عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2017

رواية «لعنة ميت رهينة» أحْياء يموتون من أجل الموتى

القدس العربي- عبدالدائم السلامي : بعد روايات «لهو الأبالسة» و»ميس إيجيبت» و»رحلة الضباع» و»بياض ساحن»، أصدرت الكاتبة المصرية سهير المصادفة رواية جديدة بعنوان «لعنة ميت رهينة» (الدار المصرية اللبنانية 2017)، وقد بدا فيها الجهد الفني والتخييلي منصبا على تحريك سكونية الخارج وإعادة تَوْطينه في الكتابة، فهي تستدعي مرجعَها (ممثلا بحياة أهالي قرية «ميت رهينة») للإيقاع به فيها، وإذ تستدعيه فيها تعريه، وتجري فيه إيقاعَها المحتج على خطاباته الرائجة.
 
ممكن واقعي
 
لا تكتفي رواية «لعنة ميت رهينة» بحَكي الخارج وحسب، وإنما هي تحكي معه مَرْويها وهو يواجه ذاك الخارجَ ويتلمس طريقَه إلى التكون فضاء موازيا له يراقبه ويعدل حركتَه عبر ممكنات حدَثية تسكنها حشود من الشخصيات التي ضاعتْ أصواتها، أو هي ضيعت منها عنوة. ولعل في هذا ما جعل قراءةَ هذا المروي تنفتح على أفق حيرة وفجاءة، ولا أظن الرواية تطلب من وراء ذلك تحقيقَ فَانْتَازيات موغلة في التعمية والإبهام، وإنما هي تَحْدس في ما يرغب فيه القارئ لتخالفَه وتقولَ ما ترغب هي في قوله، إنها تهشم اطمئنان قارئها إلى نظام الواقع، وتحفزه لأنْ يصنعَ لكَيْنونَته معقوليات جديدة، وهذا ما أثمن دوما حضورَه في كل رواية، وأزعم أنه يمثل سبيلَها إلى الإبداع والإمتاع: أي أن تَخْلقَ جدلية بين الكاتب والقارئ، وأن تجعل القارئ يعود إلى الرواية بعد أن ينهي قراءتها، لإحساسه بأن شيئا منها قد صارَ منه، ومن ثَم يتحول كل ما هو تخييلي في الحكاية إلى ممْكن واقعي خارجَها، يستشعره القارئ ويكاد يسمع حركتَه، بل يكاد يراه.
والحق أنه ما كان لرواية سهير المصادفة أن ترقى بفعلها التأثيري إلى مراقي هذه الحيرة وهذه الفجاءة لولا نهوض معمارها السردي على دعامتيْن متَعاضدتَيْن: الأولى هي الحفر في أعماق الشخصيات وكشف أغوارها النفسية (وهو ما أجده قد مَنَعَ عنها تسطيحَ كَيْنوناتها على غرار ما يظهر من شخصيتيْ نور وعبدالجبار)، وتتمثل الثانية في حسن تدبير أمر ذاك المَرْوي، تدبيرا سهل تكونَه في شكل عراجين حَكايا صغيرة متصل بعضها ببعض: حكاية هاجر الشابة الجميلة التي تزوجها أدهم الشواف، وهو شاعر سعودي ثري بنى لها قصرا يقع فوق مقبرة فرعونية في ضيعة كبيرة، وحكاية عبدالجبار ابن قرية «ميت رهينة» الذي أحب هاجر وتمنى الزواج بها غير أن أباها لطفي مرجيحة طرده «كما ينش ذبابة لَحوحة» وزوجها لأدهم طمعا في مساعدته على حج بيت الله، وحكاية ليلى – ابنة هاجر- التي أحبت الدكتور نورالدين، فامتص منها صباها وهَجَرها إلى أمريكا مخلفا لها ابنتَها نور، وحكاية نور الابنة اللعْنة التي ستزلزل واقعَ مجتمع القرية وتكون فيه لعنتَه، وحكاية صلاح الشاب الجامعي وصديق طفولة نور الذي سيكتشف حقيقتَها ويخلص منها مجتمع السرد في نهاية الرواية. وكل واحدة من حكايات «لعنة ميت رهينة» تتحرك فيها شخصية مكلومة بماضيها ومهزومة بوقتها وموسومة حركتها في السرد بتوتر نفسي واجتماعي وقيَمي كأنما هي حاملة في داخلها ضدها.
 
نَبْت شيطاني
 
الرأي عندي أن الرواية التي تضيع جهدَها في البحث عن حكاية كبيرة تنتهي دوما رواية صغيرة، ذلك أن أدبيةَ الرواية لا تتأتى من «كبَر» الحكاية التي فيها، وإنما من حسْن سرد الكاتب لحكاية صغيرة. ليست الرواية الكبيرة إلا صناعةَ حكاية تولَد صغيرة على الورق لتكبرَ في ذهن القارئ، كتابة الرواية هي دوما مشروع كتابة، والقارئ هو ورقها الذي تكتَب عليه. وإني لَواجد في رواية «لعنة ميت رهينة» حكايا صغيرة، هي ليست حكايا شخصيات وحسب، وإنما هي أيضا حكايا مَعان وأسئلة لعل من أجلاها حضورا مسألةَ مطالبة بعض المجموعات بتَصْنيم الماضي وعبادته، بل والدعوة إلى السكَن فيه هربا من مشكلات الحاضر.
وقد اختارت الرواية مناقشة هذه المسألة عبر حكاية بطلتها «نور»، تلك البنت التي ولدتْ بجسد مشوه نحيل، «فصدرها مسطح مثل صدر الشباب، ومؤخرتها ضامرة، وشعرها أصفر خفيف وقصير، كما لو كان باروكة باهتة ومتسخة ورديئة الصنع، وتقريبا كانت دون شفاه، فشفتاها رقيقتان مثل خطيْن رسما على عَجَل بشكل متعرج». وقد تكلمت نور وعمرها لم يتجاوز ثمانيةَ شهور، وحفظت كتب المدرسة في فترة قصيرة، وهو ما أخاف والدتها، فامتنعت عن الاقتراب منها وأوكلت تربيتها إلى جدتها هاجر.
وكبرت نور في السرد لتصير رائيةَ أحداثه؛ تعرف كل ما سيحدث في مجتمع القرية، وحتى في المجتمع المصري (تنبؤها بفشل الثورة مثلا) وتخفي أكثرَه عن الناس، ثم سرعان ما تحولت إلى سَفاحة قتلت عبدالجبار وابن ستيتة وخالد الطوبجي ومتولي الحرامي وسلمى وغيرهم، من خلال استقطابها لهم إلى غرفة بقَصْر جدها أدهم وقتلهم حفاظا منها، وَفْقَ زَعْمها، على خزائن الفراعنة المطمورة تحت الأرض، أيْ على خزائن الماضي بكل قَدَاسته، وهو ما جعل صديق طفولتها صلاح يصفها بكونها «إرهابية، سفاحة». وقد فعلت ذلك دون أن يعلم بها أهل القرية، الذين تهامسوا في ما بينهم»عن الاختفاءات الغريبة لبعض ناس ميت رهينة، وقرروا ألا يخرجوا ليلا أبدا».
وأزعم أن اتكاءَ الرواية على حدث الموت منتهى لأحداثها، إنما هو رغبة منها في تفكيك واقع العلاقات الاجتماعية في قرية ميت رهينة، وكشف توتر الحياة فيها وتنامي فجائعها، ولأن «الموت هو الحدث الوحيد، وما سواه خطاب بالأساس» على حد ما يقول رولان بارت في «مسرح اللغة»، فقد فارق هذا الموت طبيعتَه العاديةَ، ليكشفَ عن وجه الإماتة العَمْد فيه، وعما يَحكمه في الرواية من شهوة إماتة الأَحْيَاء من أجل إحْيَاء الموتى، إنه بالتوصيف نَبت شيطاني يخنق أنفاسَ مجتَمَع السرد ويمتص منهم طمأنينتَهم.
ومتى حاول قارئ رواية سهير المصادفة أنْ يجري أسئلتَها مجرى واقعيا لوقف على حقيقة أن معيشَنا العربي يجد له في أحداثها شيئا منه، فما حكاية نور إلا استعارة عما نعيشه من إرهاب أسود، تلوذ به كيانات مادية وثقافية لها أيديولوجيات عنيفة سبيلا إلى السيطرة على عقول الناس، تفعل ذلك تحت يافطات الترهيب والترغيب والدعوة إلى عبادة السلَف لحل مشاكل الخَلَف. وهي جميعها أجساد مشوهة وعدوانية، كما هي حال جسد شخصية نور، منبتة عن حاضرها وذات أسماء مضيئة في لفظها وموغلة دلالتها في الظلامية.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات