عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2018

الحديث والقديم حكاية صداقة ملتبسة

 القدس العربي-رشيد المومني

ليست واردة في هذا السباق، فكرةُ التسليم بمقولة رفض المجتمعات التقليدية لنمط العيش الذي تمارس فيه الحداثة حضورها على شاشات العالم، وهي بالمناسبة، فكرة تستند في حججها إلى مجمل الخلافات القائمة بين رؤيتين متعارضتين، من حيث منهجية تعاملهما مع القيم المجتمعية، فالرؤية التقليدية حريصة على التمسك بمرجعياتها الأخلاقية، المؤطرة بالتعاليم الدينية، فيما الرؤية الحداثية المعززة بقيم العلمانية وأهوائها، تميل إلى قطع صلتها بكل ما يحيل على مرجعيات اللاهوت وثوابته. لكن على الرغم مما تتميز به هذه الحجة من أهمية، فإنها لا تفلح في ترسيخ الوعي بحدوث قطيعة جذرية بين الطرفين، كما أنها لا تفسد بينهما – كما يقال- للود قضية، باعتبار أن تواصلهما المتبادل جارٍعلى قدم وساق، وبمختلف السبل، الملتوي منها، والمٌعبَّد، حتى ليمكن القول إن ثمة صداقة ملتبسة، تجمع بينهما في السر كما في العلن، وإن ما يشاع عن حضور القطيعة من قبل هذا أو ذاك، ليس في الواقع سوى نوع من التقية، التي يلجآن إليها معا حفاظاعلى ماء الوجه، كي لا يتهمان بالتنكر لمبادئهما، حيث يستمران ولو شكليا، في تكريس مقولة الصراع التاريخي القائم بينهما، وهو سلوك جد طبيعي، بالنظر إلى ما يأتلفان حوله من مصالح متعددة، وآفاق مشتركة، لا تقل عما يفرق بينهما من تناقضات، تتخذ في أغلبها طابعا دينيا، يوحي للملاحظ بحضور تباينٍ واضح المعالم بين اختياراتهما. ذلك أن صرامة الرؤية العلمانية التي تعتمدها الحداثة في تسويق منتجاتها الرمزية والمادية، لا تحُول بالضرورة دون تفاعل المجتمعات التقليدية، مع ما تعرضه أسواقها من هذه المنتجات، هي في واقع الأمر امتيازات ومكتسبات تقنية وكمالية.
ولأن المحافظين والتقليديين بمختلف مشاربهم وتياراتهم، غير مستعدين بتاتا للتفريط في متع الحياة الدنيا، فإنهم يجدون أنفسهم معنيين بالبحث عن الصيغ الملائمة للاستفادة من منجزات الحداثة وخيراتها، الكفيلة بتلبية احتياجاتهم ورغباتهم، بدون أن يكونوا موضع شبهة أو ارتياب من قبل «عشيرتهم»، عبر تكييفهم لقيمهم وثوابتهم، حتى يتمكنوامن الاندماج السلس والمشروع في فضاءاتها ودواليبها، من غير أن يفرطوا في تلك المسافة الرمزية، التي تجعلهم يحافظون ولو ظاهريا على مواقفهم الموحية بتحفظهم الدائم، من كل ما يتعارض مع أصالتهم. هي بحق مسلكية براغماتية ذات حس انتهازي، لا أثر فيها ولو لنسبة متواضعة من العقل والمنطق. وبالنظر إلى ما تتمتع به الحداثة من إغراء وسحر، فإن التيارات المحافظة، ومهما أسرفت في تشددها وتزمتها، لن تستطيع صبرا، مع انجذابها الجارف إلى امتيازات الحداثة، وغنائمها المكدسة أمامها بلا حسيب أو رقيب، على الرغم من رائحة العلمانية «المقززة» التي تفوح منها، مادامت الاجتهادات والتأويلات الدينية، جاهزة لتحليل ما كان من قبل محرما، كما هي جاهزة لتلطيف أجواء الرائحة الشيطانية. بمعنى أن العامل الديني مرشح لأداء مهمتين متناقضين، هما التنديد بقيم الحداثة تارة، ثم طلب ودها تارة أخرى، من خلال عملية التكيف والاندماج، التي تختفي معها كل العناصر المتسببة في سوء الفهم، مادام الأمر يتعلق بالاستفادة من خدمات عملية وتقنية، تساهم في الارتقاء بالأفراد والجماعات من أزمنة البداوة، إلى آفاق المدنية والتحضر، وبالنظر إلى افتقار المحافظين إلى رؤية موضوعية من شأنها وضع هذه الخدمات التقنية والعملية في سياقها التاريخي والحضاري، فإن علاقتهم بالحداثة، تظل مقتصرة على مظاهرها الخارجية، فهم حداثيون على مستوى الشكل، ومحافظون على مستوى الدواخل. هذه الازدواجية تجد تفسيرها في الاختلالات البنيوية التي يعاني منها مفهوم الهوية لدى المحافظين، والمستند أساسا إلى خليط غير متجانس من المرجعيات التراثية، العرقية والدينية، حيث يصابون بغير قليل من الحيرة، تجاه مظاهر التقدم المذهلة، التي يحظى بها « الآخر» أي الغرب، المصنف عادة – في عرفهم – ضمن خانة الكفر والإلحاد، حيث يكون الحل الوحيد الذي يتجاوزون به حيرتهم، هو المبادرة بالاندماج في زمن الحداثة، تحت غطاء الاجتهاد الديني، المرحب به من قبل هذه الأخيرة، التي هي أيضا، تجد فيه السبيل الأقوم، لاستقطاب جحافل جديدة من المحافظين والأصوليين، باعتبارهم موارد بشرية محتملة، تساهم عمليا في تسويق خطاباتها، ومنتجاتها فكرية كانت، أو جمالية أو تجارية.
ومن أجل فهمٍ أعمق لهذه الظاهرة، يمكن وضعها في إطار»ملكة التكيف» التي يتمتع بها الكائن البشري، ويتمكن بفضلها من التواصل مع الظواهر الأشد غرابة، سواء داخل محيطه أو خارجه، وهي « ملكة «قابلة للتناول من خلال مداخل متعددة – أنثروبولوجية، سوسيولوجية أو إيبستيمولوجية – إلا أننا سنكتفي في هذا السياق باختزالها، في عملية تنشيط دينامية التواصل الذاتية، المساعدة على توثيق روابط لقرابة إيجابية وبناءة مع» الغير»، الذي يحتمل أن يكون شبيها بنا، أي منتميا لمحيطنا المجتمعي والثقافي، كما يحتمل أن يكون مختلفا، بفعل انتمائه إلى حضارات وجغرافيات مغايرة، وهو تواصل بات ضروريا وحتميا، من أجل ردم الحدود الفاصلة بين المحيط الإقليمي الخاص، والمحيط الكوني العام، كضرورة حضارية لا مناص منها لأي جهة كانت. علما بأن ملكة التكيف، وبما هي طاقة مولدة للتفاعل، تعتبر مصدر القطائع الكبرى المؤثرة في حركية التقدم والتطور، حيث تتخلص الذات بموجبها، من سلوكياتها وعاداتها العتيقة، كي تتقمص مسلكيات جديدة، تفرضها التقلبات والتحولات التي تحدث تباعا في الأوساط الاجتماعية، وبقدر ما يكون هذا التكيف موضوعيا ومنطقيا، في الأوساط العقلانية، بقدر ما يكون عشوائيا وتلفيقيا لدى للشعوب المتخلفة، ذلك أن ثمة فرقا كبيرا بين تكيف يستند إلى منهجية متماسكة، تتكامل فيها الوسائل والغايات، وبين تكيف متهافت عشوائي ومسكون بهاجس التخلص الشكلي والمظهري من أدران التخلف، عله يحظى بفرصة التواجد داخل المشهد الحضاري الجديد.
وهي مفارقة لا تخلو من الطرافة، باعتبار أن التكيف المفضي إلى الاندماج والتصالح مع قوانين الحداثة، ومهما كان أهوج ومجانيا، فسيتبين أنه أكثر رحمة من البقاء خارجها. وهو إشكال جدير بأن يُستثمر في بناء خطابات فكرية وجمالية مفارقة، بالنظر لما ينطوي عليه من تناقضات، ولما يقترحه من قضايا نظرية وعملية، إلا أن حضوره الباهت في دائرة اهتمام النخب، يجعلنا نوقن بأنها غير مهيأة للتعرف على ميكانيزمات هذا الواقع، ربما لكونها هي أيضا ضحية حلم الانصهار والتكيف مع المظاهر الخارجية لعوالم الحداثة، علما بأن توقف الانصهار عند حدود قشرة خارجية، لا تسمن ولا تغني، هو ما يحُول دون الاستشراف الموضوعي والعملي للآفاق المستقبلية، كما أن عشوائيته، تنعكس لا محالة سلبا على منهجية استيعاب مكامن الخلل، الكفيلة ببلورة مواقف ورؤى نقدية، تكون لها انعكاساتها الإيجابية، على مختلف الواجهات المعرفية والحياتية. ذلك أن تعذر الإحاطة بأسرار اللحظة، يفرغ الواقع في قوالب متحجرة من المنظومات والمقولات، بما يفسح المجال لهيمنة ظاهرة التماهي الأهوج، مع الخطابات المستحضرة من فضاءات الآخر، بصيغة تكيف أعمى، بوصفه حلا أخيرا لإشكالية الخلاص من لعنة واقع مأزوم، وغير مؤهل لأن يكون موضوع تأمل فكري، أو إبداعي.
 
٭ شاعر وكاتب من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات