عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Apr-2018

ضربات الصواريخ في سورية ليست استراتيجية

 الغد-ريتشارد ن. هاس

 
لم يقل ترامب شيئاً عن أزمة السوريين النازحين داخلياً. ولم تقبل أميركا، التي استضافت أكثر من 10.000 لاجئ سوري قبل عامين، سوى عدد قليل من اللاجئين العام الماضي. وما تزال مسألة من هو الذي يجب أن يدفع، وإلى أي مدى، لدعم اللاجئين السوريين والدول المجاورة التي قامت باستضافتهم، بلا حل.
*   *   *
نيويورك- "ضربة تم تنفيذها بشكل رائع.. لا يمكن أن تكون هناك نتيجة أفضل. المهمة أنجزت بنجاح". هذا ما كتبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تغريدة بعد ساعات فقط من الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، عن طريق إطلاق أكثر من مائة صاروخ في اتجاه ثلاثة مواقع في سورية، والتي يعتقد أنها منشآت لتصنيع المواد الكيميائية. 
وكان هدف المهمة "التي أنجزت" هو إثبات أن استخدام الأسلحة الكيميائية سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة للمسؤولين عن ذلك. ومن الناحية المثالية، من شأن ضربات عقابية كهذه أن تمنع الحكومة السورية، أو أي دولة أخرى، من استخدام الأسلحة الكيميائية مرة أخرى في انتهاك "لاتفاقية الأسلحة الكيميائية".
ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان ترامب قد حقق هذا التأثير الرادع. وقد أخفق الهجوم الطفيف في العام الماضي إلى حد ما في تغيير السلوك السوري، ومن غير المحتمل أن يؤدي الهجوم الأخير إلى تحقيق هذه الغاية. وكان ما حقّقته حكومة بشار الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية -السيطرة على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دوما والغوطة الشرقية- يفوق الثمن الذي دفعته. وليس هناك شك في أن الحكومة السورية ما تزال تمتلك أسلحة كيميائية، كما يمكنها أن تقوم بإنتاجها سراً إذا لزم الأمر.
إن الإجراءات العسكرية لإجبار البلد على الامتثال للمعايير الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيميائية هي مشروعة ومرحب بها، وكذلك قرار تنسيق الاستجابة مع الحلفاء والتهديد بشن ضربات جديدة إذا تم استخدام الأسلحة الكيميائية في البلد مرة أخرى. ومن المهم الإشارة إلى أن معارضة استخدام أي سلاح من أسلحة الدمار الشامل هي عميقة وواسعة.
ولكن، في الوقت نفسه، يبدو أن الولايات المتحدة بذلت جهوداً ملحوظة لتجنب خوض صراع مع القوات الروسية والإيرانية. وقد قلل ذلك من خطر التصعيد، لكنه استبعد أيضاً العديد من الأهداف المحتملة، مما حد من السعر الذي دفعته الحكومة السورية مقابل أعمالها. ولهذا السبب ولأسباب أخرى عدة، لا ينبغي المبالغة في تقدير نتائج هذه الهجمات الصاروخية.
يمكن للحكومة السورية أن تفسر السياسة الأميركية بشكل معقول على النحو الآتي: "سوف نقف مكتوفي الأيدي ولن نقوم بشن أي هجوم رغم قيامكم بإرهاب أو قتل شعبكم بما أنكم لا تستخدمون الأسلحة الكيماوية". وفي واقع الأمر، كان هذا هو واقع الحال في السبع سنوات الأخيرة، عندما قُتل ما يقرب من نصف مليون سوري، وأجبر أكثر من عشرة ملايين على مغادرة منازلهم. إن سياسة ترامب الخارجية ليست سيئة بقدر ما هي غير أخلاقية. 
من المؤكد أن الضربات الصاروخية لم تكن مصممة لتقويض إمكانيات نظام الأسد على المدى الطويل. وبسبب دعم روسيا وإيران إلى حد كبير، يسيطر الأسد بقوة على السلطة، ومن المرجح أن يظل كذلك في المستقبل المنظور. وهذا واقع مرير بالنسبة للكثيرين، لكنه الحقيقة.
كيف سيؤثر ذلك على سياسة الولايات المتحدة، وسياسة الحكومات الفرنسية والبريطانية والحكومات العربية المناهضة للأسد؟ ما يزال ترامب مصمماً على إنهاء الوجود العسكري الأميركي في سورية (الذي يبلغ قوامه الآن حوالي 2000 جندي). وقد أوضح ذلك عندما أعلن عن الضربات الصاروخية؛ حيث قال: "إن أميركا لا تسعى إلى تواجد دائم في سورية تحت أي ظرف من الظروف. ومع قيام الدول الأخرى بزيادة مساهماتها، فإننا نتطلع إلى اليوم الذي يمكننا فيه إعادة محاربينا إلى الوطن".
إذا كان الهدف هو تجنب خلق وضع يمكن فيه لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو غيرها من الجماعات الإرهابية إعادة تشكيل نفسها، فإن ذلك اليوم ما يزال بعيداً. ويقال إن الولايات المتحدة تحاول إقناع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن بتشكيل قوة سنية تحافظ على النظام في المناطق المحررة من "داعش". وليس من الواضح ما إذا كانت مثل هذه القوة ستتشكل، بل ومن غير المؤكد أنها يمكن أن تتصرف بمفردها، بالنظر إلى قدرات هذه البلدان المتواضعة والتزاماتها الواسعة. وهناك حاجة لوجود ومشاركة عسكرية أميركية كبيرة.  
ستكون هناك حاجة إلى وجود المزيد من القوات الأميركية للحفاظ على التنسيق مع القوات الكردية السورية، التي خاضت المعركة ضد "داعش". لكن استمرار دعم الأكراد من دون التسبب بمشاكل إضافية مع تركيا، التي دفعت قواتها إلى المنطقة لإضعاف السيطرة الكردية، قد يكون مستحيلاً. وتتطلب هذه الحقيقة تقليل اعتماد الجيش الأميركي على الوصول إلى القواعد التركية.
لم يقل ترامب شيئاً عن أزمة السوريين النازحين داخلياً. ولم تقبل أميركا، التي استضافت أكثر من 10.000 لاجئ سوري قبل عامين، سوى عدد قليل من اللاجئين العام الماضي. وما تزال مسألة من هو الذي يجب أن يدفع، وإلى أي مدى، لدعم اللاجئين السوريين والدول المجاورة التي قامت باستضافتهم، بلا حل.
يتعلق السؤال الأخير بالدبلوماسية. لا توجد توقعات واقعية لتنظيم عملية الانتقال السياسي في دمشق، لكن من الممكن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار المحلي وإنشاء مناطق يمكن أن يعيش فيها المدنيون السوريون (وإنما ليس القوات الحكومية) بشكل آمن. ومع ذلك، من المحتمل أن تتطلب مثل هذه الترتيبات مشاركة روسيا ودعمها للحفاظ على حكومتي سورية وإيران في المفاوضات. وقد تصرفت روسيا بشكل غير مسؤول في الآونة الأخيرة، ولكن، ما تزال أمامها فرصة اختيار تقديم مساعدة محدودة، على الأقل من أجل خفض تكاليف سياستها السورية.
لكن هذا ليس الحل؛ فمن المرجح أن تظل سورية دولة منهارة لسنوات مقبلة، مع حكومة غير شرعية تسيطر على معظم أراضي الدولة وليس كلها. ومع ذلك، قد يكون الحد من العنف وتحسين وضع بعض السوريين على الأقل ممكناً إذا لم تقم الولايات المتحدة بسحب قواتها، وإذا أسهمت الحكومات العربية السنية بالدعم المالي والعسكري، وإذا تم إقناع روسيا بلعب دور أكثر إيجابية نوعا ما.
 
*رئيس مجلس العلاقات الخارجية، شغل سابقاً منصب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية (2001-2003)، وكان المبعوث الخاص للرئيس جورج دبليو بوش إلى أيرلندا الشمالية ومنسقاً لمستقبل أفغانستان. وهو مؤلف كتاب "عالم في فوضى: السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات