عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2017

«رفات جلجامش» لصلاح بوسريف… من القصيدة إلى الشعر

القدس العربي-إدريس كثير
 
■ هذا ليس ديوانا ولا مجموعة قصائد، بل هو نفس من رفات/ ميراث جلجاميش. ها هو ينبعث من آجره. فيه تجاوز للقصيدة (رغم طولها) نحو الشعر الرحب اللامتناهي في ملحمته.
الملحمة «إيبوبي» هي لغة سرد لأحداث ما شعرا، إيبوس تعني سرد حكي بوييا، تعني صناعة وإبداعا، صناعة السرد الشاعري. موضوعات الأحداث الشعرية وثيماتها عديدة، الحب/ العواطف/ الانطباعات/ الألم/ الحياة/ الحرية، لكن هناك موضوعات نادرة في الشعر، مثل الموضوعات العادية البسيطة التافهة حتى (كالطمي والحجر والضفدعة… كما يفعل فرنسيس بونغ). والموضوعات العالية جدا والمركبة والتامة كالملاحم الكبرى. ضمن هذا المدى يندرج «رفات جلجاميش» للشاعر صلاح بوسريف. فهو شبيه بملحمة «الأعمال والأيام» لهوزيود، والإلياذة والأوديسا لهوميروس ولقصيدة بارمنيدس في الفلسفة الماقبل سقراطية، والملاحم الشمالية للفايكينغ وغيرها من الأعمال، بل هو الرفات/ تراث جلجامش/، من أقدم القصص و الأعمال الشعرية في تاريخ العراق القديم العراق السومري. تتكون قصصه حسب الاكتشافات الأخيرة من اثنتي عشرة لوحة أو أكثر، إشكاليتها الكبرى هي البحث عن «نبتة الخلود» كما بحث عنها الفراعنة بطريقتهم.
أمام الهول والانذهال والحيرة يقف الإنسان، رغم جبروته، ضعيفا متسائلا لا يملك من الأجوبة إلا الأسئلة. وأمام الأسئلة في البدء لا شيء إلا الفراغ والعتمة والظلام ، لا بداية ولا نهاية ولا مرتكز، كل شيء غائر غامر، غامق غارق، غافق غاسق غامض.
امتلك الإنسان السحر لفهم هذا الهول «ولم يفلح الساحر من حيث أتى». الآن يملك العلم ذلك، لكنه غير الموضوعات، وتخصص في جزئياتها. بقي الشعر والفلسفة، أو كان الشعر والفلسفة و ما يزالان في مواجهة هاته الموضوعات الإشكالية الكبرى.
يرمز موريس بلانشو لإشكالية الإبداع بأسطورة أورفيوس الذي أمعن النظر في وجه الحبيبة أوريديس، أي أمعن النظر في وجه اللاشعور، في وجه الظلام، في الخلاء في الهوة، في الغابة. «وأكل الكمد عينيه لهول ما رأى» فمات. هو إمعان جلجامش نفسه. الرجل الذي سينبت شجرة جديدة.. سيموت.. وفي جرحه سؤال واحد، «لم الآلهة قست، وأفرغتنا من الأبد، لتنعم به وحدها إلى الأبد؟». الجواب الملحمي للشاعر صلاح بوسريف جاء على ثلاث لحظات.
ـ الأول في أبجديات الخلق
ـ الثاني في أبجديات الوجود
ـ الثالث على عتبة الأبدية.
أبجديات الخلق هي. سين – دال – ياء – ميم، أو ما شابهه، مثل «لا شيء يفضي إلى لا شيء « وهي العبارة نفسها التي نحتها الكندي حين قال، «تأييس الأيسات عن ليس» و كان يقصد بها إيجاد الموجودات من عدم، أي لا شيء يفضي إلى شيء ويخلقه مثلما «افترض الراوي في الحكاية / أن يخرج الحي من الميت».
تبدو أبجديات وجود هذا «الأيس» هذا «الشيء» في رحابة الوجود المقبل من رماد الخليقة، «لكن الحبكة إلتبس فيها الخيط الرابط/ بين الأرض و السماء». فجاء السرد الملحمي واصفا لأبجديات الوجود من السماء (الآلهة) إلى الأرض (أوروك) وسيطها حاميها جلجاميش.. خيطها الناظم.. أنكيدو، وجهان لعملة واحدة، تنابذ تجاذب لأنهما «خرجا من الماء نفسه « ندا للند، لمواجهة الهول، لمواجهة الغابة، لمواجهة خمبابا. انتصرا وانهزما في الآن نفسه، لأن المعركة لا تنتهي في ساحة، لا تنتهي كالعرس الفلسطيني، «إدلهمّت علينا المسالك». آلهة كبار، آلهة صغار، الغابة، الجبروت، السلطة، القوة، الملذات، الأير/ وسات، البغي.. لا ينقصا إلا الأبد، لكن بيننا وبينه الجحيم وبعد الجحيم الرجل الصالح وبعده الطوفان.. ثم الرجل الحكيم، «فبدت النهاية تدور حول الحدث نفسه»، حدث مدفون في «صلابة الآجر المشوي في أفران أوروك». ها هناك تكمن أبدية الآبدين.
على عتبة الأبدية:
لا يمكن الحديث عن الأبدية رأسا، مثلما لا يمكن الحديث عن الموت حقا. الموت لا يهمنا لا في الحياة ولا في الممات، في الحالة الأولى لأننا من الأحياء وفي الحالة الثانية لأننا من الأموات (مونتاني)، لذا تخلى الشاعر صلاح بوسريف عن خيط سرده الشعري في اللحظة الثالثة والأخيرة.. و اعتمد فقط على الرجع، هو الذي اعتمد طيلة ملحمته على التصادي مع تفاصيل ملحمة جلجاميش، وفي كل لحظة يتصادى السرد مع الرجع ويتماهى معه. رجع متعدد الأصداء من جلجامش وسفر التكوين والقرآن وأسطورة الخلق العربي. اكتفت عتبة الأبدية بثلاث رواجع أو مراجع. غراب تيد هيوز، ونثار بابلو نيرودا وأراه وأبصره و أشير إليه وأباركه يوم يبعث. الغراب دليل الموت منذ قصة قابيل وهابيل. النثار من صخرة ماتشو بيتشو (البيرو) حيث «الحجر الجاثم في الحجر» أصل الإنسان، وفيه ثلاث صيغ أو تأويلات.
ـ أراه وليس في الحاضر
أبصره وليس بالقريب.
ـ أراه ولكن ليس الآن
أبعث و لكن ليس قريبا
ـ سأشير إليه ولكن ليس الآن
أباركه ولكنه لم يقترب.
في كل الحالات الدوام للأعمال الفنية وليس للأعمار الفانية.
٭ كاتب مغربي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات