عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jul-2018

تأكيد نسبه يقتضي معرفة عميقة بمذهب قائله : جماليّة بيت الشعر اليتيم

 القدس العربي-منصف الوهايبي

 كان للعرب في تشقيق مصطلحات القصيدة مسارب واسعة ولطائف قلّما انتبهنا إليها إلاّ على سبيل الاستملاح أو الطرفة، بل إنّ بعضها هو من «الهجين» النقدي؛ بالرغم من أنّ الجذر «هجن» كان يجري قديما في سياق لغة الأضداد. فالهجين من الكلام هو المستقبح الذي دخل فيه عيب، والهجان من كلّ شيء خياره وخالصه، والهجانة هي الكرم والحسب والبياض. وهذه المصطلحات التي استرفدها العرب، هي ما هي من حيث دلالتها على قوّة الاستقراء الشعري وحيويّة الخيال النقدي، وعلى أنّ القصيدة قصائد وعلى أنّ البيت أبيات. فهناك مصطلح «الواحدة» وهي التي تنسب إلى الشاعر الذي أجاد في قصيدة واحدة، وتمثّلوا في هذا بمعلّقة طرفة ومعلّقة عنترة. وهي من هذا المنظور أمسّ رحما بمصطلح «المشهورة».
وأدار العرب أيضا مصطلحا آخر في منتهى الدقّة هو «العقيم» وعليه حملوا ما سموه «التشيهات العُقم» وشبهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة، ولا تلقح شجرة؛ بعبارتهم. وعنوا بها الصورة التشبيهيّة النادرة أو المعنى الغريب العجيب أو البديع المخترع الذي يستعصي حتى على صاحبه أن يعيد إنتاجه، أو الصورة التي لا يمكن لأيّ شاعر استرفادها؛ ناهيك عن سرقتها. وتمثّل كلّهم بقول عنترة في وصف الذُّباب إذا كان واقعا؛ ثم حكَّ إحدى يديه بالأخرى، وتشبيهه برجل مقطوع اليدين، يقدح بعودين. ومتى سقط الذبابُ فهو يفعل ذلك.
وهناك مصطلح «اليتيمة» مثل «يتيمة دوقلة المنبجي». واليتم في استعمالات العرب اللغويّة هو فقدان الأب؛ ولا يكون من قبل الأمّ إلاّ في البهائم. ولا يقال لمن فقد الأمّ يتيم، ولكن منقطع. وإذا فقد أبويه قيل اللطيم. وربّما عنوا بـ «اليتيمة» في السياق الذي أنا به النصّ الفرد الذي لا نظير له أو الجوهرة النفيسة، أو القصيدة مجهولة النسب متّهمة الأصل. وهي من هذا الجانب تلابس مصطلح «المنسيّة» التي تجري على الألسن من غير معرفة قائلها. وفي شعرنا القديم أبيات يتيمة كثيرة قد تنسب إلى هذا الشاعر أو ذاك؛ وقد تظلّ مجهولة القائل.
ولا يقتصر الأمر على شعرنا، فثمّة كلمة في الفرنسيّة «ليدة Lied» هي ألمانية في الأصل، تعني «أغنية شعبيّة» أو «قصيد غنائيّ» القصد منه الإنشاد، وتعني أيضا الأغنية التي يكون موضوعها القصيدة نفسها. و«الليدة الشعبيّة» مجهولة المؤلّف، أو أنّ مؤلفها منسيّ في الأغلب الأعمّ أي هي «يتيمة». وهي تنقل بواسطة التقليد الشفويّ، الأمر الذي أفضى إلى تغيير تراتيبها اللّحنية والوزنيّة. ومدارها على مقاطع يطّرد لحنه قافية أو لازمة، وتتغنّى بالأحداث أحداث الحياة والصّيد والحرب والحبّ. وأقدّر أنّ كثيرا من شعرنا القديم شكل من أشكال «الليدة».
ترجع الأبيات اليتيمة عند العرب إلى كتابة هذا الشعر التي تقلّبت في أطوار أفضت إلى عبث به غير يسير، تركّز في وجوه القراءة المتنوّعة التي شملت تركيب الجملة وطريقة لفظ الكلمات المفردة مثل إثبات كلمة وإسقاطها، أو تغيير الكلمة نفسها، أو تغيير ترتيب الكلمات،أو تغيير أوجه الإعراب، وما إليها. ومن الثابت تاريخيّا أنّ الأبجديّة العربيّة كانت في عصور التّدوين الأولى تتألّف من حروف تشير إلى الأصوات الصّامتة ولكنّها تخلو من الرّموز التي تؤدّي الحركات أو تضبط أواخر الكلمات، أو تشير إلى المدّ أو التشديد أو الإشباع أو الإمالة أو السكون أو التنوين؛ أي أشكال التّنقيط أو التّرقيم الذي لم تعرفه العربيّة في صورته الحديثة إلاّ لاحقا، وإن كان المسلمون عنوا به في تلاوة القرآن في ما أسموه اصطلاحات الضّبط وعلامات الوقف.
على أنّ هناك صعوبة قد لا يمكن تذليلها. ومردّها إلى أنّ كثيرا من هذه الرّوايات على مابها من اضطراب مستحكم وفروق بادية أو خفيّة، قد تكــــون مأثــــورة عن الشـــاعر نفسه، أو عن أنصاره؛ وليس ممّا تناقله الضّعفة من الرّواة والجهلة من النّاسخين كما يقول أبو العلاء المعرّي. فلاهي كلّها مجهولة النسب ولا هي متّهمة الأصل، ولا هي ممّا يعوزه التّحري والدقّة أو ينقصه الضّبط والتّحقيق. وفي نسخ ديوان أبي تمّام مثلا المطبوع منها والمخطوط، ما يعزّز من وجاهة هذا الأمر ويلزمنا إعادة وصف الرواية. 
يقول أبو بكر الصولي (243هـ – 335هـ ) وهو أقرب الشرّاح عهدا بأبي تمّام، وأوّل من وقف على اضطراب رواية هذا الشّعر؛ وكان همّه أن يخرج للنّاس نسخة يجتمعون عليها، كما جاء في رسالته إلى مزاحم بن فاتك:»وليس يجب، أعزّك الله، أن تنظر إلى اختلاف النّاس في أيّام أبي تمّام واضطراب روايتهم لشعره، فإنّهم بعد إتمام هذه النّسخة يجتمعون عليها، ويسقطون غيرها، كما كانوا مختلفين في شعر أبي نواس وأخباره ؛ ثمّ اجتمعوا عليه بعد فراغي منه، حتّى أنّ النّسخة من شعره من غير ما عملته لتباع بدراهم، وقد كانت قبل ذاك تباع بعددها دنانير؛ ولعلّها بعد قليل تفقد فلا ترى، وتسقط فلا تردّ». 
وإشارة الصّولي إلى نسخ الدّيوان التي كان النّاس يتناقلونها ويتداولونها في عصره، تدلّ على أنه عاد إليها، في تحقيق شعر أبي تمام، وتخليصه من تصحيف الرواة وتحريفهم؛ وقد أدرك أنّ ذلك كان من أسباب الطّعن على الشّاعر والوقيعة فيه. جاء في رسالته إلى مزاحم:»وقد رأيت – أعزّك الله – بعض هؤلاء الجهلة يصحّف أيضا على أبي تمام، ثم يعيب ما لم يقله أبو تمّام قطّ. وأنا ذاكر ذلك في موضعه من الشعر.» 
٭٭٭
وهذا بيت يتيم لأبي تمّام تمثّل به أحد فحول نقّاد الشعر وهو الآمدي. ولكن لا أثر له في النسخ المتداولة من ديوانه؛ وقد توصّلت بجهد خاصّ إلى مكانه من المدوّنة، وأعدته إليها؛ على نحو ما فعلت في مواضع غير قليلة طلبا «للنسخة الأمّ».
 
قفْ نؤبّنْ كِناسَ هذا الغزالِ
إنّ فيه لمســــــرحًا للمقالِ
 
فقد ذكر محمّد محيي الدّين عبد الحميد محقّق الموازنة بين الطائيّيْن أبي تمّام والبحتري، أنّ هذا البيت لا يوجد في ديوانه المطبوع. وساق شرح الآمدي: «وإنّما يريد [أبوتمّام] الخيمة أو البيت من بيوتهم، سمّاه كناسا لأنّه جعل المرأة غزالا: أي قف بنا نندبه فإنّ المقال يتّسع فيه «، وخلص إلى أنّه «بيت جيّد ومعنى حسن مستقيم «.
ولا وجود لهذا البيت حقّا في أيّ من نسخ الديوان المحقّقة، ولاشكّ أنّ الآمدي استأنس بنسخة كانت عنده، ولكنّها فقدت لسبب أو لآخر. والأرجح في تقديرنا، بعد أن نظرنا في القصائد التي جاءت على قافية اللاّم من البحر الخفيف، أنّ هذا البيت قد يكون مطلع قصيدته :
 
شدَّ ما استنزلتكَ عن دمعكَ
الأظعانُ حين استهلّ دمع الغزالِ
 
على أن نقرأ هذا البيت برواية الصّولي (نسخة ليدن) حيث جاء «حتّى استهلَّ سحُّ العزالِي» وهو من العزلاء أي مصبّ الماء، مكان «حين استهلّ دمع الغزال». وذلك حتّى لا يكون في هذه القصيدة ذات الأبيات السّتّة برواية الصّولي والتّبريزي، والأبيات السّبعة بـ«روايتي» إيطاء؛ وهو أن تتكرّر كلمة الرويّ لفظا ومعنى من غير فاصل بين الأبيات. وقد يكون عددها سبعة أبيات أو دونها. وهو مأخوذ من (المواطاة) التي تعني الموافقة. 
ومن ثمّ يمكن أن تروى هذه الغزليّة كما يأتي :
 
قفْ نؤبّنْ كناسَ هذا الغــزالِ
إنّ فيــــه لمســـرحًا للمقالِ
 
شدّ ما استنزلتك عن دمعك الأظعان حتّى استهلّ سحّ العزاالي
 
كما يمكن أن يروى بيتها الثّاني( وهو الأوّل في الدّيوان)، بالصّيغة التي جاء عليها عند الصّولي والتّبريزي؛ لأنّه «إذا كرّر الشّاعر قافية التّصريع في البيت الثّاني، لم يكن عيبا.» كما يقول ابن رشيق القيرواني.
 
إنّ إعادة البيت اليتيم إلى أهله أو نسبه أو قرابته، تقتضي معرفة عميقة بمذهب الشاعر أو طريقته. ولعلّ استخدام أبي تمام للتّرديد والجناس والمفعول المطلق وصيغة المثنّى استخداما مكثّفا؛ وإن بنسب متفاوتة، أن يعزّز من رجاحة ترميم القصيدة. وربّما أفضى بنا إلى القول إنّنا لا نقع على الشّعر في ما نتوهّم أنّه ثبات فنّيّ، وإنّما هناك في اللغة حيث يضرب بجذوره. ومن ثمّة كان لزاما علينا أن نعود إلى كلّ هذه الروايات عسى أن نرسم المجرى الذي يبدأ من اللغة وصولا إلى النسب. 
لكن دون أن ننسى أنّه إذا كانت الرّوايات متساوية من حيث التّحقيق والتّوثيق، فقد يتعذّر تمييز ما بها من فروق دقيقة خفيّة، وترجيح واحدة منها على أخرى، بشيء من وجوه التّرجيح. ومع ذلك يظلّ بإمكاننا في مواقع غير قليلة، أن نصوّب تصحيفا هنا، وتحريفا هناك؛ وبخاصّة ماهو ناجم عن خطأ في القراءة لاشتباه الحروف أو لتحريفها عن وضعها، أو ما هو مباين لمذهب الشاعر.
 
٭ كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات