عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Apr-2018

اللعبة الطويلة لتنظيم القاعدة

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ميلو كومرفورد* - (مؤسسة توني بلير للتغيير العالمي) 3/4/2018
 
يُظهر شريط فيديو دعائي جديد لتنظيم القاعدة قائده، أيمن الظواهري، وهو يقدم نفسه كموحِّد لحركة جهادية مقسَّمة. لكنَّه يعيد أيضاً تأكيد تركيز المجموعة الأساسي على عدوها اللدود التاريخي: الولايات المتحدة.
الآن، تذهب الآلة الدعائية لتنظيم "داعش" إلى الظلام بينما يجري طرده من آخر معاقله في العراق وسورية. وبهدوء في الظلال، بالتزامن مع أفول "داعش" الإقليمي، ثمة صعود مناظِر لمنافسه الجهادي، تنظيم القاعدة.
وربما تمكن رؤية التعبير الأوضح عن هذه الآلية الجديدة من تغيير التوازنات في النشاط الإعلامي للمجموعتين. فعلى الرغم من افتراض بقاء مَن يدعى خليفة "داعش"، أبو بكر البغدادي، على قيد الحياة، لم تُسمع أي رسالة عامة من القيادة العليا للمجموعة منذ أيلول (سبتبمبر) 2017. لكن زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، نشر في المقابل ستة خطابات في العام 2018 وحده. وفي خطابه الأخير المعنون "أميركا هي العدو الأول للمسلمين"، يسلط الظواهري الضوء على أولوية المجموعة المتدرجة المتمثلة في البقاء "مخلصة وثابتة على طريق الجهاد"، في تعريض مستتر بتهور "داعش" الأيديولوجي -الأرنب في مقابل سلحفاة القاعدة.
بينما عانى "داعش" من التراجع، شهد القاعدة "انبعاثاً" جديداً، وفقاً للباحث في شؤون الإرهاب بروس هوفمان. وفي كل أنحاء أرخبيله الفضفاض من المجموعات والمنظمات التابعة، قوى تنظيم القاعدة نفسه وترسخ في مختلف مناطق النزاع حول العالم، بما في ذلك منطقة الساحل الأفريقية، والقرن الأفريقي، والقوقاز، وأفغانستان/باكستان، وسورية، واليمن وكشمير. وفي المقابل، لم يعد "داعش" قادراً على التنافس مع شقيقه الأقدم "عندما يتعلق الأمر بالنفوذ، والوصول، والقوة البشرية، أو التماسك".
على الرغم من هذه التحولات التكتونية في مشهد الجهاد العالمي، فإن المدهش بشكل خاص في شريط فيديو الظواهري الأخير هو استمرارية رسالة القاعدة منذ أعلى ذروة له حول هجمات 11/9. وفي العام 2001، شبه زعيم القاعدة في ذلك الوقت، أسامة بن لادن، الولايات المتحدة بهُبل؛ الإلة الوثني الذي كان يُعبد في الكعبة في مكة في مرحلة ما قبل صعود الإسلام. واليوم، يردد الظواهري صدى هذا التلميح، مستعيناً بفيلم للمفكر الإسلامي عبد الله بن بيّة وهو يدعو إلى الاعتدال في الأمم المتحدة، وكذلك لوزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، وهو يصف جهود المملكة العربية السعودية لمواجهة التطرف، كأمثلة على "عبادة الأصنام". والآن، كما في ذلك الوقت، يتم تصوير الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي على أنهما كيانان "منافقان" واللذان "وقفا خلف زعيم الكفر العالمي... أميركا، وأنصارها".
من خلال البناء على تراث الأب الروحي للحركة السلفية الجهادية، أدرك تنظيم القاعدة قدرة بن لادن على تجاوز الانقسامات التي تعصف بالحركة. وبالمقارنة مع التأثير الاستقطابي للبغدادي وسلفه التقسيمي، أبو مصعب الزرقاوي، فإن بن لادن هو منظر يستطيع كل السلفيين الجهاديين التوافق معه.
أيمن الظواهري الذي يبلغ عمره الآن 66 عاماً هو من قدامى الجهاديين في مصر في سبعينيات القرن الماضي وأفغانستان في أواخر الثمانينيات، عايش التحوُّلات التي شهدتها الحركة الجهادية العالمية. وتعني خبرته الطويلة في الحملة الطويلة من أجل كسب القلوب والعقول أن تنظيم القاعدة يلتقط قوة تقديم أميركا كعدو مشترك من أجل توحيد مشهد سلفي جهادي يزداد انقساماً باطراد. لكن تنظيم القاعدة تعلم أيضاً أن يتفوق من خلال مكانته كحركة مستضعفة أقل فرصة للنجاح وتعمل ضد كل المتناقضات. ويزعم الظواهري أن المجموعة لديها "قدرات قليلة، قرب الصفر مقارنة بالأميركيين"، وهو ما يجعلها في تناقض أساسي مع الانتصارية الطاغية في فيديوهات "داعش" التي تعرض غزوات متخيلة لواشنطن يقوم بها "جنود الخلافة".
كان تأكيد "ضعف" المجموعة هذا ثيمة تجنيد بارزة في دعاية المجموعة. وقد أظهر بحث نشرته في العام 2015 مؤسسة توني بلير للتغيير العالمي، أن المنظمات التابعة للقاعدة، بما فيها الأذرع السورية واليمنية، كانت أكثر احتمالاً من "داعش" بمرتين لتصوير نفسها كطرف ضعيف ومستضعف في دعايتها. وتم إجراء ذلك البحث في فترة ذروة قوة "داعش"، وهو ما يعني أن ذلك التناقض عاد على الأرجح إلى إصرار المجموعة على تقديم خلافتها كدولة عاملة بشكل كامل.
ينسج الظواهري على الحنين إلى العصر الذهبي عندما كانت الحركة الجهادية تركز على مهاجمة "العدو الأول للمسلمين" أكثر من الانخراط في الفصائلية الطائفية في الشرق الأوسط. وبالنسبة لزعيم القاعدة، فإن هذه الروح تمكن استعادتها. ويتم اعتناق هجمات 11/9 كـ"مثال عملي" على أن ضرب الولايات المتحدة مباشرة هو أمر ممكن، في حين يتم تصوير عمليات القاعدة ضد الدبلوماسيين الأميركيين والبنية التحتية العسكرية في عدو ونيروبي ودار السلام في التسعينيات باعتزاز كبير.
تردد هذه العاطفة صدى ما ورد رسالة شهيرة كتبها الظواهري في العام 2005 لقائد تنظيم القاعدة في العراق في ذلك الوقت، أبو مصعب الزرقاوي، والتي أدان فيها استهداف المجموعة المدنيين. وكتب الظواهري: "يتساءل الكثيرون من معجبيكم المسلمين من الناس العاديين عن هجماتكم. لا تحولوا أنظاركم عن الهدف". ويظهر التحليل الذي أجرته مؤسستنا ثباتاً على هذا الموضع لتركيز المجموعة بمرور الزمن. ويركز القاعدة في دعايته على العدو البعيد بتكرار أكثر بنسبة 50 في المائة مما يفعل "داعش".
على الرغم من أن هذه الرسالة قد تكون ثابتة، فقد رأى تنظيم القاعدة في الإدارة الحالية للولايات المتحدة فرصة ذهبية لزراعة أيديولوجيته. فمباشرة في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ألقى الرئيس الأميركي في ذلك الحين، جورج دبليو بوش، خطاباً مهما أعلن فيها أن "الإسلام هو السلام". ولنقارن هذا بالأحداث التي جربت في العام 2017، عندما نقلت صحيفة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، المسرى، بشكل موفق زعم كبير استراتيجيي البيت الأبيض، ستيف بانون، أن الولايات المتحدة هي في حرب "مع الإسلام كدين". وبينما يدّعي الظواهري بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "كشفت عن الوجه الحقيقي لأميركا"، فإنه يؤكد أن الصراع مع واشنطن "هو عداء ديني في جوهره"، والذي ينخرط فيه "الغرب الصليبي العلماني المادي" ضد نسخة القاعدة من "الإسلام الصحيح".
من خلال بثّ رسالته عن الوحدة والاستمرارية الجهادية، بذل تنظيم القاعدة جهداً منسقاً للاستفادة من أفول "داعش". لكن قيادة التنظيم، بعد 22 عاماً من إعلان الحرب بداية على الولايات المتحدة، تعيد التركيز على العدو القديم كوسيلة لتعزيز حركة جهادية تُمنى بالهزائم في ميادين المعارك في العراق وسورية. وعلى صانعي سياسة مكافحة الإرهاب في العالم أن لا يتجاهلوا التهديدات القائمة منذ وقت طويل، وإنما عليهم أيضاً تعلم الدروس من مرونة القاعدة وقدرته على البقاء، والاعتراف بأن الانتصار العسكري، سواء كان في أفغانستان أو في بلاد الشام، لا يشكل سوى نصف المعركة فقط ضد الأيديولوجيات المتطرفة.
 
* محلل ومسؤول أبحاث الابتكار في مؤسسة التعايش المشترك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Al-Qaeda’s Long Game
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات