عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jun-2017

المغامرة السياسية الأميركية في سورية قد لا تثمر

الغد-ماثيو آر جيه برودسكي - (ذا ناشونال إنترست) 11/6/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
بينما تستمر أراضي "داعش" في الشرق الأوسط في الانكماش، ما يزال مقاتلو المجموعة المتطرفة والذين يستلهمونها يشنون الهجمات بازدياد على أهداف ناعمة في الغرب. وسوف تستمر هذه الأنواع من الهجمات التي شهدتها لندن ومانشستر على الأرجح، إلى أن يتم إلحاق الهزيمة بالأيديولوجية الإسلامية المتطرفة التي تبرر وتدعو إلى تلك التكتيكات الإرهابية، وتقويضها من الداخل. ويُطلب من المسلمين منح الولاء "البيعة" للخلافة، إذا ظهر -وفق المعيار السني- خليفة شرعي مثل أبو بكر البغدادي. ويؤسس مجرد وجود الخلافة في حد ذاته أكبر أداة للتجنيد. لذلك، تكمن الخطوة الحاسمة الأولى في انتزاع الأراضي يدعيها "داعش" أراض لخلافته، أن من شأن ذلك أن يخفف الجاذبية المغناطيسية للجهاديين المستقبليين.
سوف تجلب تلك الخطوة إلى بؤرة التركيز الجهود الأميركية الرامية إلى تحرير عاصمة "الدولة الإسلامية" المعلنة ذاتياً في الرقة السورية، والتي بدأت مؤخراً. وفيما يعكس التكوين متعدد الأعراق للائتلاف المدعوم من الولايات المتحدة –على الرغم من المشاركة الكردية الغامرة- قال الناطق بلسان التركمان الإثنيين، طلال سيلو، لوكالة رويترز للأخبار، إن القتال سوف يكون ضارياً "لأن داعش سوف يستميت في الدفاع عما تسمى عاصمته".
تعول مقامرة الرئيس المحسوبة على شبكة معقدة من العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا والأكراد. وقد ترتب على إدارة ترامب الانخراط في نوع من الاتفاقيات والصفقات من أجل بناء ائتلاف يضطلع بهذه المهمة، مما يتطلب الآن وضع مراهنات حذرة على طاولة الشرق الأوسط الكبير.
بتوسيعه الخطط العسكرية التي وضعت خلال إدارة اوباما، وسع الرئيس ترامب الشراكة مع وحدات حماية الشعب الكردي في سورية. وقد أرسلت الولايات المتحدة في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 وحدة قوامها خمسون مشغلاً خاصاً للمساعدة على تدريب ودعم وحدات حماية الشعب، لأنه تم تقدير أن المجموعة هي الأقدر على القتال ضد "داعش". ومن رحم هذا الجهد، ولدت قوات سورية الديمقراطية التي تضم بعض المليشيات العربية السنية.
مع أنه ينظر إليها في واشنطن كحليف، فإن وحدات حماية الشعب الكردية تعتبر عدواً في أنقرة بسبب تبعيتها لحزب العمال الكردستاني، المجموعة الماركسية اللينينية المتمركزة في تركيا، والتي تصنفها وزارة الخارجية الأميركية على أنها تنظيم إرهابي أجنبي. ويشن حزب العمال الكردستاني تمرداً في تركيا منذ نحو ثلاثين عاماً.
أثبتت عملية إيجاد أرضية مشتركة بين حليفي الناتو في سورية كونها بالغة الصعوبة منذ وقت طويل. وفي العام 2011، دعا كل من الرئيس أوباما والرئيس التركي رجب طيب إردوغان الرئيس بشار الأسد إلى التنحي عن الرئاسة، لكن الولايات المتحدة لم تفعل سوى النزر اليسير لوضع قوتها وراء هذه السياسة.
صب أوباما تركيزه على جلب القوات الأميركية من العراق إلى الوطن، وتقليص موطئ القدم الأميركي في الشرق الأوسط. وبالنسبة لتركيا، بدت الكتابة واضحة على الجدران. وعندما أسقطت سورية طائرة تركية في العام 2012، دعم أوباما رواية روسيا عن ذلك التطور. وتبلورت الرسالة الموجهة إلى أنقرة أكثر عندما تجاهل أوباما الدليل التركي على استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية أشهراً قبل بلوغ الموضوع أوجه، عندما تراجع أوباما عن "الخط الأحمر" الذي كان قد حدده في العام 2013، مما أفسح المجال أمام الروس. وتم دق المسمار الأخير في النعش عندما أصر أوباما على التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، مما سمح ببقاء سورية في مجال النفوذ الإيراني. فهم أردوغان أنه سيكون وحده إذا كان هدفه هو تغيير النظام في سورية، ومنع تحقيق مكاسب كردية في جنوب بلاده على حد سواء. ونظراً لذلك، لم تثمر الجهود المتبادلة الفاترة لخلق وتدريب قوة عربية سنية أبداً.
بدوره، لعب الرئيس التركي لعبة مزدوجة لوقت طويل. فسمح لخطوط تجنيد "داعش" بالمرور عبر بلده، واستفاد من فرص التجارة غير المشروعة التي وفرها التنظيم. وبما أن "داعش" يقاتل ضد الأكراد ونظام الأسد، فقد رأى إردوغان في أصلاً وليس عقبه. وما يزال أردوغان يحب أن يرى الأسد وقد ذهب، لكنه أقر بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية التي شنها "داعش" في تركيا بأنه يجب أيضاً تدمير التنظيم -أو فهم أنه بالنسبة للرئيس ترامب، فإن القضاء على المجموعة الإرهابية إقليمياً هو شأن غير قابل للتفاوض. ويرغب أردوغان في لعب الكرة طالما ظل الأكراد غير أقوياء فيزيائيا أو جغرافياً.
اقتصر الانخراط العسكري التركي في الصراع السوري غالباً على ضربات يتم توجيهها من فترة لأخرى ضد الأكراد في شمالي سورية والعراق. ويتميز أردوغان بكون بلاده أول بلد عضو في الناتو يسقط طائرة حربية روسية (أو سوفياتية) دخلت المجال الجوي التركي منذ الخمسينيات، عندما ادعى أن طائرة هجومية من طراز سوخوي سو-24 دخلت المجال الجوي التركي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 -وهو عمل نسب الفضل فيه لنفسه. وبالنسبة لإردوغان، لم يكن الافتقار إلى شجاعة غرائبية المشكلة أبداً، كما أن اعتقاده بأن الانتقام هو طبق من الأفضل تقديمه بارداً لم يكن موضع شك أبداً. وببساطة، لم يرد أن يتحمل عبء الفوضى السورية وسط غياب القيادة الأميركية، وحيث أثبت حلفاء الناتو أنهم أقل قدرة على العمل معاً في اتجاه تحقيق هدف مشترك، ناهيك عن إنجاز هدف.
على الرغم من الغبار الذي راكمته اعتداءات أجهزته الأمنية على المتظاهرين العزل في واشنطن، فهم الرئيس التركي أصلاً ما الذي يستطيع الأمل فيه واقعياً عندما حل ضيفاً على البيت الأبيض في أيار (مايو) الماضي. ولذلك، لم تكن نتيجة الاجتماع مفاجئة. ففي الجوهر، عرف أنه لن يكون بمقدوره إقناع الولايات المتحدة بمقايضة شركاء الائتلاف في معركة استعادة الرقة. وكانت إدارة ترامب قد أخطرت أردوغان بقرارها تسليح الأكراد مباشرة قبل أسبوع من وصوله إلى واشنطن، تجنباً لحدوث أي مفاجآت. وكان السؤال يدور حول ما يمكنه الحصول عليه في مقابل السماح باستمرار الشراكة الأميركية الكردية من دون أي مضايقات. وبعد كل شيء، فإن العديد من شركاء أميركا في الشرق الأوسط ليسوا معروفين فقط بقدرتهم على مساعدة الولايات المتحدة في تحقيق أهداف إقليمية، وإنما في قدرتهم على إحباطها أيضاً.
يقودنا ذلك إلى المقامرة التي يخوضها الرئيس ترامب بشكل منفصل مع تركيا والأكراد. ووفق سونر كاغابتي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومؤلف كتاب "الشيطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة"، فإن الصفقة التي يرجع أن إردوغان عقدها في واشنطن كانت تقضي بأن تقوم الولايات المتحدة بتجزيء علاقتها مع وحدات حماية الشعب الكردية في سورية، وحزب العمال الكردستاني في تركيا والعراق."
ويعني ذلك أن تنظر تركيا إلى الجهة الأخرى بينما تكون الولايات المتحدة منخرطة مع وحدات حماية الشعب للقضاء على "داعش" في الرقة، وأن تغض الولايات المتحدة الطرف عن الجهود التركية لمهاجمة حزب العمال الكردستاني في العراق بعد تحرير الرقة والموصل من "داعش". وفي الأثناء، تلمح الولايات المتحدة إلى أنها ستساعد تركيا ضد جمع الأموال لحزب العمال الكردستاني وشبكات تهريب المخدرات والابتزاز في أوروبا. ومع ذلك، تظل الصفقة معلقة على الضمانات الأميركية بأن لا تبقى وحدات حماية الشعب في الرقة بمجرد تحريرها من "داعش"، وأن يعيد مقاتلو الوحدات أسلحتهم للولايات المتحدة عند إنجاز المهمة.
ذلك هو المحك. ويعتقد كاغابتاي بأنه في حين قد تعيد وحدات حماية الشعب الأسلحة للولايات المتحدة بينما تتعقبها واشنطن، فإنه ليس متأكداً من أن مقاتلي وحدات حماية الشعب سيغادرون الرقة. وفي مقابلة حديثة، شرح أن "وحدات حماية الشعب تريد مضاعفة مكاسبها في سورية إلى الحد الأعلى من خلال إقامة روابط جيدة مع نظام الأسد والروس من جهة، ومع واشنطن من الجهة الأخرى". ويمكن أن يقود ذلك وحدات حماية الشعب إلى ممارسة لعبة مزدوجة، حيث تستخدم ورقة الرقة وتقوم تسليمها في نهاية المطاف إلى نظام الأسد وروسيا في مقابل اعترافهما وحمايتهما لحكم ذاتي اقتصادي كردي في سورية.
إذا حدث ذلك، فإنه لن يقوي موقف الأسد وروسيا وحسب، وإنما سيقوي موقف إيران أيضاً. وفي ذلك السيناريو، لن تكون الولايات المتحدة قد قامت بالعمل القذر لخدمة سورية وإيران فقط، وإنما ستكون أيضاً قد أغضبت تركيا، في وقت كان يمكنها بغير ذلك أن تثبت كونها شريكاً رئيسياً في الدفع ضد إيران.
يشرح كاغابتاي بالقول: "تريد تركيا بناء منطقة نفوذ في شمالي العراق وسورية، والتي تمتد من الشمال إلى الجنوب من الحدود التركية، وتحاول إيران الشيء نفسه في هذه المنطقة، امتداداً من الشرق إلى الغرب على طول الحدود الإيرانية. ويعني هذا أن المنطقتين الإيرانية والتركية تصطدمان ببعضهما بعضاً. وهذه وصفة للتوتر بين أنقرة وطهران، مما يجعل تركيا حليفاً لإدارة ترامب- خاصة إذا أعطى الأولوية لمواجهة إيران كهدف رئيسي للسياسة الخارجية".
سواء كان ذلك تركيا أو الأكراد، فيمكن أن ينتهي المطاف بأي منهما وهو يلعب دور المفسد لخطة الرئيس ترامب لمحاربة "داعش" والدفع ضد إيران. وتظل الحقيقة أنه على الرغم من ميل تركيا المحلي إلى الإسلاموية والاستبداد في الوطن -وشراكاتها المتزايدة مع شخصيات إقليمية من الإخوان المسلمين إلى حماس، إلى فروع تنظيم القاعدة في المنطقة، إلى قطر التي تزداد عزلة- فإن قدر هذا البلد هو لعب دور رئيسي في معظم مجالات الشرق الأوسط، بقوة التاريخ والجغرافيا.
على الرغم من المنطق التكتيكي الذي تنطوي عليه الشراكة مع وحدات حماية الشعب في العمليات العسكرية في الرقة، فإن هذه الشراكة تطرح قضايا إستراتيجية بعيدة الأمد بالنسبة للولايات المتحدة. وبغض النظر عن تعديات تركيا الراهنة، فثمة القليل من الشك في أن إدارة ترامب سوف تفضل زيادة في نطاق النفوذ التركي على توسع أراضي ممر إيران الشيعي.
سوف يكون تبني استراتجيية متزامنة لإضعاف "داعش" وإيران هو الهدف الصحيح لتجنب تقوية أحدهما على حساب الآخر. وذلك يتطلب موازنة العديد من العلاقات والشراكات -وإدارة قائمة طويلة من المقايضات لتحقيق تلك الأهداف. وتشير حقيقة أن ترامب يبدو بصدد تقييم خياراته عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأسد في سورية، إلى أنه ما يزال يملك بطاقة قوية ليلعبها في الأشهر المقبلة، سواء كانت مع تركيا أو الأكراد أو روسيا. ومهما يكن اختياره، فسوف يحتاج إلى الاحتفاظ بالمكاسب ببراعة، وإلى أن يعيد باستمرار تقييم الكيفيات التي تسهم بها التكتيكات العسكرية قصيرة الأجل في تحقيق الأهداف السياسية طويلة الأجل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America’s Political Gamble in Syria May Not Pay Off

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات