عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Apr-2018

«فدوى طوقان… الرحلة الأبهى» لمحمود شقير… سيرة الشعر والشاعرة والذاكرة الفلسطينية

 القدس العربي-سامي قرّة

 يُعتبر حكاية «فدوى طوقان.. الرحلة الأبهى» للأديب محمود شقير مدخلا مشوقا إلى حياة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان المُلقبة بـ «سنديانة فلسطين». وقد تمّ الاحتفاء بإطلاق الكتاب في مقر مدرسة الفاطمية في مدينة نابلس شهر شباط/ فبراير الماضي ضمن مشروع وزارة الثقافة الفلسطينية إحياء الذكرى المئوية لميلاد طوقان. تنقسم الرواية إلى عشرين فصلا، يعكس كل منها (عدا الفصل الأخير) مشهدا من مشاهد حياة الشاعرة طوقان، استوحاها الكاتب من كتابيها «رحلة جبلية، رحلة صعبة»، و«الرحلة الأصعب»، وأيضا من مقابلات شخصية كان قد أجراها الكاتب مع الشاعرة عندما التقاها عدة مرات أثناء منفاه في الأردن. تسأله: «ولكن من أنت؟» ويجيب: «ألا تذكرين لقاءاتنا العديدة في عمّان، كنت ألتقيك مرّة في مطعم البستان، خلف جريدة «الرأي»، وأخرى في كافتيريا نسيت اسمها، في جبل عمّان، وكنت تتكرمين عليّ بالتفاصيل الحميمة عن حياتك وحياة إبراهيم» ( ص 93). ما يميّز الكتاب أنه يجمع ما بين الخيال والواقع. فمن ناحية نجد أن الراوي، وهو الكاتب نفسه، يتخيل لقاءه فدوى بعد وفاتها في القدس ونابلس ورام الله ومشاركتها له بعض تجاربها الحياتية، التي كان لها كبير الأثر في صقل شخصيتها وتعزيز موهبتها في كتابة الشعر.
 
رسالة إلى الجيل الجديد
 
ولكن.. ما الفائدة من إعادة كتابة السيرة الذاتية للشاعرة طوقان، وهي متوفرة في كتابين مكتوبين بأسلوب جميل وسهل يستطيع كل قارئ التلذذ بقراءتهما والاستمتاع بهما؟ وفي حقيقة الأمر لا يقدّم الكتاب أي جديد عن حياة الشاعرة طوقان، وبأبسط العبارات ما هو إلا سرد مختصر للأحداث الواردة في كتابيها «رحلة جبلية، رحلة صعبة» و«الرحلة الأصعب». إلا أن الكتاب يستهدف جيل الناشئة ويخاطب الفتية والفتيات ويساهم «في تخليد إبداعات فدوى ونقله للأجيال الشابة»، كما يقول المؤلف محمود شقير. ويضيف وزير الثقافة الفلسطيني أن الكتاب يهدف «إلى الربط بين التاريخ والحاضر، وكيف يمكن لكل هؤلاء الذين نحتوا ملامح ثقافتنا وهويتنا الوطنية أن يستمروا في أداء مهماتهم لدى الأجيال القادمة». لذلك يمكننا القول أن الكتاب يساهم في تطوير الاهتمام بأدب الناشئة في فلسطين، ودعم القصة والرواية بوصفهما جزءا أساسيا في العملية التربوية، لا سيما في عالم تهيمن عليه الصورة والتكنولوجيا، وتزداد فيه الحاجة إلى التشجيع على القراءة خاصة في حياة الأطفال والناشئة. ومن الجدير ذكره في هذا الصدد أنه تمّ مؤخرا تحقيق قفزة نوعية في مجال أدب الأطفال وأدب الناشئة في فلسطين، إذ أن هناك تزايد في عدد الكتاب الذين يكتبون لهم ومنهم إبراهيم جوهر، ونزهة أبو غوش، وفاضل علي، ورفيقة عثمان، وأماني الجنيدي، وأحلام بشارات وغيرهم، كما أن العديد من المؤسسات التربوية منها على سبيل المثال لا الحصر.
 
طوقان وتاريخ فلسطين
 
يمكن للقارئ ــ الناشئ والبالغ ــ تعلم الكثير من قراءة الكتاب، فبالإضافة إلى التعرّف على إحدى أهم الشاعرات الفلسطينيات وتجاربها الحياتية منذ طفولتها حتى وفاتها، يتعلم القارئ عن تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر بما في ذلك الاستعمار الغربي لفلسطين المتمثل في الانتداب البريطاني، وثورة عام 1936، وهجرة اليهود إلى فلسطين، ونزوح الآلاف من الفلسطينيين، احتلال إسرائيل للضفة الغربية وجوهرتها القدس الشرقية وقطاع غزة، وبناء المستعمرات والتهام الأرض الفلسطينية. فمن الطبيعي إذن أن تبقى القضية الفلسطينية حيّة في قلوب الناشئة وعقولهم، بغية الحفاظ على التاريخ الفلسطيني والرواية الفلسطينية من الاندثار.علاوة على ذلك، يتعلم القارئ عن العادات والقيم الاجتماعية التي سادت المجتمع الفلسطيني الذكوري في النصف الأول من القرن العشرين، خاصة فيما يتعلق بمكانة المرأة والتغيرات والتحولات في الحياة الاجتماعية، التي حصلت بعد النكبة وأهمها رفع الحجاب، واللجوء إلى الدين ملاذأ للهروب من الإحباط النفسي، و«المباهج الموسمية والأفراح الاجتماعية، كالأعراس والموالد وافراح موسم الحج، وختمة القرآن، وميلاد الأطفال الذكور والختان».جميع هذه العادات والتقاليد جزء لا يتجزأ من الثقافة الفلسطينية وما تزال حتى اليوم. أمّا موقف الشاعرة فدوى من مجتمعها الذكوري فكان دائما يتسم بالنقد والتحدي، وكانت تنظر إلى عائلتها كونها المجتمع الفلسطيني الصغير الذي يمثل المجتمع الفلسطيني الكبير. فنراها تقول: «كان أرباب عائلتي يمثلون انقسام شخصية الإنسان العربي إلى شطرين: شطر مع التطور والتجاوب مع روح العصر، ومسايرة إيقاعات الحياة المعاصرة، وشطر مشلول الأقدام، مسكون بالأنانية المترسبة في نفس الرجل العربي بكل ما فيها من عنجهية شرقية» (ص 53). والسؤال الآن: إلى أية فئة من هاتين الفئتين نريد للجيل الفلسطيني الجديد الناشئ أن ينتمي؟
 
تحقيق الذات
 
يتعلم القارئ أيضا معنى التحدي والإرادة الفردية. فبعد أن ذاقت الشاعرة فدوى صنوف المعاناة بسبب الأحوال الاجتماعية والسياسية، تمكنت من استغلال ظروفها حيث أكسبتها التجارب التي خاضتها قوة وعزيمة وإصرارا. تقول فدوى: «لكنني أنا تغيرت؛ امتلأت بالتجربة، وصارت لي شخصيتي التي لا يمكن لأحد أن يُخضعها أو يتعدى على حقوقها». وقد كان عمها حافظ وأخوها إبراهيم خير عون لها في تحقيق ذاتها والانطلاق في الحياة. يتعلم القارئ الناشئ أيضا أهمية الدراسة وحب القراءة وقيمة الشعر، ويتعرف على نخبة من أبرز الشعراء الفلسطينيين الذين ساهموا في إحياء الحياة الثقافية في فلسطين وفي الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية. بعد أن أجبرها أخوها يوسف على ترك المدرسة نما لدى فدوى إحساس جارف بضرورة اكتساب العلم والمعرفة، فوضعت لنفسها برنامجا يوميا للدراسة، و«كان الانكباب على الدراسة هو عالم الخلاص») بالنسبة لها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فدوى تعتمد على ذاتها في دراستها وبناء نفسها حيث لم تتوقف عن «البحث الطموح عن إمكانياتي وقدراتي مما شكل ثروة وجودي». كان عالمها الوحيد هو عالم الكتب وكانت تعيش «مع الأفكار المزروعة في عالم الكتب» (ص 70). كانت فدوى مثل البذرة التي تنتظر النمو ولذلك «ظل عالم كتبي وأوراقي وأقلامي يمدني بالقوة، ويساعدني على التماسك وتثبيت القدمين على الأرض المهزوزة تحتهما» (ص 56). إضافة إلى ما سبق، يتعرف القارئ على قيمة الشعر ووظيفته ورسالته والتعبير عن الذات، فمنذ صغرها شعرت فدوى بميلها الفطري لكتابة الشعر، وكانت تقرأ الشعر بنهم كبير. وفي بداية حياتها كتبت فدوى الكثير من القصائد التي تتمحور حول ذاتها، غير أنه لاحقا انفكت عقدة لسانها، وأصبحت تكتب الشعر الوطني؛ لأنه من وجهة نظرها «مع هبوب رياح التغيير والثورات خرج الشعر من بروج الترف ليواكب مسيرة الجماهير العربية فاعلا ومتفاعلا مع تطلعاتها إلى التحرر من القهر والاستغلال، وأصبحت قضية الشاعر جماعية وبعيدة عن الفردية» (ص 75). وأخيرا يتعلم الناشئة من فدوى حب الوطن، وهذا ما تعبر عنه قصيدتها بعنوان «كفاني أظل بحضنها» والتي تقول فيها:
كفاني أموت على أرضها
وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشبا على أرضها
وأبعث زهره
تعيث بها كف طفلٍ نمته بلادي
كفاني أظل بحضن بلادي
ترابا
وعشبا
وزهرة.
 
٭ كاتب فلسطيني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات