عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-May-2017

ما الذي يحفز الإرهاب (3): جهود مكافحة الإرهاب

الغد-سكوت ستيوارت* – (ستراتفور) 18/5/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
ما الذي يحفز الإرهاب؟ في الأسبوعين الماضيين، حاولت أن أجيب عن هذا السؤال بالنظر في القوى التي تؤثر على اتجاهات تكتيكات الإرهاب، وأهدافه وصنعته. وفحَص الجزء الأول من هذه السلسلة أهمية أيديولوجية الإرهاب ونظريته في تشكيل اتجاهاته، بينما ركز الجزء الثاني على كيفيات تأثير التطورات السياسية والاقتصادية على هذه الديناميات. وبطبيعة الحال، تظل المحركات التي تحفز سلوك مجموعة متمايزة عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تقود فرداً إلى أن يصبح متطرفاً، وهو عنوان تمت دراسته بقدر أكبر من التفصيل. ومع ذلك، تساعد دراستها على وضع الهجمات في السياق، وتسمح للمراقبين برؤية كيفية تطور الإرهاب بحيث يمكن تعقب التغييرات والتنبؤ بها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه والمهم بالمقدار نفسه، هو: ما الذي يوقِف الإرهاب؟ أي تدابير تتخذها الحكومات وجهات إنفاذ القانون لمنع أو تخفيف تأثير الهجمات الإرهابية؟ لا شك أن فهم تدابير مكافحة الإرهاب شيء مضيء بالنسبة للذين تحميهم هذه التدابير، كما أنه حاسم بنفس المقدار بالنسبة للإرهابيين الذين يتطلعون إلى الالتفاف عليها. وسوف نناقش في الأسابيع المقبلة مسألة التكنولوجيا الكامنة وراء مثل هذه الجهود وتأثير التغطية الإعلامية. لكن السلسلة ستركز هذا الأسبوع على الكيفية التي تؤثر بها تقنيات مكافحة الإرهاب فعلياً على الإرهاب.
التقنيات
يخوض الإرهابيون والأجهزة التي تعارضهم منافسة لا تنتهي ليتغلب أحدهم على الآخر. وبالنسبة للمجموعات الإرهابية، فإن هذه مسألة بقاء، ليس لناشطيها فحسب، وإنما أيضاً لأجندتها وأيديولوجيتها. وهي بالنسبة للسلطات مسألة بقاء أيضاً: للناس الذين تعهدت بحمايتهم، والحكومة أو المؤسسة التي تخدمها. فمن جهة، يحاول الإرهابيون أن ينفذوا هجوماً بنجاح. ومن جهة أخرى، تحاول جهات إنفاذ القانون أن تمنع الهجوم أو أن تخفف الأضرار. وبغض النظر عن السلاح، والأسلوب أو الوسائل، يتسابق الطرفان ليفوز كل منهما على الآخر.
تشكل صناعة القنابل مثالاً بارزاً. فقد دفع استخدام المتفجرات التجارية، مثل الديناميت، في عمليات التفجير الإرهابية الكثير من الدول إلى فرض قيود على بيع المواد المتفجرة وقصرها على الأفراد المرخصين فقط. وأجبر ذلك صانعي القنابل على استخدام خلائط تفجير مرتجلة، والاعتماد في بعض الحالات على متفجرات تجارية مسروقة أو نظائر من الدرجة العسكرية توفرها الدول الراعية. ولكن السلطات عندما تعرفت إلى الإجراءات الشائعة المستخدمة في صناعة الخلائط المتفجرة المصنوعة منزلياً، مثل سماد نترات الأمونيوم، اتخذت إجراءات للسيطرة على بيع هذه المواد الكيميائية ومركباتها أيضاً. ويتم اتخاذ تدابير لجعلها أقل فعالية عن طريق تخفيض مكوِّن النيتروجين، وتغليفها لجعلها أقل امتصاصاً. وقد عوض صانعو القنابل الإرهابيون بسحق حبيبات نترات الأمونيوم وإضافة أنواع أخرى من الوقود، مثل مسحوق الألمنيوم، بل وحتى السكر المطحون، من بين أشياء أخرى.
خلال فترة الحرب العراقية في السنوات من 2003 إلى 2010، شكلت الهجمات بالعبوات الناسفة البدائية والتدابير الأميركية المضادة لها جزءاً بارزاً من الصراع. وقد راقب المتمردون الإجرءات الأميركية العملياتية وصمموا هجمات القنابل للاستفادة من أي نقاط ضعف فيها. وكانت القوات الأميركية تغير إجراءاتها في المقابل. ثم يتكيف المتمردون العراقيون أيضاً ليقوموا بإطلاق نوع جديد من الهجمات بنفس السرعة. وقد حدث تعاقُب مشابه في أفغانستان.
شهدت محاولات تهريب القنابل على متن الطائرات تطورات مماثلة. فقد عدَّل الناشطون الإرهابيون باستمرار تصماميم قنابلهم للتعامل مع التغيرات في التكنولوجيا المستخدمة لتفتيش المسافرين، وأغراضهم الشخصية وأمتعتهم. وفي الستينيات، كانت القنابل الإرهابية المصنوعة لمهاجمة الطائرات بسيطة للغاية. أما في الآونة الأخيرة، ونتيجة للتحسينات في الأمن، فقد أصبحت القنابل تتخفى في شكل أشياء تتراوح بين دمى الأطفال، والأحذية، والملابس الداخلية، إلى أجهزة الحواسيب المحمولة. ومع الحديث مؤخراً عن توسيع حظر حمل الأجهزة الألكترونية الكبيرة على متن الطائرات القادمة من ثمانية بلدان في الشرق الأوسط ليشمل الرحلات المباشرة من بعض الدول الأوروبية إلى الولايات المتحدة، تبدو هذه الصراعات بعيدة كل البعد عن الانتهاء.
الأهداف
تماماً مثلما تُضطر التكتيكات إلى التكيف مع التدابير الأمنية المحتشدة ضدها، يترتب على الإرهابيين أيضاً أن يقوموا بتغيير أهدافهم بشكل دوري. وبما أننا نناقش الهجمات المتعلقة بالطيران، دعونا نبدأ من هنا. ففي حين أصبح من الأكثر صعوبة تهريب القنابل على متن الطائرات، أخذت المجموعات الإرهابية تحول انتباهها بازدياد نحو مهاجمة الركاب في الجانب الناعم من المطار، سواء في مناطق المغادرة أو الوصول. وتجلب هذه الهجمات تقريباً القدر نفسه من الانتباه الإعلامي والرعب الذي يجله هجوم على طائرة. كما أن تنفيذها أكثر سهولة بكثير بالنسبة للجماعات ذات القدرات الأقل تطوراً وتعقيداً في صناعة القنابل.
لم يسع الإرهابيون الذين يتطلعون إلى استغلال الأهداف الناعمة إلى استهداف المطارات فحسب. فقد ازداد الأمن في المباني الحكومية والسفارات في أعقاب الهجمات الماضية. ولذلك، تخلت الكثير من المجموعات عن محاولات مهاجمة المنشآت التي تحظى بدفاع جيد، وركزت جهودها بدلاً من ذلك على مهاجمة الفنادق والمقاهي والمواقع السياحية. وفي العديد من الأماكن، زادت الفنادق من سوية أمنها رداً على ذلك. وهكذا، يتحول الإرهابيون مرة أخرى أيضاً نحو أهداف أكثر ضعفاً، مثل المطاعم. وبذلك أصبحت الهجمات ضد النوادي الليلية والمطاعم والأسواق التجارية والمدارس هي العرف الجديد.
السفر
كان التحول إلى الأهداف الناعمة مدفوعاً أيضاً بالصعوبة التي تواجهها المجموعات الإرهابية في إيصال الناشطين الإرهابيين إلى الغرب. وقد حسنت جهات إنفاذ القانون بشكل كبير قدرات مراقبتها لوثائق السفر، والقياسات الحيوية وقواعد البيانات الحاسوبية. وأصبح السفر اليوم أصعب كثيراً على معظم الناشطين الإرهابيين مما كان عليه قبل عقد. وأصبح تحريف جوازات السفر أصعب كثيراً مما كان عليه في الماضي. ومع ربط وثائق السفر بقواعد البيانات، أصبح من الأصعب بما لا يقاس تزوير هذه الوثائق –على الأقل لغرض عبور الحدود. كما أصبح من الأصعب كثيراً على الجماعات الإرهابية الحصول على تأشيرات الدخول. وأصبح بالإمكان تحديد المشتبه بتورطهم بالإرهاب حتى في الدول المعفاة من التأشيرة ومنعهم من السفر بفضل قواعد بيانات المراقبة.
في الماضي، كانت الجماعات العابرة للحدود، مثل "أيلول الأسود"، منظمة أبو نضال، وحزب الله والجيش الأحمر الياباني، تتمكن من إرسال ناشطيها إلى أنحاء العالم كافة لتنفيذ الهجمات. وخلال السنوات الأولى لتنظيم القاعدة، استطاع التنظيم إرسال الناشطين إلى نيويورك، وكينيا وتنزانيا، وتمكن بطبيعة الحال من إرسال 19 ناشطاً إلى الولايات المتحدة لتنفيذ هجمات 11/9. لكن الإرهابيين لم يعودوا يستطيعون بعد العام 2001 السفر بسهولة من دون اكتشافهم. وكانت هذه المشكلة مسؤولة إلى حد كبير عن قرار المنظرين الجهاديين البدء في تبني نموذج عمليات المقاومة من دون قيادة، الذي يشجع الجهاديين من المستوى الشعبي الذين يعيشون في الغرب على شن هجمات بسيطة بأي سلاح متاح بالقرب من أماكن إقامتهم. وعادة ما يمتلك هؤلاء الجهاديون من مستوى القواعد الشعبية مهارات إرهابية أقل تطوراً بكثير من نظرائهم المحترفين. وهكذا، يميل هؤلاء إلى مهاجمة الأهداف الناعمة أيضاً، ولو أن ذلك يكون في كثير الأحيان بقدر أقل من الدقة، وبالتالي بنجاح أقل.
الاتصالات
أجبرت جهود مكافحة الإرهاب المجموعات الإرهابية أيضاً على تغيير كيفيات اتصالها. وقد حولت الحكومة الأميركية كامل انتباه أصولها العسكرية والاستخباراتية وحشدتها ضد تنظيم القاعدة في أعقاب هجمات 11/9 وغزو أفغانستان. وبعد ذلك بوقت قصير، وجد قادة القاعدة أن من الخطير استخدام أجهزة الراديو والهواتف النقالة أو هواتف الأقمار الاصطناعية للاتصال. وقد تم تعقب الكثير من قادة تنظيم القاعدة المختبئين في باكستان والقبض عليهم بسبب وسائل الاتصال التي يمكن تعقبها. كما كان جهد تحديد شبكات اتصالات تنظيم القاعدة وتعقبها ناجحاً جداً أيضاً، حتى أنه أجبر أسامة بن لادن على نبذ أجهزة الاتصالات الألكترونية جملة وتفصيلاً، والاعتماد بدلاً منها على الناقلين البشريين كحلقة وصل مع العالم الخارجي.
في الأماكن التي كان من الأصعب التقاط أو اعتقال القادة الإرهابيين فيها، بدأت الولايات المتحدة باستخدام الطائرات من دون طيار والصواريخ، ليس لتعقب الأهداف فقط، وإنما لمهاجمتها أيضاً. ومرة أخرى، أجبر تصاعد ضربات الطائرات المسلحة من دون طيار الإرهابيين على تعديل عملياتهم. واضطرت الأهداف الإرهابية ذات القيمة العالية إلى تغيير طرق اتصالها وتنقلها. وترتب حتى تدريب الأعضاء من مختلف المراتب التنظيمية بشكل مختلف. وقد عثرت القوات العراقية مؤخراً على مرفق تدريب تحت الأرض خلال عملياتها لاستعادة السيطرة على الموصل، والذي يبين الأشواط التي ذهب إليها "داعش" عندما يتعلق الأمر بحماية مقاتليه من التعقب والهجوم.
التمويل والملجأ
لكن الجهود العسكرية والمخابراتية وجهود أجهزة إنفاذ القانون ليست الأدوات الوحيدة في صندوق أدوات مكافحة الإرهاب. لقد تم تطبيق الوسائل الدبلوماسية والمالية بنجاح أيضاً على الإرهاب. وتم استخدام الضغط الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية على حكومة الزعيم الليبي معمر القذافي، لإجبار ليبيا على التخلي عن عملياتها الإرهابية المباشرة، ورعايتها للإرهاب، وبرنامجها للأسلحة النووية. كما أنها سلمت أيضاً عبد الباسط المقرحي، وهو ضابط مخابرات ليبي سابق حوكم في هولندا بموجب القانون الأسكتلندي وأدين على دوره في تفجير رحلة طائرة بان أميركا 103. وبالمثل، أسفرت الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية التي مورست على السودان عن جعل البلد يطرد أسامة بن لادن والعديد من رفاقه في تنظيم القاعدة وراءً في العام 1996. ولم يتم وضع العقوبات الاقتصادية على ممولي تنظيمي القاعدة و"داعش" فحسب، وإنما استهدفت أيضاً عدة أعضاء من شبكة حزب الله العالمية المالية واللوجستية الواسعة، وأجبرت المنظمة في كثير من الأحيان على تغيير وإخفاء الطريقة التي تجمع بها أموال التحويلات.
بالعديد من الطرق، تبيَّن أن ممولي الإرهاب خلاقين وابتكاريين تماماً مثل صانعي القنابل. ولكن الأمر كله في نهاية المطاف، وسواء كان يتعلق بتخطيط الهجمات الإرهابية أو منع وقوعها، يشبه كثيراً لعبة القط والفأر، حيث جولات الفوز التي يحرزها أي طرف تكون مؤقتة فقط بالنظر إلى الديناميات المتغيرة بسرعة كبيرة.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What Drives Terrorism Part 3: Counterterrorism Efforts
*ستراتيجيك فوركاستينغ (بالإنجليزية Strategic Forecasting, Inc)؛ والمعروفة أكثر باسم ستراتفور (بالإنجليزية STRATFOR)، هو مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، يعتبر إحدى أهم المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، وهو يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسي، ويجسّد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الأميركية الحكومية. تطلق عليه الصحافة الأميركية اسم "وكالة المخابرات المركزية في الظل" أو الوجه المخصخص للسي آي إيه (بالإنجليزية The Private CIA). معظم خبراء مركز ستراتفور ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية.
*نائب رئيس وحدة التحليل التكتيكي في "ستراتفور". ويشرف سكوت ستيوارت على تحليلات المركز لقضايا الإرهاب والأمن. كان قبل انضمامه إلى ستراتفور عميلاً خاصاً لوزارة الخارجية لمدة 10 سنوات، وشارك في مئات التحقيقات عن الإرهاب.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات