عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jul-2016

الشريف حسين والعثمانيون والترك .. جدلية الحب والكراهية

 

عمان- أكدت (دراسة مراجعة) في الوثائق العثمانية أن الشريف حسين بن علي ظل مخلصا للدولة العثمانية وخصوصا للسلطانين عبدالحميد الثاني ومحمد الخامس، حتى افسدت علاقاتهم جمعية الاتحاد والترقي.
وذكر استاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية الدكتور خالد الجندي في دراسته الموسومة "الشريف حسين بين سلاطين آل عثمان وجمعية الاتحاد والترقي"، ان السلطان عبدالحميد اصدر فرمانا بتولي الشريف حسين لمنصب الشرافة فورا بعد وفاة الشريف عبدالاله استجابة لمذكرة رفعها الحسين الى الصدر الاعظم بوصفه أكبر افراد العائلة الهاشمية سنا، واحقيته بمقام آبائه، مبرهنا على ذلك بالقول "ولو كان على علاقة جيدة مع الاتحاديين لكان رفع المذكرة اليهم باعتبار انه كان لهم كلمة الفصل بتعيين الولاة ولهم اليد الطولى في الدولة".
وتشير الدراسة الى ان السلطان عبدالحميد اعطى الشريف قصرا خاصا على مضيق البسفور عندما استدعي الى اسطنبول، واكرم وفادته وعينه عضوا بمجلس شورى الدولة برتبة وزير.
وتظهر ان اعضاء "الاتحاد والترقي" كانوا عازمين على اسناد منصب الشرافة للشريف علي حيدر لولا المعارضة الشديدة للسلطان عبدالحميد والصدر الاعظم.
وتشير الى ان السلطان عبد الحميد اوضح للشريف مقاومة "الاتحاديين" له في اقراره للمنصب الجديد بقوله: "اسأل الله ان يجازي من حال بيني وبين الاستفادة من مواهبك الهاشمية، وانني لست بالأمين على الدولة والملك من هذه الفئة المتقلبة".
وبادله الشريف حسين بالاستعداد لما يكفل حماية (السلطان)، بل تعهد له في اعتبار الحجاز اول من يدافع عنه، فشكره السلطان وقلده وسام الافتخار.
وتلفت الدراسة الى الموقف المتعاطف بين الصدر الأعظم كامل باشا والشريف عند توديعه للأخير، فقد سلمه مذكرة اكد فيها صلاحياته في الامارة دون الاكتراث بالدستور الجديد، اشارة الى دستور 1908 وانقلاب الجمعية.
وصل الحسين، وفقا للدراسة، الى جدة في 3 كانون الثاني 1908 ليلقى استقبالا حاشدا- وعند توجهه الى مكة طلب من استنبول تزويده بأوسمة غير منقوشة ليكافئ بها الجدير بالمكافأة بين شيوخ القبائل، واجيب طلبه وطلب منه تزويد الباب العالي بأسماء الحاصلين على الأوسمة.
وتشير الدراسة الى ان الوفد الذي انتدبه الحزب للسلام على الشريف حسين حال وصوله الى مكة لم يكن راضيا عن خطابه، وتشير الى تدهور العلاقات بين الشريف حسين والحزب ومعارضته لسياساتهم التي اعتمدوها في جميع الولايات العربية وهدفوا الى تطبيقها في الحجاز.
ويقول الجندي، ان الشريف حسين بدأ عمله بوضع حد لتدخل اتحاديي مكة وانصارهم في شؤون الحكومة، فشكوا منه، وشنوا عليه حملة مسعورة في الصحف، عندئذ رأت الجمعية استغلال مناسبة الحج لمهاجمة الشريف عن طريق أمير الحج عبدالرحمن باشا اليوسف الذي اعلن عام 1909 ان الطريق البري للحج بين المدينة المنورة ودمشق غير آمن، لذا يرى الرجوع بمحمل الشام بطريق البحر.
وعارض الشريف تنفيذ هذا الاقتراح لأن معناه عجزه عن حماية الأمن وتوطيده داخل الحجاز، وأسرع إلى انتداب اخيه وابنه لايصال موكب الحجيج من مكة إلى المدينة المنورة فدمشق، ليبرهن على سيطرته على القبائل، وانه جدير بمنصب الشرافة.
وتابع، اخذ الاتحاديون يضيقون على الشريف أكثر فأكثر، ونظرا لأن مكانة مكة تعتمد بشكل اساسي على ضمان أمن الحج، ركزوا على ذلك وعملوا على فصل المدينة المنورة عن ولاية الحجاز.
وأظهرت الجماعة في الحجاز مرة اخرى معارضتها لأمير مكة الشريف حسين عندما انتخب الامير عبدالله والشيخ حسن الشيبة بصفتهما نائبين عن مكة في البرلمان العثماني، ولكن ذلك لم يغير من النتيجة.
وبعد وصول الوالي فؤاد باشا العام 1909 للحجاز، أصبح الصراع مريرا بين الطرفين حيث اتهم الوالي اقرباء الشريف بتدبيرهم ثورة ضد الحكومة، ما دفع بالشريف الى استنكار هذا الحادث، وفي نهاية العام ضاق الحسين ذرعا بتصرفات الوالي، وارسل شكوى للحكومة تم بموجبها عزل الوالي.
وتشير الدراسة الى استنجاد الدولة العثمانية بالشريف ضد الشيخ محمد الادريسي أمير منطقة عسير لاعلانه انفصال الاقليم عن الدولة، وحققت الحملة التي قادها الحسين في بدايتها بعض النجاحات الا ان الظروف الطبيعية حالت بينه وبين القضاء على ثورة الادريسي.
وتظهر الوثائق أن "الاتحاد والترقي" اخذت تخطط لإزالة الشريف على اعتبار ان الاخير كان يخطط للثورة، وكانت هذه الاخبار ملفقة وخصوصا من الصحف الاوروبية ودولها التي كانت تعمل لبث الفتنة بين الشريف والدولة العثمانية.
وتعيد الدراسة اسباب تدخل بريطانيا في الحجاز- استنادا للوثائق العثمانية- الى أن بريطانيا وعلى أثر فشلها بمد نفوذها إلى العراق، اصبحت تبحث عن تعويض في الحجاز.
ويقول الجندي إن شكوك جمعية الاتحاد حول نوايا الشريف إعلان العصيان على الدولة العثمانية والاستقلال، تسارعت خصوصا في الاجتماع الذي انعقد بين الامير عبدالله واللورد كنشنر المقيم في القاهرة العام 1913 وتأكيدات تخمينات الصحافة الاوروبية والعثمانية، واصبح واضحا أن المسؤولين العثمانيين متأكدون بأن الشريف بدأ بالتقرب للبريطانيين للمساعدة، وهذه التقارير بدا أنها قائمة على الاشاعات والشكوك.
وعندما شعر الاتحاديون بازدياد نفوذ الشريف حسين، يتابع الجندي- "توجسوا منه خيفة وقرروا التخلص منه والقضاء على استقلال الحجاز، واصروا على تطبيق قانون الولايات الجديد لعام 1913"، ومن المعروف، ان هذه الجمعية نشأت وترعرعت في احضان اليهود في سالونيك بحسب الوثائق البريطانية.
شهد نهاية القرن التاسع عشر، وبداية العشرين نشاطا قوميا مكثفا، فالقوميون الجدد ينادون بسيادة العرق التركي، وجاهروا باحتقار الاعراق الباقية، منتهجين سياسة التتريك، ووصف وزير المالية، جاويد بك العرب "بالعرق الاسود".
وعملت الجمعية على طرد العرب من الوظائف الكبرى التي شغلوها ايام عبدالحميد الثاني، بعد ذلك بدأت صحفهم تشن الحملات المسعورة على كل عربي وقرنت اسمهم بكلمة "بيس" أي قذر وبدات بعد تسلمها السلطة سياسة اكثر تشددا تجاه الاقليات الدينية والعرقية.
ادت سياسة التتريك الى استنكار واسع، وعمقت الهوة بين الشريف والجمعية، واتجهت اقطاب الاتحاديين الى الغاء نظام الشرافة للتخلص من قوة عربية لها نفوذ كبير في ارجاء العالم الاسلامي.
وفي نهاية العام 1913 اختار الاتحاديون ضابطا البانيا واليا على الحجاز مع تعليمات بإضعاف الشريف حسين ومقاومته والقبض عليه اذا استوجب الامر، والغاء امتيازات الحجاز وجعلها ولاية عادية، بتطبيق قانون الولايات الجديد.
وقرر الاتحاديون انتهاج سياسة جديدة في الحجاز وهي سياسة الحكم المركزي وتطبيق قانون الولايات الجديد، وسياسة التتريك للقضاء على نفوذ وامتيازات الشريف الذي رفض ذلك، وعم الرفض المدن الرئيسية، وتجمهر أهل مكة حول دار الحكومة ينادون بعدم تغيير امتيازات الحجاز.
وقدم الشريف حسين نصيحة للوالي بالكف عما جاء من اجله وضرورة احتفاظ الحجاز بحقوقها القديمة كما ابرق إلى استنبول، مؤكدا طلبه.
وعندما أدرك وهيب باشا عجزه عن ازاحة الشريف حسين من منصبه، قررت جمعية الاتحاد خلعه بالقوة، ولكن لتدخل الصدر الاعظم عدلت الجمعية، وزالت الازمة اثر وصول برقية من الصدر الاعظم للشريف يؤكد فيها على ابقاء الامتيازات القديمة للحجاز.
ورغم المضايقات التي تعرض لها الشريف على يد جماعة الاتحاد بقي على اخلاصه للدولة العثمانية ولم يكن يفكر بالاستقلال عنها، لكن السياسة المتهورة للجمعية، والتضييق على الشريف حسين هي التي دفعته الى هذا الموضوع كرها، فحتى قبيل اعلان الحرب العالمية الأولى ابدى كل مساعدة ممكنة للدولة العثمانية للدفاع عن اراضيها.
كما اصدر منشورا يذكر فيه ان العرب يرفضون دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى، ورأى الشريف حسين ان تحالف الدولة العثمانية مع طرف ضد آخر خطأ لأن الدول الاوروبية لها اطماع كثيرة بالأراضي العثمانية، وهناك عدد  من المسلمين يعيشون داخل الاراضي الأوروبية، وهذا التحالف ربما يسبب لهم المشاكل.
ورغم الاستفزازات للشريف حسين فقد حافظ على علاقة الود والمحبة للسلطان، ومن الطبيعي ان يقدم الاتحاديون على عزله وتولية أمير مكانه هو الشريف علي حيدر، غير ان ذلك لم يصدر من السلطان العثماني.
وجاءت هذه الوثيقة باللغة الفرنسية، واراد الاتحاديون من هذا العمل على ما يبدو ضرب القبائل الحجازية بعضها ببعض وهي سياسة تنبثق من المبدأ السياسي المعروف "فرق تسد"، لاسيما اذا علمنا ان الشريف حيدر معروف بتأييده للاتحاديين وموالاتهم، وكانت مهمته بث دعاية واسعة للاتحاديين بين اوساط القبائل الحجازية، عن طريق إنفاق الاموال لاستمالتهم وإغرائهم على الانقضاض على الشريف حسين.-(بترا)
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات