عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Apr-2018

في حروب الشرق الأوسط، يجب أن تكونَ متشككاً

 الغد-باتريك كوبيرن – (كاونتربنتش) 23/4/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
أثناء قصف بغداد في كانون الثاني (يناير) من العام 1991، ذهبتُ مع صحفيين آخرين في رحلة نظمتها الحكومة إلى ما زعموا أنها بقايا مصنع لحليب البودرة للأطفال الرضع في أبو غريب، والذي كانت الولايات المتحدة قد قصفته تواً، وقالوا إنه كان في الحقيقة مرفقاً لتصنيع العناصر البيولوجية الحربية. وبينما كنتُ أتجول في الحطام، عثرت على مكتب محطم عليه رسائل تُظهر أن المرفق كان في الحقيقة ينتج بودرة حليب الأطفال. ولم يكن المصنع ناجحاً تماماً في عمله؛ حيث تحدثت الكثير من المراسلات عن مشاكل مالية وإنتاجية وكيف يمكن حلها بأفضل طريقة. ولم يبدُ مرجحاً أن تكون الحكومة العراقية قد فبركت الأدلة، ولو أنه كان من الممكن التفكير بأن بعض أجزاء المنشأة، والتي رأيتها فعلاً، ربما يمكن أن تقوم بتصنيع الأسلحة البيولوجية.
كنتُ أزور الكثير من المباني المقصوفة والمدمرة في بداية حملة القصف الجوي التي قادتها الولايات المتحدة في العراق، ولم أدرك في البداية أن "مصنع حليب الأطفال في أبو غريب" سوف يصبح قضية كبيرة. كنتُ في ذلك الحين أكثر تأثُّراً بمشهد صواريخ كروز وهو يعبر ببطء شديد فوق رؤوسنا، ويبدو أشبه بطوربيد أسود كبير. ولكن، في غضون ساعات من مغادرتنا أبو غريب، أصبح الهدف الحقيقي لوجود المنشأة هناك موضوعاً لجدال غاضب. كان مراسل قناة "سي. إن. إن"، بيتر أرنيت، الذي كان معنا في الرحلة، قد ذكر في تقريره أنه "مهما كان أي شيء آخر تصنعه تلك (المنشأة)، فإنها كانت تنتج تركيبة حليب الأطفال". وقد شاهد أرنيت الكثير من بودرة الحليب المجفف في المكان. وخلافاً لادعاء البنتاغون بأن المكان كان محروساً مثل حصن، فإننا لم نرَ هناك سوى حارس واحد عند البوابة. ولم يقم آرنيت في تقريره بنفي رواية حكومة الولايات المتحدة عن أن المكان كان مصنعاً للأسلحة البيولوجية، لكنه لم يؤكدها أيضاً. وذكر في تقريره ببساطة أن المكان "بدا بريئاً بما يكفي -بالحكم مما استطعنا أن نراه".
ولكن، تبيّن بعد ذلك أنه حتى هذا الافتراق الخفيف عن نسخة الرواية الأميركية الرسمية عن القصف لم يكن مقبولاً، وأدى التقرير إلى انفجار الغضب في واشنطن. وقد عبر كولين باول، رئيس الأركان الأميركية في ذلك الحين، عن يقينه بأن مصنع أبو غريب كان يصنع الأسلحة البيولوجية. وادعت القوات الجوية الأميركية أن لديها مصادر متعددة للمعلومات، والتي تثبت كلها الشيء نفسه.
قامت الحكومة الأميركية بتشويه سمعة أرنيت ووصفته بأنه ألعوبة بيد الحكومة العراقية. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، مارلن فيتزواتر: "هذه ليست حملة للسيطرة على الإعلام. إنها تتعلق بتصحيح كشف علني خاطئ، هذا خاطئ، وهو يضر بحكومتنا، ويخدم مصلحة صدام حسين". وأصرت المنافذ الإخبارية الأميركية، التي ليس لأي منها مراسلون في بغداد، وبقوة على تأكيد السرد الرسمي. واستهجنت مجلة "نيوزويك" ما وصفته بأنه "محاولة العراق الخرقاء تصوير منشأة للأسلحة البيولوجية تم تدميرها بالقرب من بغداد على أنها مصنع لحليب الأطفال".
استغرق الأمر سنوات حتى انهارت الرواية الرسمية عن ذلك القصف. وعلى الرغم من أنني كنت في المصنع بعد وقت قصير من تدميره، فإنني لم أتمكن من إثبات أنه لم ينتج أسلحة بيولوجية، على الرغم من أن ذلك بدا لي غير محتمل إلى حد كبير. وقد تضاءل الاهتمام الإعلامي بسرعة: كانت أفضل دراسة استطعت أن أجدها حول كيفية تدمير مصنع الحليب، ومن إنتاج العلاقات العامة الرسمية، هي مادة كتبها مارك كريسبين ميلر، والتي أخذت منها الاقتباسات أعلاه، ونشرت في العام 2003.
جاءت الأدلة ببطء، بعد أن تضاءل الاهتمام العام. وكشف تقرير للكونغرس في العام 1993 حول نجاحات المخابرات الأميركية وإخفاقاتها في حرب الخليج عن المنطق الهش الذي كان وراء قرار القوات الجوية الأميركية قصف ذلك الموقع. واتضح أن "التمويه المرقش" قد استخدم على أسطح منشأتين معروفتين لإنتاج الأسلحة البيولوجية. وقال التقرير: "في الوقت نفسه، تم استخدام مخطط التمويه المرقش نفسه على سقف مصنع الحليب". وكان هذا كافياً لكي يدرجه سلاح الجو الأميركي كهدف.
تبيَّن أن المزاعم الرسمية الواثقة حول مصادر المعلومات المتعددة عن المنشأة غير صحيحة. ويجب على المرء أن يتوغل عميقاً في ورقة غير سرية لوكالة المخابرات المركزية حول برنامج الأسلحة البيولوجية العراقي، ليجد حكماً يعترف بأن منشأة أخرى، والتي كانت المركز الحقيقي لجهود الرئيس السابق صدام حسين لإنتاج الأسلحة البيولوجية، لم تكن معروفة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، "ولذلك لم تتم مهاجمتها خلال الحرب، بخلاف مصنع أبو غريب لحليب الأطفال الذي دمره الائتلاف بالقصف على أساس اعتقاد خاطئ بأنه كان مرفقاً أساسياً لإنتاج الأسلحة البيولوجية".
إن قصة مصنع أبو غريب لألبان الأطفال جديرة بأن تروى مرة بعد المرة لأنها تؤكد -في أعقاب الضربات الجوية الأميركية والبريطانية والفرنسية على مواقع الأسلحة البيولوجية السورية المزعومة في 14 نيسان (أبريل)- الحاجة إلى التشكيك الدائم في ادعاءات الحكومات بأنها تعرف ما يحدث على الأرض حقاً في سورية أو في أي مكان آخر.
لكن ازدواجية الحكومة بالكاد جديدة، وربما أصبحت محاولة إدانتها تنطوي على خطر أكبر. ولننظر مرة أخرى إلى الهجوم الذي شنه على تقرير بيتر أرنيت المتحدث باسم البيت الأبيض، مارلن فيتزواتر، الذي كان هو على خطأ -وكان أرنيت على حق- حين قال إن التقرير يحتوي على "كشف خاطئ، وهذا خطأ". لكنه يضيف بشكل صحيح أن هذا الكشف "يؤذي حكومتنا ويعمل في مصلحة صدام حسين".
كذلك كان الأمر بطريقة بسيطة، وهو ما يقود إلى اتخاذ الحكومات موقفاً يزداد سمية تجاه أولئك الذين يشككون في النسخة الرسمية من رواية الأحداث الشائعة في بريطانيا والولايات المتحدة. وهو اتجاه يجتاح حرية التعبير في المجر وبولندا، والذي انتصر بالفعل في تركيا ومصر. وفي جميع الحالات، توصم الآراء التي تفترق عن رؤية السلطات، بأنها غير موالية وغير وطنية و"حقائق كاذبة" ينشرها "بلهاء مفيدون"، باقتباس اثنين من الكليشيهات المروعة قيد الاستخدام. ويأتي في أعقاب تهميش المعارضة تجريمها: كانت لدى تركيا في يوم من الأيام صحافة حرة مزدهرة، لكن أي نقد للرئيس رجب طيب أردوغان أو قول كلمات أو القيام بأفعال لا يوافق عليها أصبحت توصف الآن بأنها "إرهاب" وتتم معاقبة أصحابها على هذا الأساس.
هناك الكثير من النقد والاحتجاجات التي يعبر عنها المعلقون في بريطانيا حول انتشار الاستبداد في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، لكن هناك أقل من ذلك بكثير مما يقال عن القيود المتزايدة على ما يمكن التعبير عنه بحرية في الوطن. وعلى نحو متزايد، يصبح أي شيء أقل من التأييد الكامل لرواية الحكومة حول تسميم عائلة سكريبال في ساليزبوري أو الهجوم المشتبه بأنه شُن بالغاز على المدنيين في دوما في سورية، يعد دعماً لبوتين أو الأسد.
أحد الحوادث التي تجسد الاستبداد الجديد هو شجب حزب العمال لسلوك أحد رجال الدين المسيحي من الحزب وأقرانه الذين كانوا يزورون سورية للالتقاء بشخصيات من الكنيسة ومسؤولين من الحكومة. وينبغي أن تكون هذه مهمة مفهومة بالنسبة للمسيحيين البريطانيين المعنيين، لأن المسيحيين في سورية يمكنهم الاستفادة من كل التضامن الذي يمكنهم الحصول عليه، بينما يجبرون على الفرار أو يتعرضون للاختطاف أو القتل على يد أفراد "داعش" أو القاعدة أو الإخوان المسلمين. وهم، مثل العديد من السوريين، يرون أن اختيارهم ليس بين الخير والشر، وإنما بين السيئ والأسوأ. ويفضلون عموماً البقاء على قيد الحياة في ظل الأسد على الانقراض المرجح في ظل أعدائه.
إن زيارة أعضاء المجتمع المسيحي المستنزَف في سورية هي أمر يحسُن فعله. ونعم، يمكن القول إن وجود المسيحيين البريطانيين في دمشق هو أمر مفيد للغاية للأسد هامشياً، بالطريقة نفسها التي لا بد أن يكون تقرير بيتر أرنيت الصادق بشأن حليب الأطفال في أبو غريب قد أسعد بها صدام حسين. وقد صرحت وزارة الخارجية البريطانية بأن زيارة المسيحيين "لم تكن تساعد"، لكن مساعدة الدولة البريطانية لم تكن الهم الأول للذين زاروهم.
لا شيء جديدا في الحجج التي يتم استخدامها حالياً في بريطانيا والولايات المتحدة لتشويه الذين يشككون في رواية الإجماع الحكومي والإعلامي. فقد اعتاد البلاشفة على التعريض بالناس الذين قالوا أو فعلوا أشياء لم تعجبهم باعتبار أنهم "بموضوعية" فاشيون أو أعداء للثورة. وعندما يجيب هؤلاء الذين تم شجبهم، الذي كان في الغالب تمهيداً لإطلاق النار عليهم، بأنهم ليسوا كذلك، كان البلاشفة يقولون: "قل لنا من يدعمك وسنقول لكَ من أنت". وبعبارات أخرى، فإن الشيء الوحيد المهم هو ما الجانب الذي تقف فيه.
 
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: In Middle East Wars It Pays to be Skeptical
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات