عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Aug-2017

خليل رامز سركيس: عن العمادة بالحبر والشَّوق إلى «الإنسان»

 القدس العربي-رشا الأمير

 
لم يستعجل الأجَلُ خليل رامز سركيس بل مَدَّ في عُمْرِه مَدّا لم يَخْلُ معه، أحيانا، أن سَئِمَ تكاليفِ الحياةِ وأظْهَرَ بَرَمَهُ بها. وإذا كان من سنن الحياة أن يُدْرِكَ شيء مِنَ السأم مَنْ يُكْتَب له، شأن سركيس، أنْ يعيش تسعينَ حولا وفوقها ستة، فمن الظلم بحق الحياة وبحقِّ الرجل، معا، أنْ نُطالع خليل رامز سركيس الذي رحل، في منفاه اللندني، الطَّوْعي، لأيام خلت بعدد السنين التي عاشها بيننا؛ وهو كذلك لأنَّ الرَّجُل لم يعش بالطول فقط (1921 ــ 2017) بل عاش المعظم من حياته بالعَرْض ــ ولا نُغالي إن زِدْنا: «عَرْضَ السماوات والأرض».
وإذا كانَ من الصعوبة بمكان أنْ يميّز المرء بين التليد والطارف في شخص خليل رامز سركيس أيام حياته، فإن هذه الصعوبة تتضاعف اليوم، حيث نفخت ريح الموت في أشرعة رحيل لا عودة عنه ولا منه، وحيث بات شخصه جِماعَ سيرته، بوجهيها العائلي والشخصي، ومؤلّفاته، لا فكاك لهذه عن تلك ولا لتلك عن هذه. 
فإن يذكر الرجل، يذكر أنَّه، من جهة والدة أبيه، سليل البساتنة، ويذكر أنَّه لم يكن قد نيف على العشرين إلّا بقليل يوم عهد إليه والده استلام دفة «لسان الحال» التي لم تكن جريدة فقط، مثلها مثل رصيفاتها من جرائد ذلك الزمان. فـ«لسان الحال» هي وريثة «المطبعة الأدبية» التي أسسها عام 1866 خليل الجد، و«المطبعة الأدبية» التي تقمصت «لسان الحال» عام 1877 على يد الجد نفسه قبل أن تؤول إلى رامز ثم إلى خليل الحفيد، كانت مَشْغَلا من مَشاغِلِ العربِيَّة الحديثة، ومن مشاغل الكتاب العربي الحديث، بكل ما للكلمة من معنى، ومن ثَمَّ فلا غَرْوَ أن قال خليل الحفيد يوما إنَّ «المطبعة» هي مسقط الرأس منه. على أنَّ مسقط الرأس هذا لم يوجد، وَلو أنَّ الخيالَ يُحِبُّ أن يذهب إلى ذلك، في لامكان، بل في بقعة على المتوسط تدين لما تلاطم على شواطئها من وقائع تاريخيَّة بأن أصبحت مدينة تفاخر المدن وتتعالى عليها. سليل البساتنة، ووريث «لسان الحال»، هو أيْضا رَبيبُ بيروت، عاصمةِ لبنانَ الدولةِ الذي يكبر سركيس بعام واحد ــ الدولةِ الضبابيَّة التي أنشأتها، على غفلة من كثير من اللبنانيين، مآلاتُ الحرب العالمية الأولى، وإنَّما، أيضا، بل أوَّلا، عاصمةِ لبنان البلد الافتراضي الذي اعتنقه سركيس، شأن آخرين، كما يعتنق المرءُ فكرة أو عقيدة. ومن هنا، لربما، البداية… فعلى غرار ما إنَّ الشيءَ بالشيءِ يُذكر، الموتُ، كذلك، بالموت يُذْكر، وحسب المرء أن يطالع، اليوم، «الهواجس الأقليَّة»، وصيَّة سركيس الوطنيَّة التي تشرّفت دار الجديد بخدمتها نشرا عام 1993، كما تشرفت بعد ذلك بخدمة سواها من مؤلفاته ــ و«الهواجس الأقليَّة» في الأصل مجموعة من المقالات كان نشرها أوَّلا في جريدة «الحياة» ــ أقول: حَسْبُ المرء أن يُطالع، اليوم، «الهواجس الأقليَّة» ليقطع بأنَّ انكفاءَ الخليل من زقاق البلاط إلى كنسنغتون كان أشبه ما يكون بالموت الذي يصح فيه وصف الزؤام لا أقل. وإنْ أنسى، لا أنسى بأيّ حرص خطَّ هو نَفْسُهُ، وهو الذي تَعَلَّمَ الخطَّ على يد كبار شيوخه، العبارة التي تزين الغلاف الأخير من الكتاب: «إنّا للبنان وإنّا إليه راجعون، إذا رجع لبنانُ، يوما، إلى مستوى الإنسان». يومذاك، على الأرجح، خطَّ سركيس الكلمات الأولى من شاهِدِ قَبْرٍ قضى البقية الباقية من عمره، بهمة أحيانا، وبقنوطٍ أحيانا كثيرة أخرى، يستكمل نصه ويُجَوّده ليليقَ بالموتِ الكبير الذي استشرف أنه ينتظر البلد الصغير. 
لم ينتظر خليل رامز سركيس أن تستفحل الحرب التي بدأت في لبنان عام 1975 ليُدْرِكَ أنَّه، ومَنْ مثله، لا محلَّ لهم بعد في هذا البلد، ومن ثم جاءت مغادرته إيّاه أشبه بالهجرة التي يعرف المقبل عليها أنه لا عودة منها، فباع بيت العائلة، وأهدى مكتبة العائلة وبعضا من متعلّقاتها الثمينة إلى المعهد الألماني واستقر في ضاحية كنسنغتون الواقعة إلى الغرب من لندن. وإن تكن هذه الهجرة الجغرافية قد آذنت من خليل سركيس بنهاية العهد بينه وبين لبنان الذي لم يملك يوما إلّا أن يراه مساويّا لـ«الإنسان» في الجوهر، فهي لم تكن هجرته الأولى، بل الأولى أنْ تُوصَف بالثانية. فإنما كانت الأولى على مطالع الخمسينيات يوم أنْ ارتأى أن يتخلى عن «لسان الحال» وعن العمل الصحافي المتوارث، حرفيّا، أبا عن جد وأن يُجيب نداءَ «الدعوة»، بالمعنى الديني للكلمة، التي هي دعوته: صناعة التفكير والقراءة، وهي عنده «أخت الكتابة»، والكتابة، وفي مجال الكتابة يتساوى عنده التأليف والترجمة بشهادة ما ألَّف وما ترجم.
«مرّة في العمر واحدة، قال خليل سركيس عن نفسه، عُمّدت بالماء، وسبع عشرة مرّة، (وهو عَدَدُ كتبه المنشورة حتّى الساعة)، بالحبر»، وأجمل ما في هذا الحبر الذي عَمَّدَ به نفسه، وَوَضَعَ به صفحاتٍ ناصِعَة من نثر العربيَّة تُنْزله من هذا الباب من أبواب الكتابة في طبقة الفحول، أنَّه حِبْرٌ حيٌّ يُسْتزادُ منه لمتعةِ الاستزادة لا لشفاء الغليل.
 
٭ روائيّة وناشرة لبنانية
 
خليل رامز سركيس.. زقاق البلاط خريف1921 ـ كنسنغتون 27 آب 2017
 
ولد خليل رامز في كنف عائلة تدين لها اللغة والصحافة والحروف العربيّة بالكثير الكثير. جدّه لوالدته هو المعلّم بطرس البستاني وجدّه لوالده هو خليل خطّار سركيس الذي أنشأ جريدة «لسان الحال» المسائيّة عام 1877 كما أنشأ المطبعة الأدبيّة. 
والده رامز ورث «لسان الحال» وأدارها من 1919 إلى 1941 قبل أن ينتخب نائبا ويعيّن وزيرا للتربيّة الوطنيّة. 
وهو في الواحدة والعشرين طالبا جامعيا في الجامعة الأمريكيّة أوكله الوالد إدارة الجريدة والمطبعة. شعر خليل رامز بثقل المهمّة التي ألقيت على عاتقه هو الراغب بالتفرّغ للأدب. من عام 1942 حتّى عام 1959 أدار الخليل الجريدة العائليّة، كما كتب وترجم ووقف إلى جانب ميشال أسمر مستشارا حين أسس الأخير ندوته. 
تزوّج عام 1959 جون وديع واكد ولهما: رامز وميّ. 
هاجر إلى لندن مع نهاية حرب السنتين حيث أقام حتّى مماته. 
كتبه هي: 
«الهواجس الأقلّية من زقاق البلاط إلى كنسنغتون» دار الجديد ـ 1993. 
«س وج وإلخ» دار الجديد ـ 2010
«شهادات ورسائل» ـ دار الجديد 2003 
ترجمته الأهم: 
«الاعترافات» تأليف جان- جاك روسّو ـ منشورات الجامعة اللبنانية 1982
كتبه الفكريّة : 
الرباعيّة جعيتا وأسير الفراغ والتراب الآخر وزمن البراكين ـ دار الجديد 1997. 
من توقيعاته : 
السؤال قدر الجواب. 
أمّة ضارية تفترس معنى الإنسان، كلّ ما فيها أنياب .
إنسان قلمه يلعلع وكأنّه صوتُ صارخٍ في البريّة. 
نثر أمين نخلة أرض التقاء تتفاعل فيها معاني شرق وغرب في عري الصحراء وفساتين العمران. 
الثورة بعض منه لا تتجزّأ عنه أبد القول والفعل. 
الصدق من الفنون الجميلة. 
الضاد منزلها في لبنان وعزّها في لبنان وحرّيتها في لبنان وتطوّرها في لبنان وعلى أنّ ما عمله البساتنة واليازجيـّون وأترابهم قد تابعه الجيل التالي. فالعربيّة تكتب عندنا وتتجدّد كما لا تكتبُ وكما لا تتجدّد في سائر أقطارها، كأنّما الانفتاح خلقٌ وتحرّر. 
الكلمة بيتي. 
رأس الحرّيّة النضال من أجلها. 
المؤمن يعتنق الله في الآخرين. 
العالم كتاب.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات