالب الأصغر سنا في الصف ّ، وانه حصل رغم صغر سنهّ على المرتبة الثانية على دفعته ، وكان مغرما بالأدب والتاريخ والفنون الجميلة والخط والرياضيات .
زمن الأحداث الكبيرة في الدولة:
يؤرخ تحسين قدري في هذه الأثناء لأكبر الأحداث التي بدأت تمرّ بالدولة ، وهو إعلان الدستور عام 1908 م ، وكيف قابلته شعوب الدولة ، يقول : ( في تلك الأثناء ، كانت الأحداث التاريخية تتوالى سراعا لتغيير شكل المنطقة بأسرها ، ففي سنة 1908 م أعلن الدستور في الدولة العثمانية ، وزحف أنور ونيازي على اسطنبول انطلاقا من الرومللي ، وفي البداية نظرت كافة الشعوب إلى هذا التطور نظرة التفاؤل ، ورحبّ الجميع بما فيهم المثقفون العرب بسيادة الدستور أيماّ ترحيب .. ) ويورد كيفية احتفال مكتب عنبر بهذه المناسبة ، فمع أن طلبة المكتب كانوا في مطلع صباهم ، إلاّ أنهم ساهموا في الأحداث بطريقتهم ، وكانوا يقومون بالتظاهر والاحتجاج ، وتتم معاقبتهم من قبل الإدارة حسبما ذكرت بعض مصادر المرحلة التي أرخت لدور مكتب عنبر في التعليم والثقافة في بلاد الشام ، وفي تخريج الكفاءات الفكرية والعلمية وتحديدا السياسية آنذاك ، يورد تحسين قدري ما قام به طلبة المكتب احتفاء بالدستور ، فيقول :
( وفي المدرسة الإعدادية أجري احتفال ابتهاجا بهذه المناسبة ، وكلفت أنا بإلقاء الخطاب ، على الرغم من صغر سنيّ ، وألقيته ارتجالا باللغة التركية ، وقوبل بالتصفيق والاستحسان ..) ويبدو أن والده المفتش ورئيس ديوان الحرب للجيش الخامس كان من بين المدعوين ، واستمع إلى خطبة ابنه الصغير ، وبالتأكيد فإنه ترجم شعوره بالفخر بابنه الذي ألقى الخطبة نيابة عن صفه ، مماّ جعله يكافئه مكافأة مالية مجزية ، فقد منحه عندما عادا إلى البيت « مجيدي « أيّ ما يعادل ربع جنيه ذهب ، وقال له مشجعا إنه مسرور جدا لنجاحه في الخطابة .
لم تدم فترة دراسة تحسين قدري في مكتب عنبر ، فقد رسم له والده مسارا آخر غيرّ مجرى حياته ، وجعله يكررّ مسار والده العسكري ، فقد قرر الوالد أن يدخل ابنه الأصغر المدرسة العسكرية ، وهكذا كان ..!
 
المدرسة الرشيدية العسكرية يقول تحسين قدري مبررا هذا التغيير الكبير في حياته : ( رغب والدي أن يكون مسلكي في الجيش تخليدا واستمرارا لمسلكه ، ولذلك قررّ إخراجي من مدرسة الملكية ، وإدخالي مدرسة الرشدية العسكرية ، ولم أرغب حينها في هذا القرار ، وكانت نظرتي لهذا التغيير من قبيل التراجع وليس التقدمّ ، حيث أن تفوقي في الامتحان سوف لن يدخل في نظر الحسبان ، وسوف أدخل الفصل المقابل لسنيّ فحسب ) ونفهم من هذا أن القرار كان من طرف واحد ، وكان على الابن أن ينصاع لرأي والده وقراره الذي غيرّ مجرى حياته بالتأكيد .
تغيرت حياة الطالب تحسين ، وبدأ يهمل دروسه ، وكان لا يقوم بأي واجب إلا عند اقتراب الامتحانات ، في حين أنه ينغمس بقراءة كتب التاريخ والمغامرات ، وكانت نتيجته في نهاية العام النجاح العادي فقط دون أن يحرز أي تفوق كعادته ، وكانت اللغة العربية تدرسّ بالتركية ، وأستاذها تركيّ ويلبس العمامة ، ويذكر صاحب المذكرات أن اسمه « الميرعشلي « ، ولنا أن نتصور أن يقوم تركي بتدريس اللغة العربية وباللغة التركية ..! أليس في هذا أكبر استفزاز لمشاعر العرب الذين كانوا يحسون بأن العربية هي روحهم النابضة ، أليس هذا اختطاف للروح ..؟ وهل يمكننا أن نبحث بعدها عن أي تبرير لانتفاضة العرب وغضبتهم الكبيرة بعد ثماني سنوات فقط ..؟ وهذا كان يجري في زمن الدستور الذي هللّ له العرب واحتفوا فيه ، أملا في الحرية والكرامة والمساواة .
لم تدم فترة الصدمة التي عاشها تحسين قدري طويلا بسبب تغيير مسار حياته ، فقد تنبه لخطورة ما يقوم فيه من إهمال ولامبالاة ، يقول : ( تساءلت لنفسي في جدوى عدم الدراسة ، فعكفت على قراءة المناهج العسكرية ، ووجدتها شيقة ، فازداد اهتمامي وزادت قراءاتي ، حققت نجاحا كبيرا في المراحل الأولى ، وكنت متقدما ، وقمت بإعطاء الدروس ليلا لكثير من زملائي في الفصل ..! )
إذن ، استعاد تحسين قدري شهيته للدراسة والتفوق كعادته ، وكانت مرحلة دخوله للمدرسة الإعدادية العسكرية إعادة لتاريخ والده العسكري في اسطنبول ، ولأن وعيه السياسي والفكري بدأ يتيقظ ، فقد أحسّ يومها بما يحدث بين الشباب العربي الذي يدرس في اسطنبول ، وبدأت مرحلة جديدة في حياته ، مع هذا التجدد في فكر شباب العرب الذين أخذوا يتكتلون بحثا عن هوية .
بداية التنظيمات العربية تحت هذا العنوان ، كتب تحسين قدري في مذكراته كلاما جميلا يدل على يقظته ، ويبدو أن لشقيقه الدكتور أحمد دوره في هذا ، ومع أنه لم يذكر هذا صراحة ، لكنه أورد طبيعة المرحلة التي عاشها ورآها في المدرسة العسكرية في اسطنبول ، وسنورد ما كتبه مبررا ظهور ما أسماه « التنظيمات العربية « :
( بدأت الاتجاهات المتحيزة للقومية التركية تظهر من خلال الحركة الطورانية ، مما دفع بالقوميات الأخرى للتكتل حفاظا على مصالحها واستقلال شخصياتها ، فأنشأت النوادي والأحزاب والصحف القومية للأرمن والأرناؤوط وغيرهم ، ولاقى هذا الشعور صداه بين فريق من ذوي المقامات الرفيعة وأهل الرأي من العرب ، فأنشئوا جمعية « الإخاء العربي « ، وكانت غايتها المعلنة إعلاء شأن القومية العربية وأبنائها ثقافيا واقتصاديا ، ولكن بدون إظهار أي عداء للحكم القائم ،ومن سياستها دعم « جمعية الاتحاد والترقي « في الدفاع عن الدستور ، والحفاظ على وحدة القوميات تحت راية الدولة العثمانية ، بدون تعصب وبالعدالة والمساواة . ولكن هذا الواقع لا يشجع هذا الشعور المثالي ، فمظاهر العداء السافر للقوميات غير التركية ، وخصوصا للعرب ، كانت منتشرة ، مما حدا بالكثير من جاليات الشعوب العثمانية بإنشاء الجمعيات السرية ّ للدفاع عن حقوقها ومصالح شعوبها ) .
يرصد تحسين قدري الأحداث التي حدثت في اسطنبول في الفترة التي كان يدرس فيها طالبا في المدرسة العسكرية ، يقول : ( لم يدم الحال في صالح جمعية الإخاء العربي طويلا ، ففي 31 مارس من عام 1909 م ، قام أفراد الجيش في منطقة اسطنبول بالعصيان المسلح ، وجردوا الضباط من رتبهم ، وطالبوا بالرجوع إلى الأوضاع السابقة ، واستعادة عبد الحميد لسلطاته ، مماّ دفع بالجيش المرابط في الولايات العثمانية في أوروبا بالزحف على اسطنبول ، بقيادة محمود شوكت باشا العراقي الأصل ، والقضاء على الفتنة ، وخلع عبد الحميد نهائيا ، وبما أن معظم مؤسسي جمعية الإخاء العربي كانوا من مؤيدي العصيان ، فقد انحلت الجمعية تحت هذه الظروف .. ) في ظلّ هذه الظروف التي كانت تغلي في اسطنبول والولايات العثمانية كان تحسين قدري في المدرسة العسكرية ، وهذا يعني أنه كان في قلب الصراع الدائر بين العسكريين .
 
اسطنبول عام 1911 م
يقول تحسين قدري : ( ذهبت إلى اسطنبول سنة 1911 م للالتحاق بالمدرسة الحربية في « القوله لي « وهناك يتجمع الطلاب من جميع أنحاء البلاد العثمانية في آن واحد ، ووقتها كان مدير المدرسة « وهيب بك « الشهير بلقب « وهيب باشا « ) ، وكانت هذه الفترة التي قضاها تحسين قدري في المدرسة العسكرية سببا في ظهور مشاعره القومية وتأججها ، نظرا لما شاهده من ممارسات عنصرية ، وسنركز على قراءة ما أورده نظرا لأهمية رصده المباشر من قلب المدرسة العسكرية التي كان يجتمع فيها 1500 طالب من جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية .
 
التعصب الطوراني
وكانت البداية عندما تلقى رسالة من شقيقه الدكتور أحمد من باريس ، ومعها كتاب بالفرنسية ، يقول مبررا سبب مشاعره بالغضب : ( بدأت أشعر بوجوب التكتل للدفاع عن القومية العربية أمام هجمات فرقة الاتحاد والترقي ، واستعلاء أفرادها للقومية التركية ، ومن مظاهر العداء كان بمنع قراءة كتب التاريخ العربي ، ولكني كنت أقرأها سرا خلال ساعات الليل ، وفي إحدى الوقائع التي مستني كانت هذه الحادثة : استلمت بالبريد من أخي أحمد في باريس كتابا قصصيا بسيطا لكي أقرأه ولا أنسى ما درسته من اللغة الفرنسية ، فاستدعاني المدير ، واستفسر عن سبب مراسلاتي مع باريس ، فأخبرته ، ولكن لم يجدي التفسير ، وفي النتيجة منعت من التراسل مع أخي بدون سبب وجيه ...! ) وبالطبع ، فإننا نتوقع من الطالب الذي يعيش بعيدا عن أسرته ، وفي جوّ عسكري صارم ، أن يغضب لمنع تراسله مع أخيه ، لا لشيء إلاّ لأنه يقيم في باريس ...؟.
 
المنتدى العربي
يسترسل تحسين قدري بتوضيح التنظيمات العربية السياسية ، ونظرا لأهمية ما أورده ، سننقله بالتفصيل ، يقول : ( تسببّ جوّ الاضطهاد في إنشاء التجمعات العربية ، ومن اوائلها « المنتدى العربي « الذي شاركت في نشاطاته ، وساهم في تأسيسه أخي أحمد سنة 1909 م بالاشتراك مع يوسف مخيبر وسيف الدين الخطيب ورفيق رزق سلومّ وعبد الكريم قاسم الخليل وجميل الحسيني وأحمد عزت الأعظمي ، الذي قام بإصدار « مجلة المنتدى « وقام هذا التنظيم العلني بمساندة الطلاب الوافدين ، وتعزيز شعورهم القومي العربي ، وحاز على مكانة اجتماعية ، واحترام السلطات وخصوصا بعد عقد مؤتمر باريس عام 1913 م بين زعماء العرب والاتحاديين العثمانيين ، وكانت شخصية رئيس المنتدى عبد الكريم قاسم الخليل الطموحة والمعتدلة ، من أهم العوامل التي ساعدت في رفعة شأن هذا التنظيم ، وقد دام نشاط المنتدى إلى بداية الحرب العالمية الأولى ، حيث أغلق في أوائل عام 1915 م .
 
كانت السريةّ في العمل السياسي هي النتيجة الطبيعية للظروف السائدة آنذاك ، وكنت على اتصال دائم بالحركة العربية ، وخصوصا المنتدى العربي ، ومن أعضاء اللامركزية عزيز علي المصري وعبد الحميد الزهراوي ، ولكني كنت كثير الحذر والكتمان ، وساعدني على إخفاء عواطفي الجياشة وتطلعاتي الثائرة ، اتقاني للغة وإجادتي الأدبية ، حتى أنني نظمت الشعر بالتركية ..!
 
جمعية العربية الفتاة
يقول تحسين قدري في مذكراته عند الانتقال للحديث عن العربية الفتاة : ( أما جمعية العربية الفتاة التي بدأها أخي أحمد الذي كان بمثابة المفكر الأيديولوجي للجمعية ، بالاشتراك مع عوني عبد الهادي ومحمد رستم حيدر في اسطنبول ، فقد انتقلت إلى باريس قبل رحيلي من دمشق ، وكانت أوضح مثال على سريةّ العمل المنظمّ ، فالانتساب يتم بالتزكية من عضوين ، بحيث لا يتعرف العضو الجديد إلا على شخصيات عضوين فقط ، والاتصالات الحذرة وغيرها الكثير من الانضباط لحماية سريةّ العمل ، وقد نشطت جمعية العربية الفتاة واتسعت بعد بداية نشاطها في باريس سنة 1911م ، وكان هدفها النهضة والتقدم بالعرب إلى مستوى الدول الحديثة ، وضمتّ أول هيئة إدارية بالإضافة للمذكورين رفيق التميمي ومحمد محمصاني وعبد الغني العريسي وصبري الخوجه وتوفيق الناطور ، ثم انضم إليهم جميل مردم بك وصبحي الحسيبي والأمير مصطفى الشهابي وتوفيق فايد وإبراهيم حيدر ، وقد ارتبطت العربية الفتاة في باريس بالمنتدى الأدبي بعد أن انضم للمنظمة سيف الدين الخطيب ، ورزق سلوم ويوسف مخيبر ، وهم من أعضاء المنتدى في اسطنبول ، ومن أهم أعمال الجمعية القيام بدور رئيسي في تنظيم مؤتمر باريس الذي ضمّ ممثلين من المسيحيين العرب والجاليات العربية في دول المهجر ، ومن عدة تجمعات عربية مثل حزب اللامركزية المصري الذي يسعى إلى حصول البلاد العربية على شكل الإدارة اللامركزية من الحكم العثماني ، والجمعية الإصلاحية في بيروت ذات الأهداف المشابهة ، انعقد مؤتمر باريس في 18 ابريل من عام 1913 م ، وكانت غايته الاتفاق على مطالب محددة للمفاوضة مع الحكم العثماني باسم العرب جميعا ، وتمّ هذا ، وأرسلت الحكومة العثمانية على أثر صدور قرارات المؤتمر مندوبها إلى باريس للاتفاق على صيغة مقبولة ، وقد تمّ هذا بالفعل ، لكن الأحداث أظهرت سوء نية الأتراك على الإيفاء بوعودهم ..) هذه المعلومات على جانب كبير من الأهمية في ذلك الوقت ، لأنها كانت سرية ، ولأن تحسين قدري كانت عضوا في العربية الفتاة ، ولأنه شقيق المنظرّ والمهندس للجمعية الدكتور أحمد قدري .
حادثة التنويم المغناطيسي يبدو أن تحسين قدري كان يقرأ ويثقف نفسه في مواضيع خارج المنهاج العسكري ، يقول بأنه كان يحب أن يقرأ كتب الفلسفة وعلمالنفس وأيضا علم التنويم المغناطيسي ، ويبدو أن الاهتمام بموضوع التنويم المغناطيسي انتشر بين طلاب المدرسة ، وأن أستاذ الفلسفة كان يشعر باهتمام تحسين قدري بهذا الموضوع ، يقول : ( نبهني أستاذ الفلسفة بأن نظراتي قوية الجاذبية ، ومن الممكن أن أؤثر على الغير بالإيحاء ..! ) ويبدو أن هذا الأمر انتشر بين الطلاب ، وأدت بتحسين قدري للمرور بتجربة لا تنسي ، يقول :
 
( حصلت لي واقعة ذات ليلة قبل العشاء ، جاءني بعض الزملاء ، وطلبوا مني وهو مذعورين الإسراع بالذهاب إلى السرداب لإنقاذ حياة أحد الطلبة الذي كان نائما بالتنويم المغناطيسي ، ولم يستطع الذي نومه من إيقاظه ، فذهبت إليه وركزت حواسي وتفكيري عليه ، ثم شعرت بأني قد تغلبت على أحاسيس النائم ، وكان يأتمر قبل أن أطلب منه صراحة ، وقلت له إن الجوّ بارد فأخذ يرتجف ، ثم أمرته بالجلوس ، ثم المشي فأطاع بدون ترددّ ، وأخيرا طلبت منه أن يستيقظ من نومه ويذهب لتناول العشاء ، فامتثل ، وهكذا أنقذته من مغبة الانزلاق في غيبوبة عميقة لا تعرف نهاياتها ، وذهب الجميع إلى القاعة لتناول طعام العشاء ، وفي القاعة أكثر من ألف وخمسمائة طالب ) ويبدو من هذه الحادثة أن لدى تحسين قدري بعض الإلمام من خلال قراءاته بموضوع التنويم المغناطيسي ، إلا أنه لم يكن يمارسه ، ويفهم منه أن الطالب النائم كان يمتثل للأوامر قبل أن يطلب منه تحسين قدري ذلك ، وكان من نتيجة هذا الحدث الذي جعله يرتعش من شدة التوتر ويتشنج ، فما كان منه إلاّ أن اتكأ على الحائط ، واستجمع طاقته ، وذهب إلى مائدة الطعام بكل هدوء ، وما أن وصلت الأخبار إلى الإدارة حتى استدعاه المدير ، وأودعه في السجن الانفرادي في غرفة صغيرة بدون أي منفذ ، وقضى تحسين ليلته تلك فيها ، وصباحا مثل أمام « محكمة ديوان حرب « فاعترض على معاملته باعتباره مذنبا ، في حين انه أنقذ الموقف ، ويبدو أن المحكمة اقتنعت ببراءته وأطلقوا سراحه ، مع التوصية بامتناعه عن « الاشتغال بالأمور النفسانية ..! « .
 
وفاة الوالدةوقبل أن يتخرجّ تحسين قدري من المدرسة الحربية ، توفيت والدته في دمشق بعد  إصابتها بالكوليرا ، ولم يكن تحسين قد تخرج من المدرسة برتبة ضابط ، وكانت والدته تحلم بأن تراه يلبس الملابس العسكرية ، وقد ترك موتها جرحا كبيرا في نفسه وهو على وشك التخرج من المدرسة العسكرية ضابطا في فرقة الفرسان ..!
 
..؟ ما هي تجربته العسكرية في زمن تكاد تندلع فيه الحرب العالمية الأولى ..؟ ما هي مشاعر الشباب العرب الذين يدرسون في المدارس هذه هي بدايات ضابط الفرسان العثماني ، والمنتمي سرا للعربية الفتاة ، فكيف كانت سيرة تحسين قدري الضابط بالجيش العثماني العسكرية التركية ، ويرون اضطهاد جماعة الاتحاد والترقي للعرب وغيرهم من الشعوب غير الطورانية ..؟ كيف ستكون مشاعرهم وهم يتوجهون للميدان جنودا في خدمة الدولة ..؟ يحملون علم دولتهم ويحملون معه حياتهم على أكفهم ، ويخافون من التحدث بلغتهم الأم ..! تناقض ما بعده تناقض .
 
إلى اللقاء في الحلقة القادمة حيث نتابع تحسين قدري ضابطا ومشاركا في ميدان الحرب العالمية الأولى .. شاهد عيان برتبة عسكرية عثمانية ، وممنوع من التحدث بلغته الأمّ ، ويحارب في الميدان مع دولة تضطهد المدافعين عنها من غير الطورانيين .. إلى اللقاء ..! .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات