عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jun-2018

التونسي محمد بوحوش: رواية «تحت سماء تحترق» تجسد الحياة كجريمة في عصر «داعش»

 القدس العربي-حاوره: عبدالله المتقي

محمد بوحوش شاعر وسارد، أصدر ثماني مجموعات شعرية، آخرها «ليس سوى أغنية»، كما أصدر ثلاث مجموعات قصصية، يكتب أيضا باللغة الفرنسية وله أربعة أعمال صادرة أهمها ديوان «حديقة النور»، ناشط في العديد من الجمعيات، وعضو في الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب التونسي، وبمناسبة إصداره الروائي الجديد «تحت سماء تحترق»، كان معه هذا الحوار.
 
■ لماذا الانتقال من الشعر للرواية؟
□ أزعم بأنني أديب جامع لضروب إبداعية شتى من الشعر إلى الأقصوصة إلى المقالات والدراسات الأدبية، فلا عجب من أن أجنح للسرد والرواية بالخصوص. فلدي حكايات لا تنتهي وتفاصيل كثيرة لا يسعها الشعر بجزالته وتكثيفه وغموضه، فأردت أن أختبرها في هذه الرواية الموسومة بـ «تحت سماء تحترق». رواية تنتمي لعوالم الحرب والحب والموت، أو هي تقول الحياة وقد باتت من قبيل التجريم والتحريم في عصر «داعش» وأشقائه. 
■ وكيف ترى الفن الروائي من وجهة نظرك؟
□ الرواية بالنسبة لي رسالة ذات أبعاد فنية جمالية ومعرفية. وهي في الأساس موضوع والموضوع الذي تطرقت إليه من الأهمية بمكان باعتباره موضوع الراهن. إنه الإرهاب الديني عموما متجسدا في «داعش» وأمثاله. لذلك فالرواية ليست حكاية طويلة وحسب، وليست سردا ولا حوارا ووصفا وأحداثا وشخوصا وتصوير أمكنة وأزمنة وحبكة درامية، بل إنها حقل آخر مهم للمعرفة والحفر في الظاهرة، بغية تفكيكها لفهم أصولها ومرجعياتها ومنابعها ومدى تطابق ممارساتها مع معتقدها. فروايتي كانت فضاء لعرض ممارسات تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وبحثا في أصوله التي بدت لي خلاصة عمل مخابراتي واستثمارا لمنابع التطرف الديني الذي يجد مرجعياته في تراثنا وتاريخنا العربي- الإسلامي هذا الذي لا يخلو من الدموية والإرهاب والتعصب، من خلال مقولات الجهاد والتكفير والتحرير والفتاوى وتأويل للنص القرآني وأحاديث الرسول لخدمة وجهة نظر متطرفة، ترى أنها المالكة الوحيدة للحقيقة المتجلية في أفكار محددة وقراءات ومرجعيات تكتسي طابعا قدسيا وسماويا.
■ «تحت سماء تحترق» كيف ترى دلالة هذا العنوان؟
□ العنوان كما يقال هو عتبة النص الأولى، والسماء في الغالب، إحالة مباشرة على الغيب والميتافيزيقيا، حيث تتصارع الأفكار بين ديانات ومذاهب شتى. بهذا المعنى فإن وجود البشر قائم أيضا على الصراع حول فكرة ما أو مجموعة أفكار تنتمي لحقل المقدس، أو لنقل الحقيقة التي محل تنازع بين وجهات نظر شتى، في ما لا حقيقة إطلاقا على ما يبدو. من هنا فإن السماء عماد هذه الأرض، وتحديدا سماء العرب والمسلمين تتراءى مفخخة وملغمة، إذ هي ما فتئت تحترق منذ عقود، احتراقا بلغ أوجه خلال هذا العقد الزمني. صحيح أن الديانات السماوية تدعو كلها إلى الخير، وتحث على الفضيلة إذا ما نظرنا إليها في سماواتها العُلى، تلك التي لم تلوث. أما إذا ما نزلت إلى الأرض أو وقعت، واصطدمت بالواقع والناس، وجرى اعتناقها وتأويلها على أوجه متضاربة، وصارت إلى مذاهب وملل ونحل ومعتقدات، فإنها تتحول إلى قوة مادية صادمة، عنوانها الحروب والصراعات والفتن، وهذا حالنا تماما كعرب، فنحن نحترق بفعل استشراء تيارات دينية متطرفة، تدعي أنها وحدها من يمتلك الحقيقة، فتكفر الآخر وتدعو إلى الغزوات والجهاد وتحرير المجتمعات التي تحسبها جاهلية، وإلى إقامة دولة الخلافة على نهج السلف الصالح خلال القرون الثلاثة الأولى من السنة الهجرية. بهذا فالعنوان الذي أشرت إليه هو خلاصة للنص وتفصيل له على معنى الإرهاب وتنويعاته كظاهرة سائدة في عدد من الأقطار العربية، ولاسيما في سوريا والعراق.
■ شخصية «سيمون» في الرواية.. عاشقة؟ جاسوسة؟ أم مثال للغرب؟ 
□ «سيمون وايلز» من الأبطال الرئيسيين في الوراية. فتاة فرنسية الإقامة وبريطانية الجنسية تعرفت إليها قبل سنة 2005 التقينا مرات ثم غادرت إلى دولة آسيوية للعمل هناك. وآخر رسالة إلكترونية منها تعود إلى سنة 2008، ولم أعد أعلم بمصيرها. فسيمون واقع وهي في الرواية بطلة تقوم بدور متخيل، وهي ضحية عمل مخابراتي، لكنها العين الثالثة الأكثر موضوعية. هي التي رصدت وتابعت، من خلال موقعها كصحافية، ظاهرة الإرهاب و«داعش» تحديدا محاولة تفكيكها من حيث المرجعيات والعقيدة والممارسات التي على أرض الواقع. وسيمون أيضا هي الإنسان النوعي الذي تعدى حدود الانتماء والجغرافيا إذ هي انتمت في الأخير إلى الإنسانية، بقيمها البهية الداعية للمحبة والتآخي والتنوع والتعايش السلمي ـ المدني والحضاري بين الثقافات والشعوب. فلا هي منتمية إلى الشرق ولا الغرب. سيمون البطلة تدعي في هذه الرواية بأنها الحقيقة والإنسان، لذلك هناك مزج بين ما هو ذاتي ـ واقعي، وما هو خيالي- سردي حيث توهم الرواية بالواقعية، وتعرض في جانب منها ما هو سيرذاتي أو بالأحرى سير- روائي.
■ وماذا عن بنية الرواية؟
□ اخترت أن أفتتح روايتي بحدث جلل هو خبر اغتيال البطلة سيمون في مصر جراء تفجير إرهابي لمركبة سياحية. كان هذا منطلقي المحبذ في السرد، علما أن فاتحة الرواية التي هي الفصل الأول، إنما هو في الحقيقة فصلها الأخير ونهايتها بسبب من أن «تحت سماء تحترق» هي في الواقع روايتان أساسيتان، الأولى عنوانها الحياة في منتهاها، وهي سردية سيمون الكبرى عن الحرب والإرهاب، بتحقيقاتها واعترافاتها وقصصها وأحداثها المتسارعة، والثانية «تحت سماء تحترق»، وهي رواية العشق والحياة بين سيمون ومحمد التونسي وعلاقتهما في أزمنة وأمكنة مختلفة. تبدو الرواية كروايتين أساسيتين، علاوة على أنها رواية تتطرق لقصص وحكايات شخوص عدة من المنتمين لـ«داعش» وغير المنتمين. من ذلك اعترافات لمجاهدات وتحقيقات عن إبادة الأقليات، ولا سيما الطائفة الإيزيدية، وتدمير ونهب للآثار والمتاحف ومحو للذاكرة والأسماء والأمكنة وتخريب ممعن للإنسان في جوهره وتاريخيته وهويته وحضارته. ثمة حينئذ أحداث تدور في أمكنة شتى بين تونس ومصر ولندن والأندلس وسوريا والعراق، بتوثيق للحرب حينا، واستعراض لذكريات سيمون ومحمد التونسي في أماكن عدة مع توظيف للوثيقة التاريخية والصور والرسم والشعر والرقص والمعلومة والمقولة في أشكال سردية أبرزها التداعي والحلم والهذيان والاسترجاع ومعايشة الحدث وتوثيق للوقائع والحروب. أشكال متنوعة في أمكنة وأزمنة متفرقة. هذه هي الحكايا التي في الرواية ومن بينها حكاية عاطف أبي الهول الشخص العراقي الذي أحرقني في مساره الطويل واعترافاته من كادر في الجيش العراقي إبان حكم صدام حسين، إلى شحاذ شبه مختل في شوارع بغداد والموصل، ثم إلى خبير متفجرات مستخدم من قبل «داعش» مقابل تأمين قوته. أحرقتني فعلا حكايته الطويلة لكون ما جرى في العراق وسوريا كانت له آثار رهيبة على صعيد تدمير الإنسان وتشريده وتخريبه.
■ وما الذي بقي من سيمون في ذاكرة محمد التونسي في النهاية؟
□ بقي الكثير الذي لم أقله عن سيمون. بقي في ذاكرتي الإنسان النوعي المتجاوز لكل الحدود والأوطان والعابر للهويات. بقيت سيمون بحبها للحياة وتعلقها بالقيم الإنسانية النيرة وإدانتها للاستعمار والاستغلال والإرهاب والتعصب والكراهية، سيمون الفن والأدب والسمو الإنساني والحياة والعشق، والشعر والرقص والسفر فالشوق إلى المعرفة. بوسعي أن أقول بقي الحب منتصرا على الحرب ومتحديا للظواهر المعولمة والعائمة، ومنها الإرهاب الذي بدا كفقاقيع سرعان ما انطفأت أو هي في طريقها إلى الانطفاء والخفوت. بقي أيضا الإنسان شاهدا على فظاعة العصر وحضيضه في عهد نزعم بأنه في منتهى التطور والتحضر.
■ فأي سماء تحترق؟
□ سماء العرب هي التي تحترق اليوم وتنزف بفعل التخلف الداخلي والتعصب الديني والاستبداد والاستعمار بأوجهه المختلفة، والذي نجح في تدمير ذاكرتنا وتاريخنا ووجودنا بأن خلق لنا من أنفسنا أعداء، فسرنا بخطى حثيثة إلى الدمار والفوضى، وصناعة ما يسمى بالإنسان الصفر الذي لا هم له ولا شغل سوى أن يستهلك ويعمل عبدا لصالح الآخر. إنه صراع اقتصادي على الثروات بلا شك، لكنه أيضا صراع هويات وقيم وأفكار، صراع يجتهد الغالب فيه لتحويل المغلوب إلى مجرد نسخة من كائن هلامي استهلاكي ومعولم. فأرضنا وسماؤنا هي التي تشتعل، ونحن على هامش التاريخ لا نسهم بشيء في الحضارة الإنسانية من حيث خلق الثروة والمعرفة والعلم والتقنية وصناعة القيم البهية النيرة.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات