عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jul-2018

تيري إيغلتون في «معنى الحياة»: السعادة مفهوم هلامي غير قابل للقياس

 القدس العربي-رامي أبو شهاب

أن تكتب عن معنى الحياة لأمر شديد الغرابة، أو ربما يكون الأكثر سذاجة، وفي كلا الحالين فإن الأمر إشكالي وصعب. السؤال في بنيته العميقة يحتمل قدراً هائلاً من الإجابات تبعاً للتفسيرات التي يؤمن فيها كل إنسان، سواء أكان يتكئ على معتقد ديني، أو فلسفي، أو عدمي، أو ربما علمي، ومع ذلك فلا يمكن أن ننكر بأنه السّؤال الأكثر تداولاً في ذهن كل شخص مهما ادعى أنه يمتلك الإجابة. إطلاق السّؤال يعني أننا ننظر إلى الأمر بوعي ذاتي، أو لنقل في سياق خبرتنا التي نتلقى جزءاً منها عبر الخطابات، والتجارب، والتربية، حيث يعمل كل رافد من هذه الروافد على خلق معنى الحياة انطلاقاً من هذه المكونات، ولهذا فإن كتاب الناقد البريطاني تيري إيغلتون الموسوم بـ« معنى الحياة « يحتفي بهذا السّؤال رغبة منه في محاولة تفكيك خلفيات المعنى بكل أبعاده، فهو طرح مغامراتي، أو مفخخ، وفيه الكثير من المزالق، وربما ينطوي على شيء من القيم. 
في مقدمة الكتاب ثمة الكثير من التحليلات التي تطال صيغة السؤال، وتقاطعها مع اللغة، والعالم والخطاب، بالإضافة إلى فعل التلقي… فهل يمكن أن نعده سؤالاً معرفياً أم سؤالاً بلاغياً … أم أنه صيغة تأملية …؟ هل الاستفهام يشتغل بمعنى الوجود، أو كيفيته؟ هل يتعلق بالوجود أم بمحاولة تفسيره؟ وهنا يستدعي مؤلف الكتاب كل من شوبنهاور، وفيتجنشتاين، وجاك دريدا، ونيشته، وبالتحديد محاولاتهم لتفكيك معاني الأشياء، مع إفراغ ما يكمن فيها من حقائق – ربما لكونها زائفة – ما ينقلنا إلى مستوى الاختيار، والحرية، ولكن سؤال «معنى الحياة» لا يتعلق بمعنى الحقيقة أو زيفها، أو بمبررات الوجود أو بوظيفة الوجود – من منطلق ما بعد حداثي – كما يدعي إيغلتون، أو لعله ينطلق من منطق متشكك. إذن ثمة تتبع واضح للبحث في هذه المستويات عبر متتاليات من الأفكار لدى أفراد، واتجاهات فكرية، غير أنه معنيٌ بالإجابة عن هذا السؤال في سياق الحداثة وما بعدها بهدف إضفاء المزيد من الطابع العلمي على هذا السؤال.
يرى إيغلتون بأن محاولة التحقق من معنى الحياة بحد ذاتها لأمر سخيف، ولكن ما يجعل من هذا السؤال أكثر فاعلية، اتصاله بمعنى وجود الإنسان، وبهذا أفقد أمسى أقرب إلى المنطقية، ولكن لا من وجهة تطابق الأشياء مع حياة الإنسان، وانسجامها، وإنما على العكس ذلك، من منطلق أنها تبدو دائماً في وضع معاكس أو مخالف، وهذا ما يتضح في التمثّلات التي حاول الأدب أن يجيب عليها بدءاً من كتاب العصر الفيكتوري إلى يومنا هذا، حيث انتهت بالاتفاق على تراجع الصيغ الروحانية بدءاً من فترة الستينيات. فما بعد الحداثة ترى بأنه لا توجد حياة إنسانية قابلة للتأمل بمقدار ما هي عبارة عن كيانات أو ثقافات قائمة في وضعيات معينة. 
يعلل الكاتب سعيه للإجابة عن سؤال معنى الحياة في سياق ما شهده عصرنا من أحداث دموية، فحياة الإنسان أمست بلا قيمة، وهذا ما يقوده إلى تحليل مفاهيم الجنس والثقافة والدين، ومقدار ما أصابها من تحول في العصر الحديث حيث تمكنت هذه المفاهيم من التحرر من هيمنة السلطات التي سادت في العصور الكلاسيكية؛ مما أتاح جزءاً من الحرية، وبذلك طفقت المفاهيم تقترب من المجال الخاص، وتبتعد عن معنى المجال العام، أو ذلك المتعالق مع الدولة أو الكنيسة والدين، ولا سيما في أوروبا. 
ما سبق يجعلنا نسلم بأن إيغلتون يرغب بنقد النظام أو قيم الحداثة الرأسمالية التي حيّدت كل المجالات بما في ذلك القيم والأخلاق، إذ جعلتها فعلاً خاصا أو محدوداً جداً. وشيئا فشيئاً، تحولت هذه الأمور إلى نوع من الهوس أو إلى ردة فعل غريبة، وبذلك فقدت هذه المكونات جماليتها، أو وظيفتها، ومن ذلك على سبيل المثال الفن أو الأدب الذي فقد وظيفته القيمية بوصفها ملاذاً للإنسان، أو كما الدين الذي بات ملاذاً للأصولية بحيث قام رجال الدين باحتكار أو تفسير معنى الحياة، مع محاولة إيهام النفس بمعنى السعادة التي تبددت نتيجة تغول الرأسمالية، وهذا ما يمكن أن نلاحظه في العالم العربي حيث تصاعدت وتيرة خطاب الدعاة الدينيين الذين باتوا يتواجدون في كل مكان، ولا سيما بعد أن فهموا اللعبة بحيث أفادوا من أداوت الرأسمالية، وما بعد الحداثة التي أتاحت لهم أدوات جديدة كمواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، وبهذا فقد أسهموا في تحطيم معنى البحث العقلي عن الحلول، وهذا ينسحب على من يقومون بالتنجيم، أو مروجي نحو الاتجاه المفرط صوب الرياضة، أو الجنس بوصفهما ملاذا، وبهذا فقد أمسى لدينا حكام، وعلماء دين مزيفون، كما مثقفون تقنيون، علاوة على قيم مزيفة، وهكذا تحول معنى الحياة إلى تجارة مربحة كما يقول إيغلتون، في حين أننا لن نتمكن من تحقيق إرادتنا بمعزل عن الوصاية، وهذا يتنافى مع قوة الإرادة حسب المنطق النيتشوي. 
في فصل «المعنى» ثمة قراءة تفكيكية لهذه الكلمة، ومقدار ما تنفتح فيه على تأويلات، كما نوايا، ومقاصد، وبالتحديد الفرق بين المدلول، أو الفعل الذي يلتزم الدلالة على شيء، أي أن ثمة نية ما عند الحديث للانحراف عن معنى محدد، أو تعيد موضعته، أي ثنائية الفعل والبنية، كما الفهم والوعي بالكلمة، وهذا يماثل عبارة وردت على لسان ممثل في مسرحية لشكسبير، فهو لا يعني ما يقوله على الحقيقة، فهكذا هي الحياة، لا تعني شيئا.
يسعى إيغلتون إلى أن يقيم نوعاً من الطباقية بين الحياة سؤالاً ومعنى، كما هي اللغة في أي نص أو فعل إبداعي، فهناك نص حماسي، وهناك نص تافه، وهناك نص كئيب، وهناك نص فكاهي، وهكذا هي الحياة إذ تخضع لجميع التأويلات أو آليات الفعل والتفسير، في حين أن ثمة سؤالا جودياً في أي فعل نصادفه في حياتنا، وهذا يحيلنا إلى معنى الصدفة التي تتحقق عند وقوع حدث ما، فما المعنى الكامن خلفه، وهذا ما يقودنا إلى التحقق من الخطة الكلية لوجودنا، ولكن هيغل يرى بأن المعنى في أي فعل يتحقق عندما يتصل بروح العالم، أو العصر، فكل حماقة تاريخية لها هدف ما، ربما ستؤدي في يوم ما إلى تحقيق تصور ما، وفي المقابل فإن اللغة حسب تحليل شوبنهاور تقود إلى التسليم بأنها وجدت كي تخفي أفكارنا عن الآخرين. 
يمضي الكاتب إلى تتبع محاولة كل من عالم النفس فرويد والمفكر الاشتراكي ألتوسير حسب تخصص كل منهما لتفسير معنى الحياة، الثاني من منظور اشتراكي، والأول من منظور نفسي، أو ربما ثمة منظور آخر عدمي لدى البعض، ومنهم سارتر، هي كلها محاولات لا منجزة، ولعلنا هنا نقترب من فكرة شوبنهاور الذي يرى بأن الملل هو الذي يدفعنا للبحث عن صحبة الآخرين، أو لنقل عن إدراك معاني الأشياء، مما يعني أن الأمر على ما يبدو أبسط مما ينبغي، أو نعتقد. 
في عنوان «خسوف المعنى» نقرأ تحليلاً للعديد من منتجات المبدعين كتشيخوف، وسارتر، وكامو، وغيرهم وبوجه خاص في سعيهم للتخلص من متاهات الحياة، ومحاولة نبذ معناها، ولكن إيغلتون يرى أن المعنى في حالة انتظار، كما في مسرحية «في انتظار غودو لبيكيت»، وبهذا يمكن القول بأن عيش الحياة يعني أن ترجئ أو أن تعلق الوصول إلى معنى نهائي- أو بعبارة أخرى – فإذا كان العالم مبهماً فإن اليأس غير ممكن تبعاً لآراء بيكيت، وخلاصة الأمر أن طرح الأسئلة حول المعنى أو معنى الحياة يتعلق بأسئلتنا نحن في نهاية الأمر. 
في الفصل الأخير « هل تكون الحياة كيفما نشكلها » سؤال عن الحياة بحد ذاتها، لا عن معنى الحياة انطلاقاً من الذوات الفردية التي تعني حياتها شيئا خاصا، بل إلى محاولة تجميع هذه الذوات في مقولة واحدة، أو كلية، مع أهمية نبذ التعميم عند محاولة تفسير الحياة على الرغم من أن هدف البشر واحد، ويتمثل بمحاولة تحقيق السعادة، مما يعني أن السعادة مفهوم هلامي، أو غير قابل للقياس أو ربما التحقق، فربما تكون السعادة في تعذيب الآخرين، وسلبهم الأموال، مما يعني أن معنى السعادة إشكالي، أو ربما يكون ذهنياً كما لدى أرسطو، أو أخلاقياً كما لدى الدين، وغير ذلك من النماذج؛ مما يعني أن السعادة مفهوم غير حقيقي، وزائل. فلا جرم أن يسرد إيغلتون فرضية طريفة قوامها بأن نقوم بوصل البشر بآلة المصفوفة – كما في الفيلم الشهير (الماتريكس)- كي يعيشوا نوعاً من السعادة… فعل سنقبل ذلك أم نرفضه من منطلق أن السعادة وهمية! هذا مثال رائع على محاولة تفسير السعادة، وتحقيق ماهيتها في وعينا، أو في وعي البشر عامة، وهذا يأتي تبعا لتفسير كل شخص منا للسعادة، فالمزارع يرى الأمر مختلفاً عن الأستاذ الجامعي، أو عن التاجر، وهكذا نستنتج بأن «الحياة ليست حلا لمشكلة، ولكنها مسألة العيش بأسلوب معين، أو أنها ليس مسألة ميتافيزيقية بل مسألة أخلاقية» كأن ندرك على سبيل المثال بأنها تتمثل بالحب أو العطاء. وختاماً يرى إيغلتون ضمن مشروعه الساعي إلى نقد الحداثة من خلال أسئلتها وتفسيراتها، بأنه لا يمكن تغطية أي سؤال بشكل تام، فثمة عجز عن الاتفاق على أكثر القضايا جوهرية، مع التأكيد على أهمية البحث إلا أنه يكشف عن إخفاقنا بشكل عام في محاولة إيجاد معانٍ مشتركة بيننا.
 
٭ كاتب فلسطيني أردني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات